وضع ماضي دبي وتاريخها المميز الأساس العميق للحاضر الذي تعيشه هذه الإمارة. فالمشاريع العملاقة والطموحة التي يعلن عنها وبصورة يومية في دبي تنبئ عن حقيقة واحدة وهي الإرادة القوية التي تدفع هذه الإمارة قدما للإمام وتضعها في مصاف المدن المتقدمة ذات الرصيد الحضاري المتميز.
فمنذ أن كسرت دبي الحواجز التقليدية والقيود الوهمية وانطلقت نحو العالمية والمراقبون يصرون على أن ما يحدث في دبي ليس بالشيء العادي. ففي نظرهم أن ما يحدث في دبي لا يخرج عن اطار شيئين : إما أن تصبح دبي في المستقبل مدرسة في الفكر الاقتصادي الحديث يدرس في الجامعات والمعاهد العليا واما أن تتأثر دبي لاحقا بكل هذه التنمية السريعة ويحصل لها تراجع ينعكس على كافة قطاعات التنمية فيها.
ان موقف المراقبين هذا ليس بجديد على دبي وأهلها ولا على تاريخها. فمشاريع دبي السابقة جميعها تميزت بصعوبة قبولها للعقل والمنطق في الزمان الذي ظهرت فيه. كما أن معظم مشاريع دبي بدت صعبة التمويل وصعبة التحول من حلم إلى واقع. ولكن الإرادة القوية لتجارها وطبقتها الحاكمة وضعت أسساً لمدرسة جديدة في الاقتصاد، مدرسة نابعة من الظروف المحلية والحاجة المستقبلية وحاجة سوق العمل آنذاك.
كانت السلطات الإنجليزية في نهاية الخمسينيات تنظر إلى المشاريع التي ينوي الشيخ راشد اقامتها وتعلق بأنها مشاريع طموحة جدا ذات مردود ضعيف للإمارة. وكانت دوما تعتقد بأنه لا موارد دبي الاقتصادية والمالية ولا حاجتها الفعلية سوف تكون قادرة على استيعاب هذه المشاريع.
ولكن ما ان مرت سنوات قليلة على البدء في بعض هذه المشاريع حتى اتضحت الحاجة ليس فقط لوجودها ولكن لتوسعتها لمواجهة الطلب المتزايد على خدماتها. حدث ذلك عندما فكرت دبي في انشاء ميناء راشد وتوسعته ، وميناء جبل علي وأرصفته المتعددة، والحوض الجاف وجميعها كانت عند البدء فيها مشاريع طموحة تفوق قدرة دبي وطاقتها الاستيعابية.
ولم تتوقف دبي يوما عن الابتكار الذي هو أهم ركيزة من ركائز الإبداع. فابتكار المشاريع الجديدة وغير العادية كان وسيلة دبي للوصول للعالمية والنمو في وسط بيئة تجارية واقتصادية عالمية قائمة على المنافسة وتقديم الأفضل بأفضل الأسعار.
كان الغرب هو أول من بدأ يدرس التطورات الحاصلة في دبي وتأثيراتها المحتملة على المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي.
فاعتماد الإمارة على الخبرة الغربية وعلى التكنولوجية الغربية وإعلانها عن استعدادها لتوفير البنية المناسبة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتوفير كافة التسهيلات لها لم يمر دون دراسة غربية مستفيضة عما يجري في دبي واحتمال تأثيره على الغرب واقتصادياته.
فقد وصفت المطبوعات الغربية مثلا، أحد مشاريع دبي، وهو مشروع النخلة، عند البدء فيه بأنه مشروع خيالي وطموح جدا. وأسهبت وسائل الإعلام الغربية في الحديث عنه بوصفه مشروعا غريبا من ناحية المنطق والعقلية الاقتصادية. ولكن ما ان بدأت ملامح المشروع تتضح وما أن أعلن عن تسويقه بالكامل حتى بدأت نفس وسائل الإعلام في مدحه بوصفه أحد أهم مشاريع الجذب السياحي في دبي. ان هذه المشاريع العملاقة هيأت لدبي سمعة دولية كبيرة كما جعلتها محط الأنظار.
من جانب آخر ظهرت مجموعة من المراقبين الذين نظروا إلى ما يحدث في دبي بوصفه «فقاعة صغيرة». ومضوا في القول بان هذه «الفقاعة» لن تستمر أو تصمد في وجه الرياح الشديدة والتيارات المعاكسة. فما يحدث في دبي يجعلها كالطير الذي يغرد خارج السرب وحيدا. فلا تستطيع دبي الوصول للنجاح بالقفز عاليا فوق الحواجز الاجتماعية والسياسية الموجودة في المنطقة.
كما أن دبي لوحدها لا تستطيع أن تصل للعالمية بعيدا عما يجرى في منطقة الخليج أو في مناطق أخرى مجاورة. بالإضافة لذلك فإن على دبي أن تواكب في تطورها شقيقاتها الإمارات الأخرى والتي لا تزال بحاجة لوقت أطول لكي تصل إلى ما وصلت هي إليه.
وعلى الرغم من ضعف الحجة لدى أصحاب هذا الرأي، خاصة وأن تاريخ دبي وتطورها الماضي أكبر دليل على عدم صدقه، إلا أن دبي لم تتجاهل هذا التحذير. فقد أعلنت على لسان ولي عهدها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بأن نهضة دبي ومشاريعها قائمة على أسس مدروسة بحيث لا تؤثر سلبا لا على جوانب التنمية الأخرى ولا على التنمية المستقبلية في المنطقة بأسرها. كما أن مشاريع دبي قد درست بحيث تؤثر إيجابا وليس سلبا على الإمارات الأخرى .
فمن المشاريع التي ظهرت في دبي وكان لها مردود إيجابي على مجتمع الإمارات ككل هو مشروع مدينة دبي للإعلام ومدينة دبي للانترنت ومدينة دبي الطبية ومدينة دبي للخدمات الإنسانية وقرية المعرفة وكلها مشاريع حيوية سوف يستفيد منها ليس فقط مجتمع دبي ولكن مجتمع الإمارات ومجتمعات أخرى مجاورة. هذه هي سياسة دبي والتي طبقتها دبي باقتدار ضاربة أروع مثال على تلك العقلية التجارية الفذة التي ميزت مجتمع دبي وطبقته الحاكمة على مر العصور.
فلم تميز دبي عقلية السوق ولكن تلك العقلية التجارية الخارقة وتلك النبضة الفريدة والصلة الوثيقة والوشائج المتصلة التي تربط بين النخبة الحاكمة وبين طبقة رجال المال والأعمال من العناصر التي رفدت سمعة دبي كوجهة اقتصادية. فهذه الصلة جعلت الطرفين على معرفة بطريقة تفكير الآخر وجعلته عاملا مساعدا في تحقيق وإنجاز الكثير من المشاريع الضخمة. فلولا التسهيلات الحكومية ولولا جراءة رجال الأعمال وثقتهم الكبيرة في قدرة اقتصادهم الوطني لما تحققت هذه المشاريع وقفزت بدبي إلى مصاف المدن المتقدمة.
ويحق لدبي أن تفخر اليوم بأنها قد أصبحت مدرسة اقتصادية حديثة تقدم خبراتها المكتسبة عن جدارة للعديد من الدول ذات الباع الطويل في التنمية. ولولا العمل الدؤوب والجهد المكثف لأبنائها ولولا الإيمان القاطع من قبل الإدارة الحكومية بقدرة هؤلاء الأبناء على القيام بكل الأعباء خير قيام لما وصلت دبي إلى هذه المكانة الرفيعة.
وتقف وراء هذه الطفرة الجبارة عقلية فذة لا تعرف الكلل أو الملل، عقلية تعمل ليلا ونهارا لتحويل الحلم إلى واقع هي عقلية حكامها من آل مكتوم وعقلية الفريق سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع والذي ورث عن أسلافه تلك العقلية التنويرية القائمة على استشراف المستقبل والاستفادة من دروس الماضي لخدمة الحاضر المعاش والانطلاق منه لمستقبل واعد.
فما ميز دبي طوال تاريخها هي تلك العقلية التنويرية لحكامها الذين أدركوا حاجة مجتمعهم وشعبهم ووضعوها نصب أعينهم مدركين أن تحقيق الأهداف الصعبة يحتاج للعمل الدؤوب وتكاتف الجهود. إن دبي اليوم تعتبر إضافة متميزة للعالم العربي والإسلامي والذي يفخر بأن يضم بين جنباته مدينة عربية إسلامية تنحو نحو الحداثة والمعاصرة دون الإخلال بقيم الإسلام الحنيف. ان دبي الحديثة لم تنس وهي تتجه باقتدار إلى أعماق القرن الحادي والعشرين تلك اللمسات الإنسانية التي تعطي للمدينة العصرية روحها وتحفظ لها إنسانيتها.
فاللمسات الإنسانية مثل «جائزة دبي للقرآن الكريم» وسخائها في التبرع للمحتاجين والمنكوبين دليل قاطع على أن دبي هي «مدينة العطاء».
ترصدها: د. فاطمة الصايغ
