حين صدرت السيرة الذاتية للكاتب المغربي محمد شكري منعت في معظم الدول العربية بحجة جرأتها الزائدة وغير المألوفة لكن فيلم »الخبز الحافي«، الذي حمل عنوان السيرة يذهب إلى أكثر من ذلك إذ يمجد حياة جعلت من البطل »شيطاناً« بدلاً من أن يكون ملاكاً بلا تجربة.

يبدأ الفيلم الذي أخرجه الجزائري رشيد بن حاج (56 عاماً) بمدينة طنجة الشمالية الساحلية في مطلع الأربعينات والطفل محمد شكري يبحث في صناديق القمامة عن كسرة خبز يسد بها فم الفقر الذي تعيش فيه أسرته فيعثر على حذاء ودجاجة ميتة. لكن أمه تلقي بالدجاجة بعيدا وتنهره قائلة »حرام المسلمين يأكلوا الجيفة«.

وينظر الطفل الذي يظل مسلوب الوعي إلى أن يتجاوز العشرين إلى أمه بغضب في إشارة إلى أن الفقر والجوع أكثر حرمة. وهي فكرة سبق إليها الكاتب المصري يوسف إدريس في قصة »طبلية من السماء«.

وفي مشهد مؤثر من الفيلم وهو إنتاج مغربي ــ فرنسي ــ إيطالي مشترك، تسقط زجاجة لبن من سيدة ثرية فينحني الطفل إلى الأرض لاعقا الحليب ويدمي الزجاج لسانه ولكنه يواصل البحث عن بقايا الحليب بين تراب الشارع وكسر الزجاج.

وعرض الفيلم مساء أمس الأربعاء في القسم الرسمي خارج مسابقة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي بدأت دورته التاسعة والعشرون الثلاثاء الماضي وتختتم في التاسع من ديسمبر الجاري بمشاركة 140 فيلما تمثل 48 دولة.

والفيلم الذي يبلغ مئة دقيقة يجعل من الصبي الذي لا يخلو رأسه من قرحات شاهداً على حياة قاسية إذ يبكي أخوه الصغير عبد القادر من الجوع فيضيق به أبوه ويحاول منع بكائه فيقتله. لكن الفقراء يجدون في الجنس ملاذا ولا يتورعون عنه على مرأى ومسمع من الصغار. وتلد الأم بنتا في حين يكون شكري الفتى في السينما يشاهد فيلما ويشعر بقوة غريبة في جسده تتحول إلى رعشة البلوغ ويكتشف أنه أصبح رجلاً.

ولشكري الذي تعلم الكتابة في السجن وعمره 21 عاماً قصص ورويات أخرى منها »مجنون الورد« و»السوق الداخلي« و»الشطار«. وبالتوازي يستعرض الفيلم وعي جماهير المغرب بقضية استقلال بلادهم بعد أربعين سنة من الاحتلال الفرنسي. ويفاجأ شكري عام 1954 بأنه وسط مظاهرة تطالب بالحرية والاستقلال فيسأل.. لماذا. وتأتيه الإجابة »نبغي نخرج الفرنسيس«.

وبعد تجارب من التعامل مع بنات الليل يجد البطل نفسه معتقلا مع آخرين منهم الشاب وطني مرواني الذي يكتب على جدران السجن بمسمار أبياتا من قصيدة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي (1909 ــ 1934) ومنها«، إذا الشعب يوما أراد الحياة ــ فلابد أن يستجيب القدر. ولا بد لليل أن ينجلي ــ ولابد للقيد أن ينكسر«.

ولا يفهم شكري شيئاً لأنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة فتبدأ رحلته مع الكلمة حتى أن ملك المغرب محمد السادس نعاه بوصفه »أحد المبدعين المرموقين فقد فيه المشهد الثقافي لبلادنا أحد أعلامه البارزين في فن الرواية«.

ويختتم الفيلم بمشهد لشكري نفسه في نهاية حياته وهو جالس أمام قبر أخيه عبد القادر ويتذكر كلمات قيلت يوم مات أخوه تشير إلى أنه في الجنة مع الملائكة ويهمس لنفسه قائلا إن الصغار إذا ماتوا يظلون ملائكة ولان الميت ملاك فلابد أن الحي شيطان. ويعلق.. »فاتني أن أكون ملاكاً«. (رويترز)