جاء في الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام فقال له: «يا موسى: إن من عبادي من لو سألني الجنة بحذافيرها لأعطيته ولو سألني غلاف سوط لم أعطه، ليس ذلك عن هوان له عليَّ، ولكن أريد أن أدخر له في الآخرة من كرامتي، أحميه من الدنيا كما يحمي الراعي غنمه من مراعي السوء، يا موسى:
ما ألجأت الفقراء إلى الأغنياء ان خزائني ضاقت عليهم، وان رحمتي لم تسعهم، ولكن فرضت للفقراء في أموال الأغنياء ما يسعهم، أردت أن أبلو الأغنياء كيف مسارعتهم فيما فرضت للفقراء في أموالهم، يا موسى: ان فعلوا ذلك أتممت عليهم نعمتي، وأضعفت لهم في الدنيا، للواحدة عشر أمثالها يا موسى، كن للفقراء كنزا، وللضعيف حصنا، وللمستجير غيثا، أكن لك في الشدة صاحباً، وفي الوحدة أنيساً، وأكلؤك في ليلك ونهارك».
ربنا سبحانه وتعالى شديد الكرم، واسع العطاء، وهو أرحم بعباده من الأم بولدها، ولا يفعل بعبده إلا ما هو خير له، حتى وان كان في ظاهره شراً وخير دليل على هذا. ما فعله سيدنا الخضر عليه السلام ولم يستطع سيدنا موسى عليه صبراً. من خرق السفينة. وقتل الغلام. ثم قال بعد ذلك «وما فعلته عن أمري».
وهذا الحديث القدسي الجليل يؤكد لنا مدى رحمة الله بعباده وعطفه على عامة خلقه.. إذ يوحي سبحانه وتعالى إلى سيدنا موسى عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلوات وأتم التسليمات يوحي إليه أن من عباد الله تعالى من لو سأل الله الجنة بكل ما فيها يسرح فيها ويمرح كيف يشاء لأعطاه الله ما يريد حباً فيه وارضاء له جزاء طاعته لمولاه واتباع أوامر خالقه جل وعلا.
ولو أن هذا العبد نفسه طلب من ربه مجرد غلاف سوط وهو وإن كان شيئاً تافها إلا ان الله يمنعه منه ولا يستجيب له لأنه ليس فيه ما يقربه من الله جل وعلا.. وليس هذا المنع لأن الله لا يحب هذا العبد. كلا وإنما يمنعه لأنه يحبه. ولك أيها القارئ الكريم ان تقارن بين قوله: «لو سألني الجنة بحذافيرها لأعطيته» وقوله» «ولو سألني غلاف سوط لم أعطه» ثم يوضح سبحانه سبب المنع فيقول:
«ليس ذلك عن هوان له عليَّ»، «ولكن أريد أن أدخر له في الآخرة من كرامتي وأحميه من الدنيا كما يحمي الراعي غنمه من مراعي السوء» يا الله .. ما أكرمك وما أحلمك.. سبحانك من إله رحيم كريم ودود. تعلم ما يصلح عبدك فتعطيه إياه بغير حدود ولا حساب. وما ليس فيه فائدة أخروية له فتمنعه منه حتى وإن كان يرى الخير في ذلك. لأن الله يعلم، وعباده لا يعلمون ويقدر، وهم لا يقدرون، وهو سبحانه وتعالى علام الغيوب.
وبعد أن يطيب سبحانه وتعالى خاطر هذا العبد المطيع يقرر أمراً آخر وهو انه لشدة حبه لعبده فهو يريد أن يدخر له في الآخرة من كرامته. وأن يحميه من الدنيا ووبائها، وينقذه من زخارفها وبلائها، فيتولاه بفضله ويرعاه بمزيد بره وكرمه، ويحافظ على عبده كما يحمي الراعي غنمه من مراعي السوء، ثم يزيد الأمر توضيحاً سبحانه وتعالى لسيدنا موسى عليه السلام فيقول:
« يا موسى: أنا ما ألجأت الفقراء إلى الأغنياء ليساعدوني في عطائهم أو ليتحملوا عني تبعائهم. لا فأنا الله الغني الحميد القائل: «وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين» فما ألجأت الفقراء إلى الأغنياء بسبب أن خزائني ضاقت عليهم، أو ان رحمتي لم تسعهم. لا فأنا القائل:
«كتب ربكم على نفسه الرحمة» والقائل: «ورحمتي وسعت كل شيء»، «ولكن فرضت للفقراء في أموال الأغنياء ما يسعهم». وانظر أيها القارئ العزيز إلى كلمة «فرضت» لتتأكد ان حق الفقراء في مال الأغنياء مفروض عليهم ولا فضل لهم فيه بل هو واجب الأداء كالصيام والصلاة ثم انظر إلى قوله سبحانه «ما يسعهم» لتعلم ان الله العليم الخبير علم أزلاً ان العشر أو نصف العشر من الزروع، وأن ربع العشر من المال. لو وصل إلى مستحقيه لما وجدنا على وجه الأرض مسلماً فقيراً ولا امرأة أرملة تشكو العوز حيث قال تعالى .. «فرضت .. ما يسعهم» فهل من مدكر؟
وتمضي بنا ألفاظ الحديث الجليل لتزيدنا توضيحاً وإفهاماً، ولنعلم أن الله تعالى حكيم يدبر شؤون خلقه بعلمه. فانظر إلى قوله سبحانه «أردت أن أبلو الأغنياء كيف مسارعتهم فيما فرضت للفقراء في أموالهم» فهذا اختبار للأغنياء ليرى الحق سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير. هل سيسارع الأغنياء إلى إعطاء الفقراء حقوقهم؟
أم سيبخلون بمال الله عن مستحقيه ويخونون الأمانة التي سيسألون عن عدم أدائها بين يدي الله يوم القيام؟ فإن هم سارعوا بإعطاء المستحقين. أتمم الله عليهم النعمة، وكافأهم على الحسنة بعشر أمثالها فانظروا إلى كرم الله سبحانه يعطيك من فضله ويتفضل عليه بفيض كرمه ثم إن أديت ما ائتمنك عليه إلى أصحابه كافأك في الدنيا بعشر أمثاله.
فكم يكون الجزاء في الآخرة؟ الجزاء بسبعمئة ضعف «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» ثم يأتي بعد هذا كله الأمر الإلهي لسيدنا موسى عليه السلام: يا موسى: كن للفقراء كنزاً وللضعيف حصناً وللمستجير غيثاً..
فلا تردن فقيراً إلا إذا طيبت خاطره ولو بكلمة طيبة، وساعد الضعفاء وكن لهم حصناً منيعاً. وأغث من استغاث بك، فتلك صفات المؤمنين الصادقين واعلم ان ذلك لن يضيع عند ربك، فمن أحسن أحسن الله إليه، وإن فعلت ذلك كان الله لك في الشدة صاحباً، وفي الوحدة أنيساً، وحفظك في ليلك ونهارك من كل ما يؤذيك من إنس وجن ووحش فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ووفقنا لما تحب وترضى يا رب العالمين.
عبدالعليم أبوليلة