تميزت مدينة العين منذ القدم بطبيعتها الزراعية، وقد أطلق عليها (العين) بحكم وقوعها قرب منبع على سهل يجري في باطنه الكثير من وديان المياه الجوفية، كما تعد مدينة العين مركز تجمع رئيسياً للقبائل العربية التي شهدت ميلاد معظم حكام إمارة أبوظبي من آل نهيان مما اكسبها الأصالة والعراقة.

ومن الطبيعي أن يكون للافلاج دور بارز في ازدهار المدينة زراعياً، وتعد المعترض إحدى أهم المناطق الزراعية في المدينة وذلك لتوفر الافلاج فيها.

زرنا منطقة المعترض وتحديداً منزل عبيد بن جوعان الظاهري، وتحدثنا عن المعترض وسبب تسميتها، فأوضح أن سبب تسميتها بهذا الإسم جاء لوقوعها بين منطقتين وهما المويجعي وطريق العين، أي انها تعترض المنطقتين لذا سميت بهذا الاسم، وأضاف إن المنطقة اشتهرت بثمار نخيلها المميز ولم تقتصر المحاصيل الزراعية على النخيل فقط، بل تنوعت بين أشجار المانجو والسفرجل والحامض الحلو.

ونظراً لوفرة المياه في فصل الشتاء كان يزرع القمح وكانت مهمة السيدات طحن حبوب القمح والذي يستخدم في الخبز، ولم تقتصر مهمة المرأة على عملية الطحن، بل كانت تجمع الحطب وتروي وتهتم بالحلال (المواشي)، ويضيف أن اهتمام المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه بالزراعة كان له الأثر العظيم في الازدهار الزراعي لمدينة العين، فقد اهتم شخصياً بعملية توسيع الآبار بهدف زيادة موارد المياه المائية لصالح الزراعة.

ويتطرق عبيد الظاهري إلى الدور الذي لعبته الافلاج في مدينة العين فقد وصفت بأنها مدينة الافلاج السبعة وهي (العيني، الداوودي، المعترض، المويجعي، الجيمي، القطارة، هيلي).

ويتذكر موقفاً شهيراً للمغفور له الشيخ زايد في عام 1946 عندما جمع أصحاب المال والأرض الذين يتحكمون بمياه الافلاج وكان قد انتهى من حفر فلج الصاروج وعرض علينا أن تكون السقاية مشاعة للجميع وبلا استثناءات وبدأ هو بنفسه وبأسرته وقال (إن مياه الافلاج الآتية من جوف الأرض يجب أن تكون من حق كل الناس).

وحول صيانة الافلاج والاهتمام بنظافتها يقول إنها كانت تراقب من قبل (العريف) وحين تمتليء بالطين أو المخلفات، كان ينادي الأهالي وأصحاب المزارع للمساعدة وكانوا يجتمعون بمكان الردم كل بمسحاته وجفيره (المسحاة هي المجرفة، أما الجفيرة فهو وعاء متين من خوص النخيل يستخدم لتعبئة الرمل والطين المنقولين)،ثم يبدؤون بالحفر وإزالة المخلفات.

وقد كان مراقبو الفلج يقومون بتوزيع التمر وإعداد الغداء للعاملين بالحفر والتنظيف، وبعد استراحة الغداء كانوا يواصلون الحفر حتى الغروب، فإذا غربت الشمس ولم يكملوا العمل بعد كانوا يبيتون بمكان العمل لاستئنافه قبل شروق شمس اليوم التالي وحتى ينتهون من العمل.

أما إذا كان الانسداد جزئياً أو خفيفاً فقد كان المراقبون يخبرون الأهالي بما يسمى (المناداة) أي المناقصة حيث تعطي مهمة إصلاح وتنظيف الفلج المتضرر لمن يعطي أقل سعر وكان مراقبو الفلج يشرفون على جودة العمل حتى الانتهاء منه.

وأيضاً كانوا يقومون بعملية الخواضة وهي الهبوط من أمهات الفلج والوصول إلى الشريعة وذلك لاستكشاف مجرى الفلج ومعرفة أماكن وجود الرمال ويزود كل فرد «(بداس) وذلك لقص العروق وعصا لقتل الثعابين أو الحنيش» إذا صادفهم بمجرى الفلج وسراج لكي يضيء لهم وهو عبارة عن علبة صغيرة من الصفيح وبداخلها خيط مجدول ويملأ بالجاز ويتم إشعاله بالملبق أو الكبريت وإعلام مسؤول الفلج بأماكن وجود الرمال حتى يتم العمل على تنظيفها.

وعن أجمل صور التكافل الاجتماعي يحدثنا عبيد بن جوعان قائلاً: كان أهل العين في الماضي إذا اقبل القيظ (الصيف) يقومون بجمع الليمون من أشجار مزارعهم في الواحات إضافة (لجد) النخيل أي جمعه، وبعد الجمع يتم توزيع عشر المحصول على المحتاجين وإهداء بعضه للأهل والجيران، كما يقوم أصحاب المزارع بعد الانتهاء من عملية التوزيع بحمل ما تبقى من المحاصيل على ظهور الإبل ويسيرون بها إلى أبوظبي في رحلة تستغرق أسبوعين ذهاباً واياباً وهناك يقومون ببيع محاصيلهم ويشترون القهوة والعيش (الأزر) والثياب وبعد انتهاء المير أو المونة تبدأ العملية من جديد.

كما كانت مدينة العين المتنفس لأهالي السواحل في القيظ نظراً لجوها اللطيف تحت ظلال النخيل وإلى اليوم مازال الكثير من أهالي مدينة أبوظبي يملكون منازل في العين.