الطريق من مطار العاصمة كولومبو إلى الفندق الواقع في الطرف الجنوبي من العاصمة وعرة، ولكنها لم تفاجئني. فالمطار العتيق والمزدحم يشكل الدليل الأول على الحال الاقتصادية المتردية لـ »الجزيرة الخضراء«.

خلال انتظارنا السائق أمام المطار تحولنا إلى هدف لعدد من المتسولين، سرعان ما يبعدهم عنا سائقنا واحد رجال الأمن لأننا كسياح لا يجوز إزعاجنا. ننطلق في رحلة تستمر أكثر من ساعة، نسير خلالها في شوارع ضيقة ومزدحمة تنتشر على جوانبها عشرات الأكشاك تتدلى فيها أنواع لا تحصى من البضائع، خضار وفاكهة ولحوم ومنتجات خشبية وفخارية وجلدية وأوان منزلية وملابس.

وسرعان ما تلاحظ كثافة انتشار أماكن العبادة وهي الوحيدة التي يظهر عليها الاهتمام: نظيفة ومزينة بباقات الياسمين وأزهار اللوتس. ولا تغيب عن المدينة المظاهر العسكرية، فالجيش السريلانكي يتحصن في متاريس منتشرة في كل شارع وعن كل تقاطع، يوقف السيارات ويسBل عن الأوراق الرسمية وأحيانا يفتشها. »الجيش للحماية من هجمات الانفصاليين التاميل« يقول سائقنا مطمئناً.

الطقس في سريلانكا رطب وحار قليلا، فقد تفاجئك الأمطار في أي لحظة، لذلك ينصح بزيارتها بين ديسمبر ومارس حين تكون الحرارة معتدلة. أما مساحة سريلانكا فتصل إلى 66 ألف كيلومتر مربع ويقطنها 20 مليون نسمة، تعد العاصمة أكبر مدنها وأكثرها كثافة سكانية. ويتحدث سكانها ثلاث لغات هي »النهالية« و»التاملية« والإنجليزية.

بعد استراحة قصيرة توجهنا لزيارة احد أقدم فنادق كولومبو والوحيد المحاذي للشاطئ »Gale Face Hotel«. بني الفندق قبل 145 سنة أيام الاستعمار البريطاني للجزيرة، ومكث فيه عدد من ملوك وأمراء بريطانيا والعالم، وصودف أثناء زيارتنا للفندق وصول أميرة الدنمارك، وانهماك عمال الفندق الذي يعج بالنزلاء الأجانب بالتحضير لحفل عشاء ترحيبي بالضيفة.

تبلغنا ممثلة شركة »بيتي« مضيفتنا في سريلانكا أن رحلتنا التي تستمر لأربعة أيام فقط ليست كافية للاستمتاع بكل معالم سريلانكا، التي تكاد لا تحصى. وزودتنا بالخارطة السياحية وبمعلومات عن مدينة »كاندي« الواقعة في وسط البلاد والتي سنقضي فيها يومين كاملين.

الطريق إلى »كاندي«

قضينا نحو 10 ساعات في الطريق إلى »كاندي« توقفنا خلالها مرات عدة لتذوق الكاجو الطازج الذي كانت تعرضه للبيع في أكياس بلاستيكية وورقية صغيرة فتيات من القرى المحاذية للطريق يقفزن أمام السيارات يحملن بضاعتهن حاثين السياح المارين في المنطقة على تذوقها.

في مكان آخر على الطريق مررنا بعشرات محال بيع المنتجات المصنوعة من القش والقصب. يشرح لنا أحد الباعة مستعينا بخليط لغوي يستلزم جهدا كبيرا لفهمه، أن القش المستخدم مصدره القصب الذي ينمو بكثافة في كل أنحاء سريلانكا، وقد يصل طوله إلى 8 أو 10 أمتار أحياناً. تصنع منه المفروشات على أنواعها والحصائر والسلال والأدوات المنزلية والأكياس وغيرها الكثير.

يستغل البائعون توقف السياح أمام أكشاكهم لبيعهم منتجاتهم بأسعار مرتفعة، لذلك ينصح بالمفاصلة على الأسعار قبل الشراء والتأكد من مصدر السلعة، إذ تنتشر في الكثير من المحال التذكارات المستوردة من الهند والصين وإندونيسيا.

الطريق إلى »كاندي« ضيق رغم تصنيفه »بالدولي«، ولكنه مسلٍ لما تشكله المناظر الطبيعية من متعة للعين. وتنتشر الأنهار في كل مكان ويمكن رؤية سهول الأرز والشاي والفلاحين يحرثونها أو يحصدون إنتاجهم، فيما تقطع سيرك أكثر من مرة ثيران وأبقار تتبختر، بعضها مزين بعقود من الأزهار.

لا بد من تذوق ثمرة جوز الهند التي تختلف عن تلك التي نعرفها في بلادنا العربية. يسمي السيريلانكيون شجرتهم »King Coconut« تتميز بلونها البرتقالي وبوزنها الثقيل إجمالا.

يتناول البائع ثمرة ويضربها بساطوره محدثاً فتحة صغيرة في غلافها يضع فيها قشه ويناولني إياها، طعمها رائع. ما أن انتهي من شرب السائل الثمرة حتى يسترجع البائع الثمرة لفلقها ويدعوني إلى تناول المادة »الجلاتينية« في داخلها.

يخبرنا السائق بأن شجرة جوز الهند وثمارها هي ثروة المزارعين الحقيقية، يستفيدون من كل شيء منها: الخشب يستخدم في الصناعات الخشبية وهو متين جداً، أغصانها تستخدم في صناعة نوع من الحصر والسلال ذات الاستعمالات المتعددة. أما الثمرة فتستخرج منها الزيوت، وبرش جوز الهند في المأكولات على أنواعها.

وقشرتها السميكة تقطع شكل طولي وتصف حول جذوع الأشجار وعلى حفافي الطرقات لمنع انزلاق التربة. ويمكن أيضاً نقعها لأيام في الماء، تحلل وتستخدم أليافها في صناعة الحبال، كما تصنع منها المكانس.

لم نكتف بتذوق ثمرة جوز الهند، فسريلانكا تشتهر أيضا بالأناناس يقطفه الباعة المنتشرون على الطريق يقشرونه ويقطعونه عند الطلب لتناوله طازجاً. ومن بين الفاكهة التي لابد من تذوقها ثمرة تشبه حبة البطاطا يسمونها »Wooden Apple«. ولا يمكن تفويت فرصة تذوق ثمر الموز الأحمر النادر والموز العملاق، المميزان بنكهتهما.

»دار أيتام الفيلة«

نعرج على مدينة صغيرة تدعى »بناويلا«، لزيارة »دار أيتام الفيلة« المجاور لها. المنطقة حارة جداً ورطبة، تقع في وسط الأدغال عند أحد روافد نهر »كيلاني غانغا«.

»حظكم جيد اليوم، فمنسوب النهر مناسب للفيلة لتأخذ حماماً منعشاً فيه«، يقول لنا حارس المحمية الطبيعية، ويشير إلينا بالتوجه مباشرة إلى النهر.

مشهد عشرات الفيلة وهي تغتسل بالماء لا ينسى. تصدر أصواتاً تدل إلى تمتعها بالمياه وتقترب من عشرات السياح الذين اصطفوا على جانب النهر يراقبونها ويلتقطون لها الصور ويقدمون لها الطعام، مانغا وموز. تقترب من الناس وتلاعبها بخراطيمها.

فقدت بعض الفيلة أنيابها أو إحدى أرجلها وهناك فيل ضخم فقد بصره، كل ذلك سببته بنادق الصيادين الذين يلاحقون الفيلة طمعاً بأنيابها وجلودها.

تعد » دار أيتام الفيلة« الأولى في العالم وتحتضن عشرات الفيلة التي أحضرت من مختلف أنحاء سريلانكا بعد إنقاذها من براثن الصيادين، ولا يمكن ترك هذه الدار قبل الاستمتاع بجولة على ظهر فيل في الأدغال، مقابل 15 دولاراً أو ما يعادل1500 روبية سريلانكية.

يقترب سائس قروي حافي القدمين بالفيل من حافة عالية ويضع على ظهره قطعة قماش، يبتسم ويشير إلي بالصعود، لتبدأ الرحلة.في الدار أيضاً متحف صغير فيه هيكل عظمي ضخم لفيل وصور لفيلة ماتت بين أيدي الصيادين وأخرى للحيوان في النهر أو بين القرويين أو في احتفال ديني،

لكن المفاجأة كانت باستخدام فضلات الفيلة في صناعة ورق يستخدم في تصنيع تذكارات أنيقة يعود قسم من ثمنها إلى »دار أيتام الفيلة«. بعد مشوار مرهق لا بد من جلسة استرخاء في »سبا« الفندق حيث جولة تدليك بالزيوت لمدة ساعة ونصف على أنغام الموسيقى الهادئة.

احتفالات ملونة

لم تدم الاستراحة طويلاً، اضطررنا للهرولة إلى وسط »كاندي« لمشاهدة العرض الفلكلوري المسائي عشرات الراقصين وقارعي الطبول، يحمل بعضهم المشاعل، وآخرون يمتطون الفيلة المزينة بسخاء.

تشهد مدينة »كاندي« منبع الديانة البوذية التي يشكل أتباعها الغالبية السكانية في سريلانكا،عدداً كبيراً من الاحتفالات الدينية، أهمها اثنان يجريان في يوليو ويناير. يخرج خلالهما سن بوذا من المعبد في وسط المدينة لجولة فيها على ظهر فيل، في أجواء احتفالية ملونة.

يحرس »كاندي« التي ترتفع عن سطح البحر نحو 300 متر وعلى سفح جبل تمثال عملاق لبوذا يشرف أيضا على »معبد السن المقدس« وهو احد أهم المعالم الدينية في سريلانكا تحفظ فيه بعض مقتنيات بوذا وأهمها سنه.

يمنع الدخول إلى المعبد إلا لحافي القدمين وصاحب الملابس المحتشمة، ومن ضروريات الدخول إليه أيضاً حمل أزهار الياسمين واللوتس أو الطعام والشمع الذي يضاء خلال الصلاة. لا يجوز لزائري المعبد إدارة ظهورهم لتماثيل بوذا المنتشرة في كل مكان منه.

كما يخضع الزوار لتفتيش دقيق من الشرطة المنتشرة بكثافة عند المداخل. يخبرنا مرشدنا أن المكان كان قد تعرض لهجوم منذ سنوات من قبل ثوار التاميل هدم على إثره قسم منه وقتل العشرات.

في المعبد أيضاً ركن استقر في منتصفه فيل ضخم ينحدر من سلالة عريقة أهداه مهراجا هندي للشعب السريلانكي لاستخدامه في نقل سن بوذا الذي لا يجوز أن يحمله سوى فيل ذات أصول عريقة، توفي أحدها منتصف القرن الماضي، فتم تحنيطه.

في الساحة المؤدية إلى المعبد عدد من التماثيل أحدها لأول رئيس لسريلانكا وآخر يتمثل بنصب تذكاري لأطفال سريلانكا الذين قضوا في عهد آخر ملوك السنهاليين الذي أمر بقتلهم خوفاً منهم على عرشه.

أناناس برية شافية

لا يمكن مغادرة »كاندي« من دون زيارة حدائق الأعشاب والتوابل الطبية، حيث يقدم للسياح شرحا وافيا عن كل نبتة موجودة من الكاكاو الخضراء والهال وجوز الهند والكمون والقرفة والبهار، وحتى الأناناس البري النادر الذي لا يعيش إلا في الأدغال وهو دواء شاف للكولسترول ويعالج السمنة ومنشط للجسم.

تنتشر في القرى القريبة من »كاندي« معامل الشاي، والحرير بالإضافة إلى مشاغل الرسم على القماش أو ما يعرف بـ »الباتيك«. وتتميز »كاندي« أيضاً بأحجارها الكريمة ونصف الكريمة التي تباع في محال المجوهرات، أما مصدرها فالنهر المحاذي ومواقع محددة في الأدغال.

في طريق العودة إلى كولومبو يشير إلينا السائق إلى الطريق المؤدية إلى قمة »"آدم« وهي أعلى نقطة في سريلانكا ومن أكثر الأماكن أهمية عند البوذيين. يتطلب زيارتها نحو 8 ساعات من القيادة من دون تقف وثم السير لمسافة طويلة على الأقدام، ولكن بحسب ما سمعنا أن وصفها بالجنة أمر طبيعي.

جولة بـ »التوك توك«

كولومبو مدينة مزدحمة جدا تختلط فيها مظاهر الرفاهية والفقر المدقع، فيها الأسواق العادية الشعبية والمكتظة بشكل يكاد يكون خانقاً. لا ينصح بشراء الأطعمة من مئات الأكشاك و»التخشيبات« المنتشرة بكثافة لا تصدق في كل مكان.

والطريقة المثلى للتجول في أنحائها هي استخدام ما يعرف هناك بـ »التوك توك« وهي عربة بثلاثة عجلات لا تتسع إلا لشخصين يجلسان على مقعد خلف السائق.

في المدينة حوالي 7 فنادق من فئة 5 نجوم فيها المطاعم الفاخرة التي تقدم المأكولات على أنواعها، وخصوصا الهندي الذي يشبه إلى حد كبير السريلانكي، إذ يعتمد الأخير بشكل كامل على التوابل والفلفل والأرز والسمك.

لا يوجد في كولومبو منتجعات فاخرة على البحر، ويتوجب على الذين يرغبون في قضاء عطلاتهم على الشاطئ الذهاب إلى شرق الجزيرة وجنوبها، وبالتحديد إلى »ماتارا« و»بلهول« و»تنغال«، هذه المناطق لم تتأثر بالتسونامي الذي ضرب الجزء الشرقي الشمالي من الجزيرة.

للسياحة في سريلانكا نكهة مختلفة، تختلط فيها الرفاهية وبالمغامرة وبرائحة التوابل وطعم الشاي والفاكهة الغريبة العجيبة.هناك الكثير لرؤيته فيها، من شواطئها وصولاً إلى عمق غاباتها وسهولها وقمم جبالها تختلط فيها الحضارات. ومن المؤكد أن الأيام الأربعة التي قضيناها في الجزيرة بدعوة من مجلس السياحة فيها ليست كافية للاستمتاع بكل ما فيها من خيرات وجمالي طبيعة أخاذ.