عندما كان يرقد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب على سرير المرض، كانت الابتسامة لا تفارق محياه على الرغم من أن مرض النقرص كان يأكل كل قطعة من جسده النحيل، وكان بجواره رفيق دربه الشاعر علي السبتي يخفف من آلامه فكان يردد عليه تلك الابيات:

لك الحمد إن البلايا عطاء وإن عطاياك بعض النعم

فيقول له يا أخي هذا المرض ليس ابتلاء فحسب وانما اختبار حقيقي لقدرتي على الصبر الذي طالما تغنيت به في أشعاري ولم أذقه يوما، فيزوره بعض رفاقه فيقول: لم أكن أعلم ان الصبر نعمة من نعم الله على خلقه، فيقول له زائره كيف هذا؟ فيقول: هل تعلم بأن الصبر وسيلة عظيمة نكتشف من خلالها نعمة الآلم التي تهاجمنا.

لا نستطيع القول بأن القلق وليد الألفية الثالثة، بل هو قديم نشأ مع بداية الخليقة البشرية، فالذين عاشوا تلك العصور السحيقة من الأزمان الغابرة كانت لهم معاناتهم المحيطة بهم آنذاك، وذلك من خلال الكتابات القديمة ما قبل الميلاد، حيث وردت الكتب القديمة بأن الفيلسوف أبقراط قد قدم تفصيلات عديدة عن القلق والتوتر وكيفية معالجتها وكان هذا في 350 ما قبل الميلاد.

وفي عهد الإغريق تكلم عالمهم الفيلسوف أرسطو عن القلق والتوتر في الحياة، ولكن الفرق بيننا وبينهم أن قلقهم كان منصبا على مصدر واحد محصورا في جانب معين قد يكون معروفاً لديهم وقد يتجاوزه بقليل، أما في عصرنا الحالي فلا نستطيع أن نحدد مصدر القلق لأنه متنوع ومتعدد، فكل عمل يقلقنا وأي حركة تجهدنا وأي كلمة توترنا سواء في البيت أو العمل أو السوق أو القيادة، حتى أن الذي يستطيع أن يحافظ على توازنه النفسي اصبح من السعداء الحكماء، لأنه يستلزم منه بذل الجهد البليغ من اجل المحافظة على سلامة الروح من التعب.

لا نكاد نسمع عن إنسان قلق، إلا وربطنا سبب هذا بالاستعدادات الفردية اتجاه الحياة المليئة بالمنغصات، وهذه الاستعدادات الفسيولوجية ترجع لطبيعة التنشئة التي تربى عليها الفرد منذ نعومة أظفاره، في المحيطات المختلفة كالعائلة ومفاهيمها اتجاه تربية أبنائها والبيئة التي أحاطت بالشخص، وما هي التأثيرات التي تلقاها في صباه، والتربية السلوكية أو الوجدانية التي شكلت شخصيته، فهذه الأسباب لها ارتباط وثيق بطبيعة هذا الإنسان مستقبلا.

إن تجميع الضغوط النفسية والاجتماعية والمادية والديون والالتزامات اتجاه الغير والظروف المادية الصعبة، ومتطلبات الأبناء المدرسية، واحتياجات المنزل وغيرها من الظروف التي تأكل من نفسية الفرد حتى ينهار ويبدأ يضعف أمامها بصورة تدريجية، لتبدأ الخلافات الزوجية من الجانب الآخر وتزيد من وطأة المصيبة على الشخص.

أتذكر القلق الذي انتاب المهاتما غاندي عندما وجد التهديد الحقيقي القادم من اجتياح اللغة الإنكليزية الاستعمارية على بلاده ومحاولة تكريس هيمنتها على كل أشكال الثقافة والحضارة الهندية، لذا شكل هذا الكابوس هاجسا كبيرا لهذا العجوز الحكيم فقال مخاطبا الجماهير ( أليس من المؤلم أن استعمل اللغة الإنجليزية، كأداة تعبير، حين أريد أن أذهب للمحكمة، ترى من ألوم ؟ أأوجه اللوم للإنجليز، أم أعود باللائمة على نفسي ؟ إن الهنود الذين يتكلمون الإنجليزية، ويكتبون بها، هم الذين استعبدوا الهند في الحقيقة، وليس الإنجليز.

تحراني الزمان بكل خطب وعاندني القضاء بغير ذنب

كأن الدهر يحزنه سروري أو الأيام يظمئهن شربي

أيا زمن اللئام الإم حملا علي وبعض ما حملت حسبي

أما يحظى الكرام لديك يوما فأركب فيك عيشا غير صعب

لقد أجرى الدكتور بافلوف تجربة مثيرة في ان الكائن عندما يتعود على التعامل مع شيء ما وبأسلوب واحد فانه سيتعامل مع كل المواقف المشابه بنفس ردة الفعل التي تعامل معها في المرة الأولى، فماذا فعل؟ انظروا للتجربة المثيرة والتي أسماها الدكتور ليول غيوم (الانعكاس الشرطي).

أتى بكلب بعدما ثبت في مجرى الغدة اللعابية لأنبوب رفيع به ليمر اللعاب فيه ويصل إلى علبة زجاجية فارغة، ليحدد بدء الإفراز ونهايته وكميته ونوعيته، فبعد ان تمت تهيئة الكلب للتجربة، قرع له الجرس فأخذ الكلب ينظر بلا اهتمام، فلما أوقف القرع نظر إلى الأنبوب الشفاف فلم ير أثرا لسيلان اللعاب.

المرحلة الثانية : وضع بافلوف أمام الكلب قطعة من اللحم الطازج، فتأثر وفرح لطعامه وبدأ اللعاب ينساب في الأنبوب.

المرحلة الثالثة: أخذ يكرر التجربة ذاتها، تقديم الطعام مع قرع الجرس إلى أن سحب منه قطعة اللحم واكتفى بالقرع على الجرس، ومع ذلك كان اللعاب يسيل من الكلب كلما قرع الجرس وبدون تقديم قطعة اللحم.

فاستخلص العالم بافلوف بأن الإنسان عندما يتعود على أمر ما، فإنه يتعود على ردة الفعل الواحدة وان اختلفت المواقف أو تعددت، ويبدأ القلق يلازمه بشكل دائم، مما تجره إلى ممارستها بشكل دائم، وهكذا يصبح التوتر هو السمة الواضحة لأي تصرف، ويغدو القلق هو العادة المألوفة التي يبديها ذلك الإنسان، ومن هذا نعرف أن القلق والتوتر إنما هو انعكاس يتكون لدى الإنسان من تفاعل داخلي اتجاه المواقف المتشابهة التي تثير في نفسه القلق.

خليفة المحرزي