تعد كتب الرحلات ذات أهمية بالغة، تكمن في احتواء هذه الكتب على الكثير من المعارف والمعلومات، التي تمت إلى الجغرافية والتاريخ بأمتن الأسباب وأوثق الصلات، ففيها غير المعاناة والأهوال، التي تعرض لها أصحابها، تقارير وافية وصور عن الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعمرانية السائدة في البلدان، التي مر بها الرحالة صاحب الكتاب.
إضافة إلى القيمة الأدبية التي تتجلى في كل ما أورده المصنف في مذكراته، اذ تعد نماذج من أرق النماذج على الوصف الفني الحي المتميز حيث يستخدم التعبير السهل المستقيم الناضج بغنى التجربة وصدق اللهجة، مما لا نجده عند اكثر الأدباء المحترفين.
ولعل كتب رحلات الحج من أغناها، لتضمنها، إضافة إلى ما ذكرنا، علوما تتصل بالحياة بشكل أساسي، من النواحي جميعها، الفقهية، والعلمية، والأدبية، والطبية، والفنون وغيرها كثير مما يكتسبه مؤلفها في أثناء رحلته من خلال لقائه رجال العلوم المختلفة.
وكتاب (رحلة الوحيد من حلب الى بيت الله الحرام) لمصنفه الوحيدي، خير مثال على ما ذهبنا إليه في الأسطر السابقة، مما دفعنا إلى الكتابة عن مخطوطة هذا الكتاب، مؤلفه ومنهجه، وسبب تأليفه، ومصادره.
؟ المؤلف:
من المؤسف له أن المصادر التي أوردت ترجمته، لم تسجل شيئا ذا أهمية، إذ كل ما ذكرته اسمه وتاريخ وفاته، وكتابين من مصنفاته، فذكرت اسمه: حجيج بن قاسم الحلبي، الوحيدي، وكذلك ورد اسمه في كتاب الرحلة، في ديباجته، حيث قال: حجيج بن قاسم من هو بالوحيدي شهير.
لكننا من خلال قراءة نماذج من كتابه هذا وجدنا أنه طبيب، كان يمارس مهنة الطب في دار الشفاء الارغوانية بحلب، وأنه مشارك في علوم أخرى كثيرة، مما يعطينا فكرة عن العلوم التي درسها إضافة إلى تعاطيه مهنة الطب، فلم يترك علماً من العلوم كان شائعاً في عصره دون أن يرتبط به بسبب، فكان تعلقه بالكتب كبيرا، حتى انه يوضح لنا في ديباجة كتاب (الرحلة): انه متعلق بالكتاب، وبدراسة العلوم فقال:
اذا ما خلا الناس في دورهم
بزهر الندامى وعز الصحاب
واكل الطعام وشرب المدام
وتم السرور نجود كعاب
خلوت وصحبي كتب العلوم
وكان الأنيس لقلبي كتاب
ودرس العلوم شراب العقول
فطوبى عليّ بذاك الشراب
ومن كان في دهره جامعاً
سوى العلم فجمعه للذهاب.
وقال أيضا:
وما شغفي بالكتب الا لأنها
تسامرني من غير عي ولا ضجر
وأحسن من ذا أنها في صحابتي
تخفف تكليفي وتقنع بالنظر
ومن الجدير بالذكر أنه كان شاعراً، بث كثيراً من شعره في هذا الكتاب. ومن خلال هذا الكتاب ايضا وجدنا أنه حج اكثر من مرة، كان آخرها هذه الرحلة سنة 992ه. أما مصنفاته التي استطعنا معرفتها فهي: منهج الاطباء وشفاء الأحباء. ورحلة من حلب الى مكة، والدر والعقيان في آلات نفس الانسان، وقد اسلم روحه إلى بارئها بعد سنة 922ه، إذ ان هذه السنة هي التي سجل فيها رحلته الى الجح في هذا الكتاب، بعد أن عاد من أداء مناسك الحج.
لم نر فيما قرأناه من كتب الرحلات كتاباً شاملاً مثل هذا الكتاب الذي نتعرض له هنا بالتحليل، ولعل نظرة واحدة إلى ما سجل في أوله من فهرس لمحتوياته تؤكد صحة شموليته، فالكتاب موسوعة علمية، تتضمن معلومات من كل فن من فنون العلوم المشتهرة في عصر المؤلف.
فقد بدأ المؤلف كتابه منذ أن خرج من بيته قاصداً مكان سوق الحمال، تحت قلعة حلب، متحدثاً عما جرى له مع من التقاه في المكان، حيث وصفه قائلاً: «فرأيت رجلاً أرضع ثدي الشؤم، وغذي بغذاء الخبث واللؤم، ونشأ في بيت المكر والفجور، وتقمص وتسرول بشهادة الزور، وتعمم بالايمان الكاذبة». وقد جاءت مقدمته قطعة ادبية، استخدم فيها السجع للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه عارضا ما واجهه من مصاعب قبل أن يبدأ رحلته.
ثم تعرض لما ينبغي على من ينوي السفر من الاستخارة والمشاورة، وانطلق الى الحديث عن مدينة حلب وما قاله المؤرخون فيها وخصائصها، وتعرض بعد ذلك للحديث عن المهدي المنتظر واشراط الساعة والدجال، وتاريخ الانبياء، ثم كيفية تلقين الذكر والدعاء، ثم تناول فن الادب ومستلزماته من علم المعاني والبديع والبيان.
انطلق بعد ذلك للحديث عن دمشق ومدحها وما قاله فيها الشعراء، وخصوصياتها وبناء مسجدها، ثم تحدث عن دخوله حمام دمشق وما اتفق له مع الصانع، ناثرا في أثناء حديثه اشعارا وفوائد جليلة، وتناول بعد ذلك موضوعات متنوعة من المسائل والألغاز النحوية، والفقه والحساب، والرياح وأنواعها، والأشعار التي قيلت في كل نوع، وعرض لزيارة الرسول وما في معنى ذلك، منطلقا الى ما يتعلق بالاحرام، معرجاً بعد ذلك على طبائع وأخلاق أهل البلاد (الحجاز) ثم عرف علم الحديث.
وعرج على الفلسفة ، فتحدث عن المقولات العشر، والهيولي، والصورة، والعرض، والمادة والجسم. منطلق منها الى علم الهيئة والحساب، والخوافي، وطريقة التكسير، والبحث عن السفليات والأقاليم السبعة، وضرب الكسور في الكسور ، والقوانين الحسابية، والمنطق، والوفق ولمسائل في النحو وأجوبتها.
ثم عاد إلى أمور فقهية تناول فيها: الاستنجاء وكيفيته، ومسائل الطهارة على المذاهب الأربعة، والوضوء وفرائضه وسننه، والسواك وفوائده، وقد حددها بسبعين فائدة، ونواقض الوضوء، والمسح على الخفين، والغسل وموجباته وفرائضه وسننه وكيفية غسل الميت، والتيمم، والجمع بين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، والصلاة وشروطها.
وتحدث عن وصوله في طريق عودته إلى الشام، ذاكراً جامع بني أمية، ثم انطلق إلى الحديث عن الطب وشرفه، وحاجة الطبيب إلى علم الموسيقى، والأحاديث المأثورة في المداواة وتعليم الطب، والحرص من المعالجة عند الأطباء اليهود والنصارى، وذكر في أثناء ذلك بعض المسائل الفقهية المتعلقة بالضمان على الطبيب، وموضوع الطب ومبادئه ومسائلة وأقسامه، متحدثاً عن المزاج، وأحوال البدن والأسباب والعلل، وعن علم التصوف وكرامات الأولياء وحكاياتهم، وأحوال المحبة، وأحوال العارفين.
ثم تحدث عن العشق غير الرحماني، واختلاف الناس فيه، وختم كتابه في الحديث عن المرأة، وما يستحسن فيها، كأنه أراد بهذه الخاتمة ان يستريح القارئ من عناء رحلته في هذا الكتاب، فالانسان بفطرته التي فطره الله عليها لا يستغني عن المرأة في مسيرة حياته، فهي الواحدة التي يلجأ إليها عندما ترهقه الحياة، يلقي برأسه اليها، وكأنه يلفظ بهذه الالقاءة كل هموم الدنيا.
وقد ذكر في ديباجته ما دفعه الى كتابة هذا الكتاب، فقال: «ومن عادتي اني كلما سافرت سفرة أن اصنع رحلة، اذكر فيها المنازل، وما يقع في كل منزلة من النوادر من الأدب ينازل، بل اذكر ما يقع من العوام، ولو كان من مهمل الكلام، وأضيف إلى ذلك أشعارا رائقة، وحكايات فائقة، ونكت لسماعها الاسماع شائقة، والأرواح وامقة، تشتمل على الفاظ أرق من النسيم واحلى من التسنيم، وتكون ذكره لي في حياتي وبعد مماتي.
* منهج المؤلف:
لا نستطيع أن نتلمس في الكتاب كله منهجا اتبعه المؤلف فيه، ولا نجد فيه أي تقسيم الى ابواب او فصول، وان كان في بعض الأحيان يضع ع نوانا هو كلمة (فصل)، فنجد بعض المعلومات متناثرة، فنجد في الورقة 24 يعرض الالغاز النحوية، ونجد في الأوراق 8594 المسائل النحوية وأجوبتها، كما نجد في الورقة 23 مسائل في الفقه والحساب، وفي الورقة 49 مسائل حسابية ايضا.
كما أننا لا نجد فيه ذكر مصادر اعتمد عليها فيه، على الرغم من أنه أحيانا كثيرة يشير رلى علماء سابقين من أمثال الغزالي، وابي حيان الاندلسي، صاحب البحر المحيط، وغيرهم ما يثري هذا الكتاب، اذ يرد كل قول الى صاحبه، وهو الأمر الذي يطلق عليه في عصرنا اسم الامانة العلمية. وقد ذكر في نهاية كتابه، رحلاته في طلب العلم، بين الكتب، وما تلقاه من أفواه الرجال، فيقول: «ولقد وقفت على كتب جليلة في هذا الشأن، واضحة البرهان، قل أن توجد في هذا الزمان، شددت في طلبها الرحال، وتلقيتها من أفواه الرجال:
وقد أوطيت نعلي كل أرض
وقد أتعبت نفسي باغترابي
وقد طفت في الآفاق حتى
رضيت من الغنيمة بالاياب
ومما يدل على أن ثقافة مؤلف هذه الرحلة واسعة وعميقة، أفقية غير عمودية، وموسوعية غير تخصصية، تؤشر إلى شدة ارتباط وشغف صاحبها بالكتاب.
* أنموذج من الكتاب:
اخترنا الانموذج الآتي من علم الموسيقى، اذ ان المؤلف يرى مدى حاجة الطبيب إلى هذا العلم فنجده يقول:
«وأما علم الموسوقاري فيحتاج إلى الطبيب لمعرفة قرع النبض، والموسوقاري اسم للآلة كالحنبك، ومنه البربط، وهو العود، والكلمة فارسية، وهي بريت أي صدر البط، لأن صورته تشبه صورة البط وعنقه، وأوتار العود أربعة، اليم وهو بمنزلة الخلط السوداوي، أي بارد ياس، الذي يليه المثلث، وهو بمنزلة البلغم، أي بارد رطب، الذي يليه المثنى، على وزن مغنى، بتخفيف النون وهو بمنزلة الدم، والذي يليه الزير، وهو أرفعها، وهو بمنزلة الصفر، أي حار يابس، فيعالج كل انسان بما يلائم مزاجه، ولهذا قال ابن ابي صادق في شرح مسائل حنين: ان الجسد بمنزلة الآلة، والأوتار بمنزلة العروق، فكان ان من نقرات ا��أوتار المنافر، والملائم، والمنتظم، فكذلك البنضات.
عبدالقادر أحمد عبدالقادر
مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث