»هس، اسكت، أنت غبي، أحمق، لا تعرف كيف تتكلم«، كلمات يرشقها الأستاذ على أذني بلال، يؤنبه على تلعثمه الدائم في الكلام، غير مدرك أنه كان السبب الرئيسي في هذه المشكلة التي يعاني منها التلميذ المسكين منذ بدء العام الدراسي.

ومشكلة بلال هي التأتأة، مصطلح يعني بحسب الطب النفسي تكرار الأصوات، المقاطع، الكلمات والجمل. ويعني أيضا التردد في الكلام وعدم وجود الانسيابية والسلاسة عند الحديث. وتتكرر هذه الحالة بصورة أكبر عندما يكون الولد متعبا أو منفعلاً وعندما يشعر بالرهبة والخوف من إنسان أو من أمر يعتبره خطيرا ومهما.

فما هي أسباب هذه الحالة التي تبدأ في الصغر وقد تستمر لمدى العمر؟ وهل تقتصر أسبابها على العوامل النفسية أم أن لها أسبابا عضوية ووراثية أخرى؟

الأستاذ والوالد

»لن أسامح ذلك الأستاذ مطلقا« تقول والدة بلال وتضيف: مع بداية هذا العام الدراسي قام أستاذ مادة الرياضيات بنهر بلال أمام كل التلاميذ لعدم تمكنه من حل معادلة حسابية بسيطة فارتبك بلال ولم يعرف كيف يجيب خاصة بعد أن بدأ زملاؤه بالضحك والسخرية منه، وعاد الولد إلى البيت كئيبا ولم يتكلم مع أحد، وحدث بعد يومين أن اختلف مع شقيقته فارتبك وتضايق ولم يستطع أن يتكلم وبدأت لديه هذه العادة »التأتأة«.

وإذا كان جهل الأستاذ وعدم مراعاته لمشاعر تلميذه ومحاولة إحباطه الدائمة وإضعاف ثقته بنفسه في خلق هذه المشكلة، فإن العنف المنزلي الناتج عن قسوة احد الوالدين يمكن أن يؤدي إلى خلق جو من التوتر والخوف والضغط على الصغير فيخيفه ويسبب له مشكلة التأتأة أو التعثر في الكلام وهذه حالة أحمد.

أحمد (13 سنة) لا يعاني من التأتأة إلا في حضور والده، تقول شقيقته الكبرى. والدي عصبي جدا ومزاجي، وكان يقسو على أحمد منذ صغره لأنه يريد لابنه الذكر الوحيد أن يكون قويا وصلبا، إلا أن هذه القسوة انعكست بشكل سلبي على أخي الذي يتوتر دائما في حضور والدي وتنعدم قدرته على الكلام بشكل طبيعي.

وتضيف الأخت: هذه المشكلة لا تصادف أحمد وهو معي ومع والدته ولا حتى مع أصدقائه حيث ينطلق في الأحاديث واللهو والضحك بكل ثقة وشجاعة، إلا انه يفقد كل هذه الثقة أمام والدي فيشلّه الخوف والتوتر.

الأسباب.. نفسية ودماغية

ويظهر من هاتين الحالتين أن أسباب التأتأة غالبا ما تكون نفسية إلا أنها يمكن أيضاً أن تكون وراثية، وتقول الاختصاصية في تقويم النطق ملاك جلول: تحدث التأتأة عندما تكون قدرة الطفل الذهنية على التفكير بما يريد قوله أسرع من تمكن اللسان على إخراج الكلمات فيبدأ التعثر بالكلام،

ثم يقوم الأهل أو المحيطون به بالضغط عليه لتصحيح كلامه، الأمر الذي يزيد من توتره وارتباكه، وهكذا كلما حاول الطفل أن يتحكم بكلامه كلما ازداد الأمر سوءاً فيدخل حينها في حلقة مفرغة، وقد تستمر التأتأة لفترة زمنية محددة ولكنها قد ترافق الإنسان طيلة حياته.

وعن أسباب التأتأة تقول جلول: البعض يرجعها إلى أسباب نفسية، وآخرون يقولون إنها تعود لأسباب مرضية في الدماغ، وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من التأتأة يميلون إلى التعامل مع اللغة بشكل مختلف عن الآخرين.

وعن علاج هذه المشكلة تقول: لا يوجد علاج وحيد معتمد طبيا ولكن من الممكن أن التوصل إلى معالجة هذه المشكلة إذا تدارك الأهل أسبابها النفسية وحاولوا مساعدة ابنهم على تخطّي ما يزعجه.

وتطمئن جلول إلى عدم تأثير هذه الحالة على ذكاء الولد وقدراته الفكرية والعقلية وتقول على العكس فالملاحظ أن الطفل الذي يعاني التأتأة يكون ذكيا وقادرا على الاستيعاب السريع وبالتالي فلا يوجد أي علاقة مباشرة بين الأمرين، وتشير جلول إلى أن مشكلة التأتأة تواجه الفتيان بمعدلات أكثر من الفتيات بنسبة خمسة ذكور لكل أنثى تصاب بالتأتأة وأنها غالبا ما تبدأ مع سن الست سنوات.

اللطف.. والتمهل

أما عن كيفية مساعدة الولد للتخلص من هذه العادة فتقول: على الأهل أن يشجعوا الطفل على الحديث في موضوع يعجبه ولو مرة واحدة في اليوم على أن لا يطلبوا منه إتقان الكلام أو إعادته في حال أخطأ في الكلام بل يجب مساعدته على الاسترخاء عند حدوث التأتأة وتصحيح كلامه بطريقة لطيفة وعفوية.

ويجب على الأهل ألا يمتدحوا الطفل كثيرا على كلامه الصحيح لأن ذلك يعني أن كلامه السابق لم يكن سليما، بالتالي عليهم أن لا يعظموا شأن الموضوع بالنسبة للطفل حتى لا يشعر بعجزه ويتمكن من تخطي مشكلته.

وتنصح جلول الأهل بعدم الطلب من الطفل أن يتمهل في الكلام لأن هذا يزيد من توتره ومن تأتأته، مع المحاولة قدر المستطاع تجنيب الطفل المعايرة من قبل أقربائه أو رفاقه حتى لا يتكرس لديه اختلافه عن الآخرين،

ومن هنا فإن أفضل وقت لمعالجة التأتأة لدى الأطفال هو قبل الدخول إلى المدرسة وذلك لأن وجود الطفل في المدرسة بين الكثير من الأطفال يعرّضه لضغوطات اجتماعية ونفسية كثيرة.

بيروت ـــ دينا زين الدين