استضاف اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في مقره أول أمس الأديب جمعة اللامي المعروف بعموده اليومي صحافياً وأسلوبه الخاص قصصياً وروائياً، وذلك لقراءة في جديده »دفتر الشارقة« حيث يؤسس اللامي لسلسلة متواصلة مما يشبه السيرة الذاتية يدون فيها علاقته بالشارقة كمكان وببلده العراق وقريته ميسان كحنين، إضافة للتحولات الثقافية التي شهدتها الإمارات وبدأ السلسلة بكتابين، الأول »ابن ميسان« والثاني »مملكة الحكمة بوابة الكلمة« وقام الناقد عبدالفتاح صبري بقراءة في هذين الجزأين موضحاً ان الأديب جمعة اللامي هو بالضرورة ابن الحالة العراقية الممتدة عبر أكثر من خمسين عاماً تقريباً.. فعند الحديث عنه أو عن تجربته لا يمكننا ذلك إلا عبر بوابة العراق.. ذلك الباب العظيم الفاتح على التاريخ والزهد والنصر والجغرافيا، والحضارة واللغة وبكل أسف على الحرب أيضاً والانكسار والوجع...

في تجربته الباكرة لا يمكننا تجاهل تجريبه القصصي ومن ثم دخوله إلى النص الصوفي في رواياته المتعاقبة وإلى إشارته العميقة المضمخة بوجد الفيوض الأخرى في نصوصه السردية »كمجنون زينب« مثالاً. في »دفتر الشارقة« آخر إصداراته سترى نفس التقنية ونفس المضمون.. تلك العناية بالألم والأمل وأثر الغربة والاغتراب.. ووجع العزلة وألم الفراق والحنين.

وأضاف صبري ان الجزء الأول »ابن ميسان في عزلته«.. ذلك التطواف الشعري والسردي أحياناً في زمن يمتد في حياة الشارقة الذي وجد فيها اللامي هذه الوشيجة بينها وبين ميسان المدينة الأم فأعلن حبه للشارقة منذ الهبوط الأول مستنداً إلى الكتابة في البحث عن أمانه والخروج من عزلته الاختيارية والقسرية في آن.

ولن يعوزنا الجهد للوقوف على مرارة العزلة والاغتراب والحنين الراشحة من النصوص وكذلك فضح تلك القوى المهمشة للإنسان.. ووجع الحاجة للآخر.. وإذا أمعنا النظر سنرى أيضاً سيرة الإنسان بعيداً عن البدايات والأرض الأولى. سيرة في المهجر تختلط فيها الرؤى.. بالمشاعر والحاضر بالماضي.. ومنها أيضاً سنجد أن الأديب جمعة اللامي رسم لنا صورة هذا العالم المتشح بآليات الطرد والمباغتة ولكنه يحاوره بعاطفة الصمود وذاكرة البقاء وروح التحدي والمقاومة... في عزلته لا يملك سوى الكتابة والشعر ومفرداته المشغولة بذكرياته وحضوره في المشهدين، الماضي والحاضر.. هنا في الشارقة وهناك في ميسان.

أغْلقتِ المطاراتُ أبوابها

وغيب الأفق آخر سراجات الروح

... إلى أن يقول

وصيتي

»إذا ما متُّ ادفنوني بين نخلتين في ميسان«

وأكد صبري ان هذا التعلق بالأرض الأولى.. المكان الأول للبداية هو ترجمة لحنين جارف يعمقه الابتعاد والمسافات والزمن ويعلي من قدره هذا الاغتراب الزمني الذي طال سنوات وسنوات وكان مسورا بأشواك الأمل في العودة.. مما جعله يبرز دوما في متن القصيدة وفي منهج السرد.

ويتأمل أكثر لجهة الاقتراب لتلك التيمة الجارفة في مذكرات »ابن ميسان في عزلته« سنرى أنه قسمها إلى عدة أبواب

باب الدولة، باب الصحين، باب غوز، باب الخلاص، وباب الحنين.

وأشار إلى أن اللامي يدخل من باب الدولة متخيلاً انه سيخرج من باب الحنين مروراً بتلك الأبواب التي تسلمه إلى بعضها ومازال واقفاً بباب الحنين بعد هذه السنوات قابضاً على صرة الحياة وارث الخلود ورمز الطهر تراب الحياة والحنين مازال واقفا بباب الدهشة مطلا على سنوات الغربة التي مازالت تستنزف العمر والدفء وهكذا.

وفي الجزء الثاني من دفتر الشارقة »مملكة الحكمة، بوابة الكلمة« سنجد ان الأديب جمعة اللامي سجل فيه بعض كتاباته فجمعها بين دفتي هذا الجزء ومنهجها حسب توجهها جابر عثرات الكرام، بعدما أسدلت الستارة، الخليج والمحيط: شموس خلف السحاب، وضد التصنيم.

هذا التصنيف سيقودنا حتما إلى نوعية تلك الكتابة حسب التبويب ولكننا سنرى في الجزء الثاني بعدما أسدلت الستارة« المسافة الأعظم في هذا الكتاب وهي اهتمت بالمسرح الاماراتي وهي عدة مقالات قيمة تؤرخ للمسرح الوطني الاماراتي من دافع أيام الشارقة المسرحية ومن دافع حركة المسرح في الإمارات وهي تنظر للمشهد المسرحي ولجهة اهتماماته وبواعث حركته وصموده وتواتره وهذه المقالات عدا انها ترسم نيودراما للحالة المسرحية ولكنها أيضا تتضمن التنظير المهم والواعي للأولويات الفنية والتقنية للمسرحية الاماراتية ولذلك سنجدها بارزة في التقنية والسنوغرافيا والاخراج والنص والتلقي.

أما عن باقي الأجزاء من هذا الكتاب فإنها أيضا تقدم مسحا ثقافيا أو تقدم قضية للمثاقفة أو قضية للمناقشة وهي من هذه الزاوية تقدم المعرفي أحيانا وإثارة السؤال الثقافي أحيانا أخرى.

وبالتالي فانه يمكن أن يكون مرجعية للاقتراب من المشهد الثقافي والمسرحي في حينه وأيضا لا يخلو من الامتاع الفني ولما يتمتع به اسلوب الأديب جمعة اللامي من عناصر التواصل والتلقي والتشويق إضافة إلى حرصه الدائم على الركون إلى المرجعيات وإلى اشراقاته، مرآة، النص الذي يوليها دائماً كعتبة أولى نافذة إلى النص وولوجا سهلا مرناً إلى عمق النص.

وفي ختام الندوة قدم الأديب جمعة اللامي قراءات استهلالية لكتابيه ثم أردف ببوح عن علاقته بالمكان »الشارقة« وأوضح الدوافع وراء كتابته لتلك السلسلة وما سيتبع هذين الكتابين في المستقبل.. ومن ثم دارت نقاشات حميمة حول تجربة اللامي في غربته واغترابه.

الشارقة ــ »البيان«: