اليمن هذا البلد الغني بالآثار القابعة في عمق كثبان صحراوية أو حضن جبل، فيه حضارة غاربة وذاكرة آخذة بالانكماش بسبب جملة من العوامل الموضوعية والتراثية، اضرت بحضارة عمرها أكثر من 3000 عام.
وهناك في الصحاري والوديان والقيعان والجبال اليمنية مدن ومناطق متخمة بالآثار والحُفر والنهابة، آثار حضارة وحُفر هي أقرب إلى النبش العشوائي من قبل لصوص الآثار المنحرفين الذين يجري ضبطهم بين الفترة والأخرى والذين يفرون إلى خارج البلد محملين بالخفي والعلني أحياناً أجزاء وقطع من ذاكرة الأمة وحضارتها الضاربة في الأرض.
ولا تنكر السلطات المختصة وعلى رأسها الهيئة اليمنية للآثار والمتاحف والمخطوطات بوجود عصابات ومافيات تهريب الآثار يمنيين وأجانب، ومحاولات تهريب فاشلة وحالات ناجحة، ففي العام الماضي والعام الجاري جرى ضبط مئات القطع الأثرية التي كانت في طريقها للتهريب.
وتسليمها إلى المتاحف الوطنية، ويقول مدير عام الآثار بالهيئة هشام علي الثور إن ما تم ضبطه في العام الماضي والأشهر القليلة الماضية نحو 416 قلعة أثرية أصلية و96 قطعة موروث ثقافي إلى جانب 300 قطعة من القطع المُقلدة الممنوع خروجها إلى خارج اليمن كونها تندرج ضمن الاحتيال والنصب على الآخرين وتشوه الحضارة اليمنية.
وأضاف ان الهيئة استعادت مؤخراً قطعاً أثرية يمنية من الأردن والسعودية وسلطنة عمان ولندن. كما تسلم اليمن قبل أيام تمثال آلهة الخصوبة بعد ضبط تاجر عربي كان يحاول بيعه في الولايات المتحدة الأميركية، وهذا التمثال جرى نهبه من أحد متاحف عدن أثناء حرب صيف 1994، وتهريبه إلى خارج البلد.
وأكد ان مدينة عدن ليست الوحيدة التي تعرضت آثارها للنهب، بل امتدت أيدي المهربين إلى محافظات ومناطق يمنية عديدة، فمحافظة مأرب تبعد 173 كيلومتراً شرق العاصمة صنعاء، تنام تحت رمالها وكثبانها الصحراوية أهم معالم حضارة يمنية قديمة يمتد بها العمر إلى الألف الأول قبل الميلاد.
وتحدث عن حضارة دولة سبأ، عن معالم هذه الدولة المزدهرة، عن معبد أوام وعرش بلقيس ومدينة صرواح وعن سد مأرب القديم الذي يشهد حالياً تنفيذ المرحلة الثانية من إعادة بناء بدعم من دولة الإمارات.
وقال مدير عام الآثار: تشير الدراسات إلى أن مدينة مأرب القديمة المتوغلة في الصحراء اليمنية كانت هي بوابة طريق التجارة القديمة، وبين يديها مفاتيح تجارة اللبان أسهمت بالازدهار التجاري.
وكانت تقارير رسمية قد ذكرت أن حضارة مأرب بحكم موقعها في صحراء مترامية الأطراف، غدت مخترقة من الجهات الأربع، من قبل عصابات تتحرك بأقل قدر من المخاطرة أو الغضب الرسمي أو الشعبي، فأبناء مأرب مسكونون بالبحث عن الاحتياجات المعيشية الضرورية في بلد يعيش حالة من الركود والتدني الاقتصادي.
كما ان المأربي ــ نسبة إلى اسم محافظتهم ــ لا يلتفت إلى أبعاد ومخاطر العبث بأثاره ولا بالدور الألغائي التدميري للتاريخ الذي تفعله تلك العصابات المحترفة في محافظة تسود فيها الأمية والترحال ومنهج الفيد وثقافة البندقية.
وذكر باحثون ودارسون انهم لاحظوا أثناء زيارتهم لمعبد »جرونم« الذي يعد أحد المعابر لمدينة مأرب القديمة والذي يعرف باسم »معبد سليمان« وجود 8 أعمدة حجرية، تشكل أبرز بقايا المعبد.
مازالت صامدة رغم محاولات العبث بهذا المعلم الذي تعرض لأعمال هدم غير مقصود تحت مبرر بناء مسجد بجانبه، وعلى أثره دون مراعاة للقيم الأثرية والتاريخية لهذا المعلم، وجود مساحة شاسعة خالية من شيء يمكن بناء المسجد عليها.
وفي مدينة مأرب القديمة المتوارية صوب باطن الأرض، كان يحيط بها سور حجري له ثلاثة أبواب من الجهات الغربية والشمالية والجنوب الشرقي، ومن مكوناتها قصر »سلحين«.
وعدد من المعابد التاريخية، ومن على هذه المساحة قرع الباحثون أجراس الخطر، محذرين من اندثار ما تبقى من معالم، جراء القيام بمشروع حكومي لإمدادات المياه يمر بالقرب من الموقع الأثري.
وما يحسب، هنا، لوزارة النفط والمعادن وهيئة الآثار أن شكلتا مؤخراً فريقاً مشتركاً مهمته مسح الطريق الذي ستمر عليه أنابيب مشروع تصدير الغاز الطبيعي المسال المزمع إقامتها على طول المسافة الممتدة من حقول الغاز بمأرب، إلى موقع التصدير بميناء بلحاف بشبوة الواقع على بحر العرب.
وذلك تفادياً لأية استحداثات قد تضر بالمواقع الأثرية الواقعة على طريق الأنابيب.ان هذا الوضع المرزي لا ينطبق على المعالم والآثار المأربية وإنما يكاد يكون ملازماً لغالبية المواقع الأثرية في المدن والمناطق اليمنية الأخرى، فلم يعد خافياً على أحد من المهتمين بهذا الشأن ان أعمال النهب والتدمير والنبش العشوائي للمواقع الأثرية وصلت لمحافظات الجوف وأبين وشبوة وحضرموت وصعدة وتعز وإب ومناطق أثرية أخرى.
