نظرة سريعة على كتب الرصيف المنتشر في شوارع وميادين مصر تدلك على حجم الكارثة التي تقدم للبسطاء ومحدودي الثقافة، والتي تساهم في تسطيح الوعي وتغييب العقل دون رقيب. كم هائل من كتب الرصيف التي تباع هنا وهناك من أمثلة :الثعبان الأقرع، مثلث برموده، فك الرباط، علاج السحر، العلامات الصغرى والعلامات الكبرى للقيامة، المهدي المنتظر، يأجوج ومأجوج.. وغيرها من الكتب التي تقع بين يدي العامة وتهدد الثقافة العربية والإسلامية بالسطحية والضياع..
والسؤال: كيف نحمي الناس من هذه الكتب.. ومن الذي يقف وراءها.. وماذا عن دور الأزهر في ضبط مضامين هذه الكتب.. وكيف نعمل على أن تحل الثقافة الإسلامية الجادة محل هذه الكتب التي لا تخدم العقل او الدين معا؟.
الدكتور عبد العظيم المطعنى أستاذ الدراسات العليا بجامعة الأزهر يعترض بداية على التسمية «ثقافة الرصيف» مؤكدا أن هذه الكتيبات ليس بها أية إضافة علمية موثوق فيها، ولكنها من التراث المهمل ولا تمثل وجهة النظر التراثية، ومؤلفوها لا وزن لهم، وإنما كانوا يكتبونها تسلية لأوقات الفراغ وطمعا في الكسب الرخيص، وهى مطبوعة بشكل غير جيد وليس عليها تحقيق علمي، والباحثون يزهدون فيها فلا ينفقون وقتا لمراجعتها وتحقيقها علميا.
وإنما تلجأ إلى طبعها بعض دور النشر المغمورة لكي تدر عليها ربحا من العامة، وللأسف فإن بعض خطباء المساجد المحدثين يقتنونها لكي يستعينوا بها في خطبهم، فهي رخيصة الثمن مما يجعل الإقبال عليها ملحوظاً على الرغم من أنه يوجد بها كثير من الخرافات، والإسرائيليات، وللأسف يصدقها عامة المسلمين، فعلى سبيل المثال فإن أحد هذه الكتب يذكر أن القمر، انشق نصفين دخل نصفه في كم النبي الأيمن والثاني دخل في كمه الأيسر.
وهذا كلام مضحك ومؤسف في نفس الوقت، وبعضها يقول إن الحسين لم يرضع من لبن أمه فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وإنما رضع من إحدى أصابع النبي لمدة ستين يوما، وهذا كلام باطل ولا أساس له من الصحة وكذلك هناك كتاب من هذه الكتب اسمه عرائس المجالس كتبه الثعلبي يتحدث فيه عن قصص الأنبياء وهو عبارة عن روايات إسرائيلية مملوءة بالتخريف، فهو الذي ذكر أن أيوب عليه السلام لما مرض كان الدود يخرج من فمه وهذا كله افتراء وتدليس.
ويشير د.عبدالحميد مدكور أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم: إلى أن الأمر يتوقف على صيغة هذه الكتيبات، وهل هي خاضعة للمتابعة أم لا، لأنها إذا كانت خاضعة لنوع من الإشراف فإنها يمكن أن تكون مصدرا لتزويد الناس بثقافة مبسطة وبمسائل حيوية تتعلق بأمور حياتهم، وتجيب على كثير من التساؤلات البسيطة لدى العامة، أما إذا تم تركها دون إشراف أو مراقبة فإنها يمكن أن تكون ذات تأثير لا يخلو من الضرر، بل قد يكون فيها في بعض الأحيان فكر شديد الضرر.
وذلك إذا تعلق ما تحويه هذه الكتيبات بآراء أو أفكار أو تفسيرات غير صحيحة لأمور اعتقاديه، أو إذا تم التركيز فيها على موضوعات تتعلق بالسحر والتنجيم والمسائل الخفية، أو التركيز على مسائل جزئية لإضفاء نوع من الاهتمام المبالغ فيه، وربما حملت تفسيرات تعكس أفكارا ضيقة واتجاهات تدعو إلى التشدد في بعض مسائل الفتاوى والأحكام.
ويعتقد د.عبدالمقصود باشا أستاذ التاريخ والحضارة وعضو لجنة تحقيق التراث بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: أن مضمون الثقافة يتناقض تماما مع ما يوجد على الرصيف لان الرصيف مأوى لكل ما هو مهمل، ولا يجب أن يطلق على هذه الكتيبات التي تباع على أرصفة الشوارع أنها ثقافة إسلامية أو غير ذلك، ولكنها قد تكون كارثة، وهى من أكبر الكوارث القومية لأنها تؤدى بعقول أمة، وللأسف بات سوق الطباعة في مصر محكوما بالفوضى، فلا ضابط ولا رابط فيه، ولذلك يمكن القول بأن هذه الكتب تحمل ثقافات مغشوشة تؤدى بالشعوب، ولا يجب أن يطلق على ما فيها أنها ثقافة دينية لأنه لا نفع فيها.
يؤكد الشيخ إبراهيم الفيومي الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أن كثيرا من هذه الكتيبات هابط ومرفوض من وجهة النظر الدينية، لأنها تجانب الصواب وتجافى الحق، وهذه الأمور بلا شك تعتبر مفسدة ومضيعة للوقت، وهناك بعض هذه الكتب وإن كانت قليلة العدد تكون منتقاة ومتخيرة وقد تضيف لعلم المسلم البسيط، ولكن الغالبية العظمى منها تكون سيئة جدا سواء في أساليبها أو في موضوعاتها المطروحة.
وهذه الكتيبات لوتم عرضها علينا بالمجمع ونطالب بمصادرتها ولكن للأسف هذه الإصدارات لا تعرض على المجمع، ومن ثم فإن الإدارات المتخصصة بالمجمع لا تستطيع أن تقوم بعمل مسح لكل هذه الكتيبات، لأن ذلك العمل قد يكلف المجمع فوق طاقته، ولذلك فإن ما يمكن تقديمه هو النصح للقارئ بأن يميز بين ما ينبغي أن يقرأ وما ينبغي أن يترك، وهذه هي مسئولية الدعاة في المساجد ورجال الدين في المقام الأول، فليست المسألة منحصرة في مصادرة بعض الكتب ولكنها قضية استئصال فكر هدام من المجتمع ومحاربته بالتوعية وليس بالإجراءات النوعية.
ويشير الشيخ عبدالظاهر أبوغزالة مدير عام إدارة التأليف والترجمة والنشر بمجمع البحوث الإسلامية: إلى أن هناك نسبة أمية دينية عالية جدا بين المسلمين، ولعل هذا الأمر هو السبب الأول في انتشار هذه الظاهرة، مما يجعل البعض يعتقد أن هذه الكتيبات تقوم بإعطائهم جرعات دينية مبسطة، وبأسلوب سهل ميسر بعيدا عن الكتب الكبيرة، وبعض هذه الكتيبات تكون بالفعل تحتوى على معلومات دينية صحيحة ومبسطة.
ويمكن اعتبارها وجبة ثقافية إسلامية خفيفة، وهذه الإصدارات الصحيحة يحرص مؤلفوها على عرضها على مجمع البحوث لأخذ الموافقة عليها، ونحن نرحب بذلك، ولا يمكن اعتبار هذه الكتيبات شريحة من شرائح الفكر الإسلامي، لأن هذا الفكر يحتاج إلى بحث وقراءة وتوثيق للمعلومة، لكن هذه الإصدارات الصغيرة ذات المعلومة الدينية الصحيحة يكون بعضها تجميعي ولا يحتوى على مخالفات إلا في أمور بسيطة وهذه الأمور لا اعتراض عليها.
ويضيف: إن الكتيبات التي ترد للمجمع تكون لمؤلفين معروفين من أمثال عمرو خالد وغيره. أما كتب المواصلات العامة وأرصفة الشوارع فهي خارج نطاق السيطرة ولا نعلم عنها شيئا، ونحن نعتبر أن هذه الظاهرة خطيرة نتيجة الإقبال الشديد عليها، ولأنها تحتوى في كثير منها على أفكار مغلوطة، وتتم طباعتها في مطابع مجهولة.
ويحاول مؤلفوها استثارة القارئ وتشويقه دون النظر إلى صحة المعلومة الدينية أو خطئها، وهذا مكمن الخطر في القضية، ويجب الالتفات إليها خاصة وأن المجمع على الرغم من أنه جهة رقابية على كل ما يتعلق بالعقيدة، إلا أن السيطرة على هذا الكم الهائل من الإصدارات صعب جدا ولذلك فإن المجمع يقوم بفحص ما يطرح عليه بالدرجة الأولى.
أما د.عبدالمعطى بيومي العميد الأسبق لكلية أصول الدين بالأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية فيقول: ان الرصيف كان منذ زمن طويل منبعا من منابع الثقافة الراقية وسور الأزبكية خير دليل على ذلك، فمن عليه تكونت مكتبات عظيمة وتم اقتناء كتب نادرة، إلا أن المشكلة ليست في الرصيف وما يحتويه وإنما في هواة التجارة بالثقافة الدينية والتربح عن طريق التجارة بالدين.
فهناك أناس كثيرون لا علاقة لهم بالفكر الديني من قريب أو من بعيد، ولكن عشقهم للكسب السريع والظهور يدفعهم إلى كتابة كتيبات معيبة، فكريا وقد تدور حول موضوعات عذاب القبر والتخويف من الله عز وجل وتسجيل أشرطة بأصواتهم تقوم على التهويل والترهيب، إلى آخر هذه الأمور التي يمكن أن نطلق عليها الثقافة المغشوشة، وأصحاب هذه الأعمال يريدون كسبا سريعا وزعامات زائفة وحبا للظهور، وهؤلاء ومن على شاكلتهم هم الذين يلوثون الجو الثقافي الإسلامي العام.
ويضيف د. بيومي أنه على الرقابة على المصنفات أن توافى الأزهر بمثل هذه الكتيبات لفحصها لأن مجمع البحوث وإدارة التأليف والنشر ليس لهما دور رقابي على مثل هذه الإصدارات، ولكنها تنتظر ما ترسله إليها الرقابة على المصنفات والأجهزة المعنية حتى تقوم بدورها حيال هذه الإصدارات.
وقال: إن من يقوم بإصدار مثل هذه الكتيبات المشوهة والغير الموثقة بالمعلومات الدينية الصحيحة آثم شرعا ، لأنه يتصدى للتأليف في المجال الديني وهو ليس أهلا لذلك، و قد كان كبار الأئمة في السابق لا يقدمون على التأليف إلا بعد الوصول إلى أرقى مراحل العلم، أما اليوم فبعض مدعى العلم والثقافة يتعجلون الفتوى والظهور فيقدمون على بث سموم ثقافية ومعلومات دينية مشوهة من خلال إصدارات ما أنزل الله بها من سلطان، وإن واجب المسلم العادي أن يتحرى مصدر ثقافته الدينية كما يتحرى مصدر الماء النظيف الذي يروى به.
القاهرة ـ سيد رزق