«الدكتور علي جمعة مفتي مصر علامة من العلامات المضيئة في فضاء الفكر والفقه الإسلامي وهو ممن صادف فيه المكان أهله أهلية ونشاطية عرفت عنه منذ وقت مبكر وهو فضلا عن رصانته في علوم النقل فهو أحد رموز المدرسة الفكرية الإسلامية الحضارية التي دشنها عدد من الأساتذة الكبار في الأزهر وتؤتي أكلها الآن في جهود عديدة ومجالات مديدة».

توجهنا له بالسؤال حول الصوم كتوحد روحي وشعائري إسلامي قد يشوبه أو يخفف منه اختلاف المسلمين في مختلف البلاد الإسلامية حول تحديد الرؤية وبداية الصوم في شهر رمضان الكريم فقال: بناء على الحالة الكونية التي يعيشها المسلمون الآن في أركان الأرض، وبناء على التلوث الذي أصاب الجو في كافة أرجاء الأرض وهو ما يحول دون رؤية الهلال، وبناء على العمل على تجاوز الخلاف والاختلاف.

فإنني أفتي بأننا ينبغي أن نتمسك بالحساب الفلكي ابتداء وانتهاء، وعلى ذلك فالمسلمون في كل مكان عليهم أن يصوموا بمثل ذلك الحساب الفلكي حتى لو بقى الهلال دقيقة بعد غروب الشمس، وحتى لو تعذرت رؤيته، وبذلك سنتفق، وبذلك سنصل إلى رؤية موحدة. وهو ما ينبغي أن تتوافق فيه جهود الحكومات أما الفرد فعليه أن يتبع ما عليه بلده إلى أن يأتي الله بأمره.

* فضيلة الشيخ إن الصوم في عمقه روح التجرد والسماحية في النهي فيه عن الخطأ والفسوق ورد الإساءة بالإساءة ولكن هذه الروح لا تتضح لا في علاقتنا الحضارية بالغرب ولا في صورتنا عنده؟

ـ المشكل ليس فينا وحدنا حين نفتقد الأبعاد الروحية والثقافية والسلوكية الإسلامية لمثل هذه النفحات التي يسوقها الله إلينا ولكن لا شك أن الغرب لديه مشكلة كبيرة في فهمنا، فالغرب لم يفهمنا ولم يعرف خصوصيتنا، الغربيون لديهم تحيز مطلق لثقافتهم وحضارتهم لديهم تمييز حضاري وثقافي في أعماقه ضد مختلف الثقافات ومن هنا لم يفهموا الإسلام، ويزدادون كل يوم بعدا عن الفهم الصحيح له.

إما باختزاله في العنف الذي يتم باسمه، أو التحيز وعدم الموضوعية في قراءته وهو ما كان شأن العديد من الباحثين فالدراسات التي تمت من المستشرقين للعالم الإسلامي كانت إحدى أدوات الاستعمار من أجل احتلال الأرض وليست بحوثًا فكرية محايدة تبحث عن الحقيقة. فعلى المسلمين الاستفادة من الصوم في ضبط النفس وتملكها عند الغضب وتعميق المبادئ السامية في سلوكياتهم وقوة الإرادة التي تقوى على التحكم في الشهوة والعادة.

* إن العفو يتجسد في أحكام الصوم في حكم من نسى وأكل أو شرب ولكن ما الحكم فيمن وصل ماء لجوفه في وعيه عن طريق مضمضة أو استنشاق؟

ـ وصول الماء إلى الجوف بسبب المضمضة أو من الاستنشاق يبطل الصوم في مذهب الإمام مالك والإمام أبي حنيفة وعلى من يحدث له ذلك أن يمسك بقية يومه ويصوم يوما بدلا منه قضاء بعد رمضان.

ويرى الإمام أحمد والإمام الشافعي في أحد قوليه وصول الماء إلى الجوف من المضمضة أو الاستنشاق لا يفطر الصائم.. وهذا الرأي الأخير هو الذي تميل إليه دار الإفتاء المصرية عملا بالقاعدة الشرعية المقتضية لليسر وعدم المؤاخذة بالخطأ، ولأن وصول الماء إلى الجوف يحدث في مثل هذه الحالات اضطرارا دون رغبة أو اختيار وقد قال الله تعالي:(وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) (الأحزاب:5).

كما أن مظاهر التكافل والتراحم مليئة بهذا الشهر تمتد من صدقته إلى إفطار الصائم ولو بشق تمرة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء قال الترمذي حديث حسن صحيح. وفي رواية أخرى قال الصحابة يا رسول الله ليس كلنا ما يجد ما يفطر به الصائم فقال صلى الله عليه وسلم:

ولو على شق تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن وهذا الحديث يدل على ثواب من فطر الصائم، وهو ثواب عظيم، ولعظم هذا الثواب صار دعاء يدعى به ويرجى قبوله من الله، حيث قال الرسول وأفطر عندكم الصائمون. هذه تربية سلوكية وروحية للفرد المسلم في مشاركة الآخرين والرحمة بهم ولو بأقل القليل.

* سماحة الشيخ ثارت في الولايات المتحدة العام الماضي قضايا قد تنافى هذه الرحمة مثل الجدل الكبير الذي تم حول قتل مريضة لم يكن يرجى شفاؤها وهي تعاني منه كل معاناة ما حكم الإسلام في مثل ذلك ؟

ـ إن الإسلام يراعي حق الحياة لأبعد الحدود فلا يجوز قتل المريض الذي لا يرجى شفاؤه ليس قتل رحمة لكن قتل عدوان، فالقتل هنا يأس من رحمة الله وهو الشافي كما أن البلاء بالمرض وغيره في التصور الإسلامي تطهير للإنسان من سيئاته وكرامة الإنسان تقضي بعدم تعمد التخلص منه طالما لم يقض الله فيه قضاءه حيث إن هذا النوع من القتل نوع من أنواع الكفر بالله والتعامل مع الإنسان قطعة لحم.

القاهرة ـ هاني نسيره