لم تعد سرايا بلدة حاصبيا في جنوب لبنان قابلة للسكن. ولا حتى للزيارة، أو السياحة. وهي لو لم تصنف ضمن قائمة خاصة بالـ »world monuments watch« لسنة 2006، من بين مئة معلم اثري حول العالم معرضين للخطر، ربما لما عرفنا بوجودها، ولا بقصتها.

بدعوة من رئيسة »المؤسسة اللبنانية للمحافظة على سرايا الأمراء الشهابيين في حاصبيا« كارلا شهاب زار وزير الثقافة اللبناني طارق متري، بالإضافة إلى عدد من الإعلاميين والصحافيين، قرية حاصبيا الجنوبية، وسرايا الشهابيين فيها.لم يبق للأمراء الشهابيين الحاليين من سرايا حاصبيا، التي يسكنها اهلها منذ سبعمئة عام، إلا بضع غرف في إحدى زواياها. السرايا تبدو مهجورة، متروكة للزمن ولتداعياته على حجرها.

تبدو كالبيوت القديمة التي يهجرها أهلها ليسكنوا في بيت آخر، أو ليجهزوا احدى غرفها للسكن، تاركين غرفها الأخرى للماضي، فقط.

سرايا حاصبيا قلعة. حجرها قديم، واصفر. حين يدخل الزائر اليها عبر الباب الضخم الذي كان يدخل منه الفرسان على جيادهم من دون أن يضطروا إلى الترجل عنها، يجد نفسه في ساحة ضخمة تحيط بها الجدران والسلالم التي تقود إلى الطوابق العليا والشرفات.

تاريخ سرايا حاصبيا، التي تسمى ايضا قلعة حاصبيا، مشوب بالغموض. فهو يبدأ مع الصليبيين، إلا ان بعض المؤرخين يقولون انه قد يعود إلى زمن ابعد من ذلك. استولى الشهابيون على القلعة عند انتصارهم على الصليبيين سنة 1170.

وأعادوا بناءها. والشهابيون يعيشون فيها منذ تلك الحقبة، أو ان بعض من تتوزع عليهم ملكيتها حاليا، وهم يزيدون على خمسين عائلة، ما زالوا يسكنون فيها.

حين يعرف المرء أن بعض الأمراء الشهابيين لا يزالون يعيشون في القلعة، يخال ان الغرف التي يسكنونها واسعة، كبيرة، كما توحي السرايا من الخارج.

في الواقع، الأفراد القليلون الذين يسكنون هناك، يعيشون في إحدى زوايا القلعة، وفي غرف ضيقة صغيرة. غرف مجهزة ببعض وسائل الراحة الحديثة، وبمواد هندسية من القرن العشرين.

وحدها الزاوية المسكونة تبدو فيها حياة. الأشجار والورود في تلك الزاوية، تدل الداخل إلى الفناء الكبير على مكان سكنهم. كأنهم يعيشون وحدهم في حي هجره سكانه، أو في مبنى لا يسكنه غيرهم.

ولا توجد أشجار ولا مساحة خضراء الا في الزاوية المسكونة، أما الباقي فأرض جرداء لا أشجار فيها ولا ورود، فيبدو المبنى مهدما جزئيا، فارغا ما عدا شقة واحدة مسكونة، وشرفة واحدة منشور عليها الغسيل.

الغرف التي يعيش فيها بعض الامراء الشهابيين حالياً، ضيقة. المنزل الذي استطعنا زيارته مؤلف من غرفتين وشرفة. الغرف تبدو، في هذه الزاوية المسكونة من القلعة.

غير متناسقة مع حجم الجدران واحجارها، ومع المساحات الواسعة المحيطة ، وبلا حياة. لا تجعلنا الغرف المسكونة هذه نتخيل الماضي، الذي كانت خلاله القلعة كلها قابلة للسكن.

لا نرى، في الجانب المسكون من القلعة، مشاهد من تاريخها. فالتواضع الذي نجده هناك، حين نرى الأمير مفيد الشهابي جالساً فوق إحدى الكنبات الموضوعة على الشرفة مثلاً، أو حين ندخل إلى إحدى الغرف المسكونة، يفرغ ذاكرتنا من عهد المجد والثراء الذي كان سائداً في القلعة حين سكن فيها أجداد المير مفيد.

هناك ما يشبه التناقض بين ما توحي به القلعة من ماض كانت خلاله مسكناً فخماً للأمراء الشهابيين، وبين حاضر باتت فيه مكاناً للنسيان، ولتواضع من بقي يسكن فيها منهم.كما الأمراء الشهابيون لم يبق لهم من الإمارة إلا اسمهم ونسلهم، لم يبق للقلعة من ماضيها إلا شكلها وأحجارها.

سرايا حاصبيا لا تشبه ماضيها. تبدو متروكة، مهجورة، وتبدو جدرانها وشرفاتها والسلالم التي تؤدي إلى الطابق الثاني فيها، متأثرة بمرور الزمن عليها، وبالحروب القديمة التي حصلت فيها، والحرائق العديدة، والصراعات، والقذائف التي تساقطت عليها منذ فترة قصيرة، خلال الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان (1978ـــ2000).

سرايا حاصبيا ليست ملكاً للأمراء الشهابيين فقط، بل هي ملك للجنوب واللبنانيين جميعا. لا يجوز أن نتصرف معها على أساس انها ملك خاص، فالعائلة التي تسكنها غير قادرة على ترميمها، ولا على الاهتمام بها وفتحها للزوار والسياح.

نأمل أن تفيد الزيارة التي نظمتها الأميرة كارلا شهاب إلى القلعة وان تؤمن لها مستقبلاً يتلاءم مع ماضيها خصوصاً ان هذه المنطقة التي بقيت تحت الاحتلال لمدة طويلة.

والتي يكاد لا يعرفها اللبنانيون، خاصة الشباب منهم، فيها الكثير من الأشياء لنراها، وترميم السرايا سيساهم حتماً في قدوم السياح إلى هذه المنطقة التي تكاد تصبح منسية.

بيروت ـــ فراس زبيب: