«تجديد الفكر الديني» أحد العناوين الرئيسية الملقاة على عاتق مفكري الأمة، ويمثل ضرورة ذاتية أو خاصة لازمة لرسالة الإسلام، ومن الغريب أن يظل مصطلح «التجديد» في الإسلام، في عهدنا هذا، من المصطلحات المحفوفة بالمخاطر والمحاذير، بسبب الاتهامات التى تكال جزافا، بحق أحيانا وبغير حق فى معظم الأحايين- لكل من يقترب من فتح هذا الملف الملغوم.

بداية يرى المفكر الدكتور محمد عمارة أن هناك خلطا فى المفاهيم والمضامين، مفاهيم ومضامين المصطلحات، لأن عددا من «الحداثيين ـ المتغربين» عمدوا إلى «تسويق بضاعتهم»، الوضعية العلمانية، وأحيانا المادية تحت راية، ومصطلح «التجديد» حتى أصبح هذا المصطلح «سييء السمعة»!

ومن هنا يقول عمارة إنه لابد من تحديد المصطلحات ليتميز «التجديد» كسبيل إسلامي أصيل في التطور بعالم الأفكار.. عن «الحداثة» بمعناها الغربي، تلك التي تعني القطيعة المعرفية مع ثوابت الدين وأصوله.. ويضيف بأن «الحداثة» بمعناها الغربي هي نسخ للدين، بالجمود والإنكار.. أو بالتأويل الذى يفرغه من محتواه ـ بينما يعنى «التجديد»:

البعث والإحياء لثوابت الدين وأصوله، مع تطور فى فقه الفروع، لمواكبة مستجدات الواقع المعيش، وحفاظا- فى ذات الوقت ـ على صلاح وصلاحية الثوابت والأصول الدينية لكل زمان ومكان.. ذلك أن ـ «الحداثة» و «التجديد» نقيضان في نظرة كل منهما إلى ثوابت الدين وأصوله.. وأيضا فى النتائج التى يثمرها كل منهما.

* طفولة العقل

ويقسم عمارة واقع الفكر الاسلامى الى ثلاثة تيارات أولا: تيار الجمود والتقليد لتراثنا الفكرى، وعلى الأخص منه تراث عصر التراجع الحضارى لأمتنا وحضارات ذلك التيار الذى ينظر فقط إلى الخلف!.. ويقف عند ظواهر النصوص، مغفلا المقاعد التى تغياها الشارع من وراء هذه النصوص.. بل ويتخير من النصوص «النصوص الوسيطة» بدلا من «النصوص الأولى» المقدسة والمعصومة- غافلين عن معنى «النص» في علم أصول الفقه، وهو الذى لا ينطبق على كل «عبارة» وإنما يقتصر على ما هو قطعى الثبوت وقطعى الدلالة الذى لا مجال فيه لأى تأويل.

ولذلك كله، فإن هذا التيار ـ تيار الجمود والتقليد- يخاصم النظر العقلى فى حكم وعلل الأحكام التى جاءت بها النصوص.. مع إهمال فقه الواقع المتغير، والذى يتطلب- فى الفروع ـ أحكاما جديدة، تواكب المتغيرات، وتستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة التى تفرزها هذه المتغيرات.

وثانيا: تيار التغريب والحداثة الغربية، ذلك الذى انطلق وينطلق من المرجعية الفلسفية للحضارة الغربية. معتمدا مناهج النظر «الوضعية ـ العلمانية»، وأحيانا المادية، التى تعاملت بها تلك الحضارة مع الدين وعوالمه، علومه ومعارفه، فنظرت إلى الدين ومواريثه باعتبارها «فكرا» غير علمي، عبر عن مرحلة من مراحل تطور «العقل الإنساني»، هي مرحلة «طفولة» هذا العقل .. التى تلتها ونسختها «مرحلة الميتافيزيقا » والتي تلتها ـ هي الأخرى ـ ونسختها «المرحلة الوضعية»، التي جعلت الكون المادى والواقع الدنيوى فقط- وليس الغيب- هو مصدر المعرفة الحقة والعلم الحقيقى.

وثالثا: تيار الإحياء والتجديد، الإحياء لأصول الإسلام وثوابته، بالعودة إلى المنابع الجوهرية والنقية لهذا الدين الحنيف، والنظر فيها بعقل معاصر، يفقه أحكامها، كما يفقه الواقع الذى يعيش فيه، عاقدا القران بين «فقه الواقع» و فقه الأحكام ليصل إلى التجديد فى الفروع ـ أى الفقه الذى هو علم الفروع ـ مبدعا الأحكام الفقهية الجديدة التى تستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة التى طرحتها وتطرحها مستجدات الواقع الجديد والمعيش.

ففى هذا التيار الإحيائى والتجديدى تتوازن «الثوابت» الدائمة الثبات والضامنة دوام إسلامية النسق الفكرى على امتداد الزمان والمكان ـ مع

« التجديد» في الفروع التي تطرحها متغيرات الواقع ومستجداته.. الأمر الذى ينفى القطيعة «قطيعة للجديد والتجديد» مع «الثوابت والثبات».. كما ينفى «الجمود والتقليد»، الذي يحدث فراغا فكريا، سرعان ما تملؤه الفكرية الحداثية الغربية، التى مثلت- منذ نشأتها فى عصر النهضة الأوروبية ـ قطيعة معرفية مع الموروث الدينى على وجه الخصوص.

* الفقه والافتاء

فيما يرى الدكتور احمد كمال ابو المجد بأنه قد آن الأوان لإسدال الستار على الثنائية التقليدية التى سممت الحياة الفكرية لملايين المسلمين عبر قرون طويلة، وهى الثنائية التى تقابل بين العقل والنقل.. فينحاز بسببها بعض الناس إلى العقل وإعماله، وينحاز البعض الآخر منهم إلى النقل وإنزال حكمه.. كما لو كان أحدهما من عند الله والآخر من عند غيره.. كيف والله سبحانه هو خالق العقل والمنعم به على آدم وذريته.

ويضيف بأن التجديد الذى به خلاص هذه الأمة.. لا أمل فيه ولا رجاء فى تحققه إلا إذا أعيد العقل من جديد إلى عرشه الذى أنزلته عنه مخاوف الخائفين وهواجس المرتابين الذين يحسبون كل صيحة عليهم.

إننا جميعاً نعرف فضل الأولين السابقين، بدءاً من صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعشيرته وأهل بيته ولكنا نقف عند هذا المنتهى لا نتجاوزه ولا نعدوه.. ونقول، فيمن عدا أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هم رجال ونحن رجال.. وليس صحيحاً أبدأ ما يجرى على بعض الألسنة من أن الأول لم يترك للآخر شيئاً.. ذلك أن الأولين كانوا يجتهدون فى إطار واقع لم تعد كثير من عناصره قائمة بيننا..

كما كان اجتهادهم محكوماً بعلوم لم يكن أكثرها قد بلغ من النمو والتطور ما بلغه فى عصرنا.. والفقه والإفتاء فى الشريعة يقوم على معرفة الحق ومعرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر.. فإذا تغير الواقع لزم أن تتغير ثمرة هذا التنزيل الذى يجريه الفقيه أو المشرع الوضعى أو القائم بالإفتاء.. والخلاصة أننا نستقصى ـ في كل مسألة ـ ما قرره السابقون الأولون من علماء المسلمين- ولكنا لا نتوقف عنده، ولا نعطل بسببه ما أمرنا به من الاجتهاد.. وإلا كنا عالة عليهم، متبعين غير مذهبهم السوى فى مواصلة البحث والاجتهاد.

وأما رفض كل فكرة وافدة وإغلاق الباب فى وجه كل تبادل ثقافى، فإننا نرى الإسراف فيه تعبيراً واضحاً عن المبالغة فى الخوف.. ونقص الثقة فى قدرة الأمة، وقدرة علمائها على اتخاذ موقف نقدى من تلك الأفكار الوافدة.. نقبل منه كل نافع ونرفض كل ضار أو مخالف لثوابت عقيدتنا ومصالح أبناء أمتنا.. إن هذا الرفض المطلق الذى يعزل ثقافة المسلمين عن كل ثقافة إنسانية قديمة أو حديثة يقوم على ثلاثة أخطاء لا بد لنا أن نسميها بأسمائها، وأن نستدرك عليها فى غير مجاملة لأحد.

الخطأ الأول تصور الإسلام كما لو كان كياناً ونظاماً مختلفاً عن كل ما عداه اختلافاً مطلقاً.. وينسى أصحاب هذا التصور أن الإسلام هو دين الأنبياء جميعاً.

الخطأ الثاني: تصور إمكان العزلة وتوهم أنها مسلك يحتاج إليه المسلمون، وهذا خطأ مركب.. فالعزلة لم تعد ممكنة بعد الثورات العلمية والصناعية التى أدت إلى سقوط حواجز الزمان والمكان.. ولم يعد لطلاب العزلة سبيل اليوم لممارستها إلا بأن يقطعوا عن أنفسهم شرايين الحياة.

الخطأ الثالث: أن كثرة الحديث عن خطر الفكر المستورد والعيش الدائم تحت ظلال الخوف من أشباح الغزاة يحتاج إلى مراجعة واستدراك.. ذلك أن أكثر الأفكار التى نعايشها اليوم أفكار مستوردة من مكان آخر أو من زمان آخر، والفرض الذى لا يجوز البناء على غيره أن المسلمين أصحاب عقول ونظر، وأن لهم فى اختيارهم من تجارب الآخرين وأفكارهم ميزاناً ومعياراً.. والمسلمون- فى تاريخهم الطويل ابتداء من عصر النبوة- لم يجدوا فى عصور نهضتهم حرجا ولا غضاضة فى أن يأخذوا من غيرهم وأن يأخذ غيرهم منهم.

* صيحات التحذير

ويضع الدكتور ابو المجد عدة مداخل يراها الأساس لتجديد الفكر الدينى أولها تصحيح التصور العام للإسلام والمسلمين. وثانيها : توسيع نطاق الاجتهاد الفقهى ليشمل أصول الفقه، وحتى لا يختلط الأمر على أحد، وقبل أن ترتفع فى وجه هذه الدعوة صيحات التحذير من المحاذير.. نبادر فنقول إن الأصول التى نعنيها هنا ليست أصول الدين أو أصول الشريعة.. وإنما هى قواعد علم أصول الفقه، وهو نتاج اجتهاد بشرى لرجال أمثالنا، نعرف فضلهم، ونغترف من علمهم.. ولكنا لا نقدسهم ولا نمنحهم موافقة عامة مطلقة على كل ما قالوا به.

ثالثا معاودة النظر فى منهج تفسير القرآن الكريم، بعد أن نشأت ناشئة من الشباب تزعم لنفسها القدرة على ما يسمونه ( التعامل المباشر ) مع القرآن الكريم.. دون أن تكون لهم قدم ثابتة أو غير ثابتة فى علوم اللغة أو أصول التشريع أو غيرها مما اتفق العلماء والعقلاء على ضرورته لمن يتصدى لتفسير القرآن الكريم.

رابعا : إطالة التوقف عند السنة النبوية باعتبارها الأصل الثانى، والمصدر المتمَّم للقرآن الكريم بين أدلة الأحكام الشرعية ومن أهم ما يحتاج إليه فى هذا الباب معاودة النظر فى جواز الاستدلال بالحديث الضعيف، ومعاودة النظر فى أقسام الحديث الضعيف، ومتابعة الدراسة لأمر «الوضع فى الأحاديث ». ويملك الجيل المعاصر من أدوات البحث والتحليل ما يتيح مزيداً من التثبت فى كل ما يتصل برواية الأحاديث بحيث تتم تصفية هذه القضية التى لا تزال سبباً من أهم أسباب الخلافات الفقهية القديمة والمعاصرة.

خامسا: الاجتهاد بتحديد ما يمكن أن يتغير من الأحكام بتغير الزمان وما لا يجوز أن يرد عليه التغيير، وهو ما عبر عنه بعض الفقهاء الأوائل بعبارة «ما هو تشريع دائم من الأحكام، وما هو مؤقت بزمان»،وعبر عنه آخرون بأنه «ثوابت الشريعة التى لا يجوز فيها الخلاف». كما شاع بين الفقهاء القدامى والمحدثين تعبير «ما عرف من الدين بالضرورة»، وهو تعبير لا يتخلص به الإشكال.. وتظل القضية معه قائمة موكولة إلى المجتهدين بغير ضابط يحكمها أو معيار يحتكم إليه.

المدخل السادس والأخير: إعادة النظر فيما قرره العلماء الأوائل فى شأن مصدرين من مصادر الأحكام.. وهما الإجماع، والمصلحة المرسلة. فيما يحذر المفكر الدكتور حسن حنفي من الوقوع فى أسر الخطاب الاعلامي الراهن الذي يمثل احد الشروط الأميركية.. خاصة تغيير برامج التعليم وتغير خطاب الدعوة من أجل أن يصبح خطابا أكثر موائمة للغرب، وتفهما لمقتضيات العولمة والسوق.

القاهرة ـ سيد رزق