أصبحت غالبية الصناعات الحرفية اليدوية في اليمن في حكم المندثر والمنقرض وفي سياق الطمس المتواصل بقصد أو من دون قصد للموروث الثقافي التراثي الضخم الذي ظل يتباهى به اليمنيون منذ قرون وحتى اليوم.
وقد تراجع إقبال السكان المحليين على المشغولات الحرفية التقليدية في العقدين الأخيرين بنسبة 70% عما كان عليه الحال قبل الثمانينات، نتيجة أسباب عدة أبرزها منافسة الصناعات الخارجية وعرضها في الأسواق المحلية بأسعار زهيدة.
وتلاشي أعداد الحرفيين المهرة لعدم إقبال الأبناء على تعلم هذه الحرف من آبائهم الذين ظلوا يتوارثونها أباً عن جد، وإغلاق الكثير من ورش الحدادة.
ومعامل المشغولات الحرفية في عموم المحافظات جراء تدني الإقبال عليها سواء من السياح الوافدين من الخارج أو من الزائرين والسكان المحليين، وزيادة معروض المشغولات الخارجية المقلدة والمزينة بالألوان والأشكال الزاهية في الأسواق اليمنية.
ويقول الحرفي حسين حسن السالمي ــ لديه محل للمشغولات الفضية بصنعاء القديمة ــ ان هذه المشغولات صارت مكدسة في المحلات بحكم عدم إقبال المواطن أو السائح عليها لتفضيله المشغولات المستوردة الرخيصة.
ونراه يقع أحياناً ضحية المشغولات المقلدة المغشوشة التي أثرت كثيراً على الحرف اليدوية وأصحابها الحرفيين الذين ظلوا يتوارثونها من آبائهم وأجدادهم على مر السنين وكانت في الماضي البعيد والقريب مصدر رزق أساسياً لهم ولأسرهم.
ويؤكد الحرفي يحيى حمود الواحدي ان الكثير من الورش والمعامل قد أغلقت أبوابها في السنوات الأخيرة بحكم تكدس معروضاتها من جانب وعدم مقدرة أصحابها على الإيفاء بالالتزامات المالية المترتبة على محلاتهم من إيجارات وفواتير كهرباء ومياه وهاتف ورسوم وضرائب وأجرة عمال، فضلاً عن الالتزامات المعيشية تجاه أسرهم من جانب آخر.
ومما زاد من المشكلة إحجام الجيل الجديد عن التدرب وتعلم الصناعات اليدوية ولجوؤه إلى البحث عن وظيفة حكومية ولو براتب زهيد، وكأن لسان هذا الجيل يقول: »قليل دائم ولا كثير منقطع« متمسكاً بالمثل الشعبي القائل:
»شبر مع الدولة، ولا دراع مع القبيلي«، فالعمل الحكومي عنده خير من العمل الحر.ويقول العم حسن عاطف الذي قضى أكثر من 60 عاماً في سمسرة النحاس بصنعاء:
إن أبنائي والجيل الجديد عموماً لا يعرف شيئاً عن الصناعات اليدوية التقليدية، فهم يفضلون العمل في الدولة براتب محدود، وينفرون من أي دعوة أو محاولة لتدريبهم على هذه الحرف، أو البقاء على أقل تقدير في محلات البيع لمساعدتنا ومساعدة أنفسهم وأسرهم.
ولقد أنشأت الدولة عام 1990 المركز الرئيسي للمشغولات اليدوية في العاصمة صنعاء وزودته بالمعامل الحديثة والمدربين المهرة، وتخرج منه خلال السنوات الماضية أكثر من 6 آلاف عامل حرفي، وهناك حوالي 70 فقط من هذا العدد استطاعوا مواصلة العمل في مجالات تخرجهم، فيما لم يجد الباقون (5930 متخرجاً)، من يستوعبهم.
أو يمدهم بالمواد والأدوات المساعدة أو يقرضهم أو يمول مشروعاتهم الحرفية، مما اضطروا إلى صرف النظر عن تلك الحرف التي تدربوا عليها شهوراً طويلة في المركز، والبحث عن فرص عمل تقيهم شظف العيش في هذا الزمن الصعب.
ولا تقتصر هذه الوضعية المتردية على المشغولات الفضية، بل تمتد إلى كل الصناعات الحرفية الأخرى، عدا حياكة »عسيب الجنبية«، حزام الخنجر اليمني، وحياكة »المعاوز« الشعبية التي يفضلها معظم اليمنيين، وهذه الأنواع من الحياكة اليدوية تجد رواجاً في الأسواق المحلية.
وكذلك يجمع صيادون يمنيون على أن صناعة قوارب الصيد التقليدية في المناطق الساحلية مهددة بالاندثار نتيجة لإهمال هذه الصنعة الحرفية من جهة، والمنافسة الشديدة لقوارب »الفيبرجلاس« التي دخلت إلى الخدمة بقوة في السنوات الأخيرة.
ويقول الصياد عبدالله عياش من محافظة الحديدة الساحلية ان الكثير من ورش نجارة قوارب الصيد قد أغلقت أبوابها في الأعوام الأخيرة، نتيجة لارتفاع كلفة هذا النوع من القوارب، قياساً بالفيبرجلاس المستوردة والمدعومة من الدولة.
ويرجع ذلك إلى أن أخشاب الصنوبر والساج وغيرها من الأخشاب الداخلة في صناعة قوارب الصيد التقليدية يتم استيرادها من الهند وشرق أفريقيا بالعملة الصعبة، كما ان صناعة القارب تستغرق أياماً طويلة وجهوداً كبيرة وتحتاج لمهارات وخبرات طويلة وأدوات ومعدات يتم استيرادها هي الأخرى من الخارج.
وكل هذا يزيد من الكلفة، الأمر الذي دفع إلى تدخل الجمعيات السمكية والاتحاد التعاوني السمكي لإقناع الدولة بتوفير قوارب الفيبرجلاس وبيعها للصيادين الفرديين بنصف القيمة الأصلية للقارب المستورد للحفاظ على مهنة الصيد.
وتنطبق هذه الوضعية أيضاً على معاصر زيت النبات الطبيعي المعروفة محلياً بمعاصر »الجلجل« وكذا الأواني الفخارية وصناعة الخزف والطربوش المصنوع من عسف النخيل والعمائم المختلفة و»الكوافي« وهي قبعة قطنية لتغطية أعلى الرأس إلى جانب الصناعات الجلدية اليدوية وغيرها من الصناعات الحرفية التقليدية الأخرى.
ويرى أساتذة جامعيون في الهندسة الصناعية والتصنيع ان الصناعات الحرفية اليدوية في اليمن تواجهها صعوبات عديدة مرتبطة أساساً بكيفية إنتاج سلع بالجودة والمواصفات المطلوبة وقدرتها على المنافسة مع مثيلاتها المستوردة.
وأشاروا إلى أهمية انتقال هذه الحرف من التوريث إلى التعليم والتدريب، وتشجيع الدولة للصناعات الحرفية من خلال إعادة النظر في الرسوم المفروضة على الحرفيين المحليين، بالإضافة إلى دعم الحرف اليدوية لما لها من أهمية في تنشيط الحياة السياحية وإحياء الصناعة التراثية في اليمن.
