يحظى الشاي بمكانة خاصة عند الموريتانيين تصل إلى حد اعتباره غذاء روحيا لا غنى عنه، وعندما يسمع الموريتاني صرير أكواب الشاي وارتدادها إلى الصينية في تناغم فريد يتحرك وجدانه ويثير المشهد فيه كل طرب وترنيم.
وقد حاول الكثير من أدباء بلاد المليون شاعر وصف أهمية هذه المادة وشغفهم بها حيث يقول الأديب عبد الحي ولد التاب في إحدى مقاماته الأدبية (ومن رأى منهم الكوب بين كاساته والإناء حين ازاته رأى منظرا أنيقا وسمع صوتا رشيقا واهتز طربا لذلك .
وعن التغريد لن يتمالك) أما المؤرخ المختار ولد حامدن فقد وصف بأسلوب أدبي شيق كيف استقبل الموريتانيون الشاي حيث يقول (فاقبلوا إليها شعوبا وقبائل وأدركوا عندها توالي وأوائل.
وقام لها زيدهم وعمرهم وأوقدوا لها الشمع وشنفوا بأحاديثها السمع وصافحوها بالإيمان ولقموها بالبنان ولسنوها بالشفاه واستعذبوا لها المياه، وحلوها ما لم تحل تاجه ولم يدعوا لها حاجة ولا باجه).
والزائر إلى موريتانيا كثيرا ما يتساءل عن سر اهتمام الموريتانيين الزائد بالشاي إلى درجة أن بعض المثقفين الأجانب ذهب إلى حد القول ان الشاي جزء من الشعائر والطقوس التي يحرص الموريتاني على ممارستها يوميا حيث يقول الصحافي الفرنسي جان كلود كلوتشيكوف:
إذا ما شئنا أن نقوم بدرس اقتصادي في العالم كله وحتى أيضا بين أهل البدو لتبين لنا أن الموريتانيين هم أكثر سكان العالم استهلاكا للشاي يشربونه في كل الظروف.. في البيت، في المكتب، تحت الخيمة، في وسط الصحراء، في محطات الوقود، عندما يمونون عرباتهم، وعلى مراكب الصيد.
وأكثر من ذلك فان الشاي أصبح المشروب الذي لا يستغنى عنه في شعائر الصداقة وفي الضيافة، فالموريتاني قد ينسى غيار لباسه،.
ولكنه لا ينسى لوازم الشاي البسيطة: مسخنة تعمل على الكحول والغاز، إبريق الشاي، قالب السكر والمطرقة لكسره، الكاسات الزجاجية، وبالتأكيد أكياس الشاي الصغيرة، وضمة من أوراق النعناع الطازجة.
وهذه الخاصية التي يتمتع بها الشاي في موريتانيا جعلت باعته المتجولين يتزايدون بشكل كبير حتى لا يكاد يخلو منهم شارع أو زقاق، تجدهم في ساحات الجامعة، وباحات الفنادق، وعلى حافة الشاطئ، وداخل الإدارات والمؤسسات العمومية، لكن بائع الشاي المتجول اعلي ولد سالك لا يرى في ذلك ما يثير الاستغراب حيث يقول:
من المعلوم ان البضائع عندما يزداد الطلب عليها داخل السوق يشتد التنافس بين التجار لتوفيرها لذا فمن الطبيعي ان تجد أعداداً كبيرة منا تتجول في كل مكان فنحن بلد يعشق سكانه الشاي ويحبون تناوله في كل الأوقات والظروف.
ولم يكن يوجد داخل السوق الموريتاني قبل عقد من الزمن سوى أربعة أصناف فقط من ورق الشاي منها هي: المفتول، والنميلة، والعود، والحمراء، لكن معظم الموريتانيين كانوا يفضلون شاي ورق المفتول، وقد تبارى ظرفاؤهم في مدحه وذم الآخرين حيث يقول احدهم:
إذا لم نجد إلا النميلة مشربا
شربنا ولم نسمع مقالة ذي عذل
وان حضر المفتول قلنا لنملة
مقالتها للنمل في سورة النمل
ويقول آخر
لا تشتري العود شاري العود مغبون
والصب ويحك بالمفتول مفتون
قد بان بون لدى التجريب بينهما
وفي التجاريب يبدو الفرق والبون
ويقول آخر
إياك والحمراء لا تشربنها
إذا وجد المفتول في بيت تاجر
وكان الموريتانيون في القديم يحبون شراب الشاي في هزيع الليل الأخير حيث تنشأ حوله حلقات الطرب ومجالس اللهو والسمر وسجال الشعر والأدب يقول احدهم في ذلك:
ألا فاسقني كاسات الشاي ولا تذر
بساحتها من لا يعين على السمر
فوقت شراب الشاي وقت مسمرة
يزول عن قلب شاربه الكدر
نواكشوط: بشير ولد ببانه