فتحت قناة «الجزيرة» الفضائية منذ انطلاقتها آفاقاً جديدة للإعلام العربي، وفتحت كوة في جدار الصمت العربي التاريخي حول مشاكل وهموم وقضايا لا يمكن مواجهتها بالصمت.
فانشد إلى نشراتها الاخبارية وبرامجها الحية التفاعلية المواطن العربي المقيم والمهاجر على حد سواء، خصوصاً وأن شعار المحطة الرئيسي «الرأي والرأي الآخر»، مما يعني ان الفضاء يتسع لوجهات نظر متضاربة أو متناقضة، في دلالة على ديمقراطية مفقودة، إلى حد كبير في العالم العربي، وموجودة هنا على الفضاء، الذي أضافت له الجزيرة رحابة مطلوبة ما لبثت أن اتسعت حتى أصبحت القناة مؤثرة في الإعلام العالمي.
فالجميع يذكر حين تناقلت وسائل الإعلام المرئية وغيرها أخبار الحرب على افغانستان، كونها الوحيدة المتواجدة في قندهار وكابول وسواها من المدن الأفغانية، بالطبع هذه الفرصة لم تقدمها حكومة «طالبان» مجاناً للجزيرة، ولكنها فرصة كبيرة عرفت القناة استغلالها وتوظيفها ولم تتوان عن إظهار وحشية القصف الأميركي بصورة أفظع من صورة الطائرات المدنية وهي تصطدم «ببرجي التجارة » في مدينة نيويورك.
فكان لابد من قصف مكاتبها في كابول ولاحقاً في بغداد، وبرر القاصف ذلك أنه حدث عن طريق الخطأ، لاشك بأن هذا العمل أكثر من خطأ وقد يكون خطيئة متعمدة بالفعل، خصوصاً وأن فضيحة خرجت للعلن في الأشهر الماضية عن وثيقة بريطانية حادث فيها الرئيس الأميركي رئيس مجلس الوزراء البريطاني عن نيته في قصف مكاتب الجزيرة في المركز الرئيسي.
خبر مذهل ومخجل، كما هو الاتهام لمراسل الجزيرة في افغانستان اثناء فترة الحرب تيسير علوني بالعلاقة مع إرهابيي «القاعدة» من قبل القضاء الاسباني، قد يكون علوني متعاطفاً مع الحركات الإسلامية، لكنه عمل كصحافي ليس أكثر فهو ليس بالمحلل بقدر ماهو ناقل لصورة الحقيقة في أي حال يتطلب هذا الأمر مناقشة لمعنى «الديمقراطية» كفعل تراكمي وما ينتج عنه ليس مكانه هنا الآن.
«الرأي والرأي الآخر» إلى حد بعيد حققته الجزيرة، مع أنها تميل أحياناً إلى جهة المتطرفين، فمن الممكن أنها تريد بذلك الاستحواذ أو احتكار بيانات «القاعدة» وأشرطة الفيديو التي لايرسلونها الا إلى الجزيرة. مع أن المرسل يعلم ان اجهزة الأمن الأميركية تشاهد فحوى شريط الفيديو قبل بثه للمشاهد، لكنه لا يهتم فمن وجهة نظره ان الجزيرة شاشة مجانية يستخدمها للوصول إلى الملايين، وهو يريد لصورته التي تتوعد وتهدد وتنفذ الإعدام بحق اعزل بالذبح، ان تصل إلى جمهور «العدو» ولوحظ في خضم هذا انضواء قيادة تنظيم القاعدة أمام آلة التصوير، فلم يستطيعوا إخفاء متعتهم بأنهم قلب الصورة النابض.
وهذا يتطلب تحليلاً نفسياً لهؤلاء القوم الذين لا يفوتون فرصة استعراضية في أشد اللحظات حرجاً. فمن ينسى الاستعراض الذي قدمه قائد الطائرة الثانية التي اصطدمت بأحد برجي «التجارة العالمي» لأنه كان يعلم تماماً ان كل الكاميرات وكل الأعين مصوبة إليه في هذه اللحظة المرعبة، فلم يتأخر عن الاستعراض قبل الموت بهنيهة، مع أن هذه الصورة استفاد منها من يحبون ان يسموه عدوهم «الشيطان».
أمام انضواء عقل «المتطرف» بالصورة، انضوت محطة الجزيرة بالسبق الصحافي دون التوقف للحظة أمام ما يضر بصورة العربي والمسلم في العالم. فهذا سؤال جدي في وجه إدارة القناة. التي تثير مشكلات أنظمة عربية معينة وتتغاضى عن أخرى. تظهر ما تريد وتخفي ما تريد. ففي هذه اللحظة يوضع «شعارها» على الرف لحين الحاجة، حتى كأنها بذلك تظهر كل ما قدمته من ايجابيات ليس إلا وسيلة لجر الجمهور المشاهد إلى ما تريد قوله وإعلانه بأسلوب ذكي يتخفى خلف براءة المهنة الصحافية الساعية إلى الحقيقة.
بالطبع إن القناة فريدة، لأنها وحيدة يقاسمها الفرادة اليوم قناة «العربية»، الأكثر ليبرالية في طرحها، بإدارة الصحافي المخضرم عبد الرحمن الراشد المشبع ليبرالية إلى حد التطرف، بمواجهة مدير عام «الجزيرة» وضاح خنفر الذي قفز من مراسل «عادي» إلى مدير عام بقدرة قادر، وفي خطوة لا تحدث إلى في المؤسسات العربية. قد يكون خنفر يستحق لكن الخبرة مطلوبة والتسلسل في الارتقاء الوظائفي ضرورة علمية لا مفر منها.
بين «العربية» و«الجزيرة» تنافس طبيعي، يتحول إلى صراع، في مرات يدفع بالمحطتين إلى الابتعاد عن الاعتدال في أخبارهما وبرامجهما، ففي حين تنحو «الجزيرة» نحو أن تكون الصوت الإعلامي للتطرف، تنحو «العربية» لأن تكون صوت وصورة المشروع الأميركي. قد يبرر هذا وذاك بأن كل وسائل الإعلام في العالم ليست حرة أو مستقلة بالكامل. وهذا صحيح إلى حد ما. ولكن الصحيح أيضاً أن لا ترفع شعارات توهم المواطن العربي، الذي لا يحتاج إلى جرعات وهم جديد حول حياته إلى خرافة. وعلى هذا تبدو القناة الأولى كأنها تخون شعارها والقناة الثانية كأنها تخون اسمها.
مذيعو نشرات الأخبار في الجزيرة أقوى مهنياً من مذيعي نشرات العربية، إضافة إلى أن مستوى الخبر «التحريري» الأفضل. مع أن العربية «أغوت نجمة من مذيعي أخبار «الجزيرة» وضمتها إلى فريقها، من دون أن تنجح بالتفوق على «الجزيرة». وكذلك هي البرامج المباشرة في «الجزيرة»، أوسع بما لا يقاس من برامج « العربية»، التي تكاد لا تقدم أي برنامج مباشر.
مع أن أكثر برامج «الجزيرة» يلزمها تجديد أو استبعاد كبرنامج «الاتجاه المعاكس» القائم على الصراخ من دون أن نفهم أحياناً الغاية من حلقات كثيرة، لشدة زعيق الضيوف، الذي يشعله مقدم البرنامج فيصل القاسم بأسلوب مكرر على الدوام، بعبارة «كيف ترد». ويقع أحمد منصور الصحافي الذي يحضر مادة حلقات برنامجه جيداً في غرور يكاد أن يقضي على مهنيته المعترف بها. في «بلا حدود» أو في «شاهد على العصر» البرنامج المتوقف على حد سواء. بمقابل سامي حداد في «أكثر من رأي» الذي هو فرصة حقيقية للآراء المتعددة أن تظهر.
ويعد ما يقدمه من أفضل برامج «الجزيرة» إلى جانب برنامج «من واشنطن» من إعداد الصحافي المعتدل والعالي المهنية حافظ الميرازي، المميز بتواضعه، والذي لا يوازيه سوى المحترف محمد كريشان تواضعاً ومهنية عالية في كل ما يقدم. وكذلك هم جمانة نمور وخديجة بن قنة وجمال ريان والقدير جميل عازار في ملفه الأسبوعي.
ومن المراسلين الممتازين في «الجزيرة» أكرم خزام الذي يعد خسارة للمحطة بسحبه من مكتب «موسكو» واستبداله بمن هو أقل خبرة منه. ومحمد العبدالله المراسل صاحب الصوت الذهبي، الذي عرفناه مراسلاً للمحطة في أوروبا الشرقية، ومن ثم برز بقوة في «البصرة» أيام الحرب على العراق. ومن الخسارة أن يستبعد عن المراسلة من منطقة حدثية بالمعنى السياسي أكثر من المكان الذي يراسل منه الآن.
ينتج أسعد طه عدة برامج لقناة الجزيرة، ويعد ويقدم البرنامج الشهري «يحكى أن» الذي يقع في لغة إنشائية بائدة، ويدخل المشاهد السامع في لحن الطباق والجناس حتى تكاد «مقدمات» الحلقات مقدمة واحدة، مع أن فحوى المادة التي يقدمها من مستوى جيد. لكنه لا ينجح بقدر نجاح يسري فودة في برنامجه «سري للغاية»، الذي يقدمه بأسلوب وأداء خاصين ولم يجد حرجاً أحمد عبدالله مقدم برنامج «العين الثالثة» على العربية في نحل البرنامج وأداء فودة بشكل كامل ويدعو للسخرية.
إغلاق مكاتب «الجزيرة» في العراق استفادت منه العربية، باستفرادها بالتغطية الكاملة لهذا الملف مع كل النقد الذي تعرضت له نجوى قاسم المراسلة الرئيسية لفترة طويلة من العراق، بأنها تراسل من «حول غرفتي» تذكيراً بمسلسل درامي لبناني عرض في سبعينات القرن الماضي. وقاسم مذيعة أخبار ومحاورة ناجحة يتدرج بجانبها من مذيعي «العريبة» زينة يازجي البارزة أكثر من طالب كنعان الواقع في ادعاء أكبر مما يقدم.
برامج «العربية» المباشرة تكاد تكون معدومة بسبب مجهول. فبرنامج «من العراق» الذي يقدمه الإعلامي المحترف إيلي ناكوزي من «دبي» يخسر الكثير من حرارته، لأنه مسجل وغير تفاعلي، مع أن ناكوزي خبير في تقديم البرامج «التفاعلية» التي اشتهر بها في فضائيات لبنانية، وكان يمكن الاستفادة من خبرته في استوديوهات العربية أكثر. بدل التقديم المسجل البارد والذي يشوبه التميز لطرف في العراق دون آخر، مما يخسره شيئاً من مهنية المقدم ومن مصداقية البرنامج عموماً.
«استفتاء على الهواء» للعربية يقدمه أحمد حسني يستطلع آراء الجمهور، كما هو «منبر الجزيرة»، مضمون البرنامجين يحمل اسمهما، واختياراتهما للمواضيع موفقة. تناوب على تقديم «منبر الجزيرة» عدة أسماء من مذيعيها أفضلهم جمانة نمور المتمتعة بسرعة بديهة تستثمرها جيداً بهكذا نوعية من البرامج.
برنامج آخر يتوازى مع نمط «منبر الجزيرة» هو «حوار مفتوح» من إعداد وتقديم غسان بن جدو الذي يبدو يراوح مكانه في برنامجه، فهو لا يخرج عن إطار مناقشة قضايا لبنانية في أكثر الأحيان أو فلسطينية أو سورية. كما أنه يطيل مقدماته التي تأخذ من «الهواء» وقتاً يحتاجه البرنامج لكثرة عدد المشاركين.
«مشاهد وآراء» من إنتاجات «العربية» الجيدة. يقدم فيلماً وثائقياً يتم مناقشته من أعمال المذيعة الإخبارية ميسون عزام، التي لم يعرف حتى الآن لماذا قامت باستعراض ذاتي وهي حامل على الشاشة من دون أي مبرر؟ مهند الخطيب مذيع أخبار وصاحب برنامج «تحت الضوء» (المباشر) على شاشة العربية، يقدم برنامجاً رصيناً يبتعد عن الثرثرة وإضاعة الوقت بالثرثرة، وينفذ إلى صلب مواضيعه مباشرة بإدارة مقدمه الذكي.
«زيارة خاصة» من إنتاجات أسعد طه وتقديم وإعداد سامي كليب الكاتب الصحافي المعروف بسعة ثقافته يفتش عن القضايا المهمة في الذاكرة ويحاول نبشها بزمن قصير يفيد فيه المشاهد ويضيء على حقائق متناسية. برنامج آخر مهم على شاشة «الجزيرة» هو «ممنوعون» يشكل فسحة لمن منعوا من المثقفين والمبدعين في أوطانهم يقدمه حسين صالح.
يقابل «زيارة خاصة» على شاشة الجزيرة «مهمة خاصة» على شاشة «العربية» في كل مرة يقدم مادة حلقته «مراسل» ويواظب أكثر من غيره باسم الجمل على تقديمه وهو صحافي بارع في تنسيق الأرشيف خصوصاً بتلك المواضيع المتعلقة بفلسطين والاحتلال الإسرائيلي.
تركي الدخيل معد ومقدم برنامج «إضاءات» يتابع القضايا الإسلامية من جوانب متعددة، دعاية برنامجه رديئة ولا ينجح حين يكون واقفاً بمواجهة الكاميرا. وهذا عيب إخراجي الذي لا يقدر فنيه تقديم الصورة بنواقصها.
لعل ما ينقص «العربية» شخصية إعلامية بمستوى ما تتساوى مع أهم الصحافيين العرب محمد حسنين هيكل الذي عرفت «الجزيرة» كيف تكسبه عن البرنامج الذي يحمل اسمه. فالمتابع المختص والعادي يتمتع بالاستماع إلى هذا الرجل صاحب الذاكرة والثقافة الموسوعيتين اللتين يحملهما في رأسه الأسمر «البلدي»، وتحليله العميق لتاريخ ومشكلات وهموم العربي في الماضي والحاضر واستشراف المستقبل. فهو يتمتع بقدرة على الروي في الكتابة والمشافهة قد لا نجدهما عند كثيرين.
البرامج الثقافية شبه غائبة على شاشة الجزيرة بعد توقف «إشراقات» كوثر البشراوي و«المشهد الثقافي» توفيق طه، ومثابرة الكاتب خالد الحروب في برنامج «الكتاب خير جليس» أيضاً يستثمر وقت برنامجه على خير وجه كخير جليسه!!
في المقابل تنحو «العربية» نحو الجزيرة بقلة الاهتمام «بالثقافة» ولا تقدم سوى «روافد» منحة من إعداد الروائي والصحافي أحمد علي الزين الذي لا يخرج عن نمط كلاسيكي معتاد في تقديم برامج الثقافة على الشاشات العربية والمستغرب ان نص الزين «الإبداعي» يقوم على مشاكسة وعلى كسر الكلاسيكيات التي تستحوذ على روافده. هذا الإيجاز لبرامج الفضائيتين لا يغني عن تناول كل برنامج على حدة مستقبلاً.
ولابد من الاعتراف بتواجد هذا الإعلام المستجد في الساحة العربية بتجاوزها، ومع التقدير لكل الإيجابيات الكثيرة والكبيرة لكلا الجهتين لما أفادتا به المواطن العربي من إطلالة على الأحداث وخلفياتها، ولتعدد الآراء ووجهات النظر، ونقل صورة الآخر إلينا ونقل صورتنا إلى الآخر، لأن في هذا ضرورة وقد يكون طريقنا لنعبر الجسر نحو المشاركة في صناعة الحضارة الإنسانية التي غبنا عنها لقرون طويلة.
حسين قطايا
