مازلت أذكر، وبكثير من الوضوح، كيف أصرت والدتي رحمها الله، على أن تحملني إلى مغتربي «ألمانيا» قبل حوالي ربع قرن من الزمن، يوم سافرت لمتابعة دراستي، مجموعة من «الجيابات» و«المرقعيات» التي كانت تنفذها من بقايا الأقمشة الصغيرة الملونة التي تفيض من «السراويل» و«التنانير» التي كانت تخيطها للرجال والنساء واليافعين الذين أبوا ترك الثياب الشعبية التقليدية.

ومازلت أذكر، كيف أثارت هذه المشغولات الشعبية البسيطة والتلقائية، زواري من الأصدقاء الألمان، لتتحول بعدها إلى أجمل تذكار أحمله معي من الوطن إلى المغترب، ومازلت أحتفظ في بيتي حتى اليوم ب« جيابة» هي كل ما تبقى لي من مشغولات والدتي الكثيرة التي أخذت طريقها إلى بيت أكثر من صديق داخل الوطن وخارجه. بهذه المشغولات البسيطة التي ينفذها البدو والريفيون عندنا، بالقماش أو الصوف أو القطن أو خامات أخرى، وبروح عفوية، وإحساس عال، وغاية وظيفية محددة، تختصر تاريخاً عريقاً من التراث السوري العريق، بل هي روح التراث وجانبه الحي المتوقد الأصيل الذي مازال مستمراً في الناس وحياتهم اليومية.

وهذا التراث يشير إلى جملة العلائق العميقة القائمة بين الإنسان والأرض، وبين الإنسان وبيئته، بكل ما فيها من تنوع وخبرات متراكمة، منقولة ومجمعة عبر الممارسة العملية، وبتأثير جملة من القناعات والعادات والقيم التي يؤمن بها البدوي والريفي والإنسان الشعبي عموماً، ومن مظاهرها: الأوشام، والتعاويز والرقى، والأحجبة.. وغيرها.

ولعل أهم ما في هذه المشغولات الشعبية من قيم، كونها تنتمي إلى فن فطري، وفنان نقي الإحساس، عفوي التعامل، حر الخيال والتفكير، مفتوح الذهن على الموروث القادم إليه مباشرة من الإنسان (أباً كان أم أماً أم كبير القوم أو العائلة) أي من الموروث الحي المستمر في الإنسان الشعبي: في عقله وتفكيره وعاداته وطرائق سلوكه مع الناس والطبيعة حوله.

هذه المشغولات القماشية، كانت ولا تزال، محط اهتمام العديد من الباحثين والفنانين العرب والأجانب، درسوها بإسهاب، كعلاقات شكلية ولونية ودلالية. بعضهم تأثر بها، وأعاد صياغتها برؤية معاصرة، وخامات ومواد مماثلة أو جديدة، والبعض الآخر، استلهمها في انجاز لوحات أو أعمال فنية حديثة، إنها نجاحات ومواد مختلفة بما نفذت به، لكنها حملت روحها ونبضها وقيمها الفنية النقية.

من جانب آخر، تصدت مجموعة من الفنانين الشباب الدارسين للفن لهذه الحرف والمهن الشعبية، وانكبت على تقليدها واستعادتها، بكافة خواصها وموادها القديمة، مع محاولة منحها روحاً معاصرة، تتماشى ومعارفهم وعصرهم، كما يحاول البعض، استنساخا كما وجدت، إنما تبقى فاقدة إلى عفوية وتلقائية الفنان الشعبي الذي أوجدها في مكان وزمان محددين، ولغايات وأهداف مختلفة.

والحقيقة تشكل جملة هذه المشغولات الشعبية اليدوية، خمائر الحضارات ومنطلقها، وستبقى كذلك اليوم وغداً!!

د. محمود شاهين