في كتابه المرموق «حياتي» يروي لنا المفكر المصري أحمد أمين (صاحب «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام» بين أعمال مؤسسة فكرية أخرى) فصولا من حياته. ومن هذه الفصول جولات قام بها في بعض بلدان المشرق العربي المعروفة ببلاد الشام، ولا سيما في العراق، حيث رصد الأحوال هناك، وأبدى حزنه وغضبه لأحوال الناس وانقساماتهم وإهمالهم كنوز بلادهم، ووقف يتأمل وهو لا يمنع نفسه من أن يسمي الأشياء بأسمائها.

تجولنا في بغداد وزرنا الإمام أبا حنيفة في مسجده بالأعظمية والإمام الكاظم والإمام الجواد في الكاظمية والمتحف العراقي الخ.. كما أنسنا بلقاء الشاعرين الكبيرين جميل الزهاوي ومعروف الرصافي، واستمعنا الى شعرهما فيما أقيم لنا من حفلات، وقد أكرمنا العراقيون إكراما فاق الحد، فطالما خلت ليلة من دعوة وكنا في رمضان حتى لقد دعينا في ليلة واحدة الى ثلاث دعوات واضطررنا الى إجابتها.

لقد دعانا المرحوم الملك فيصل الى الإفطار على مائدته، ووجه إلي السؤال الآتي: هل من مصلحة بلد كالعراق ان يكثر من التعليم العالي، ولو أدى ذلك الى كثرة العاطلين من المتعلمين، أو ان يقتصر فيه على قدر ما تحتاجه الحكومة من موظفين(...).

ولمست في العراق الانقسام بين الشيعة والسنة، وقد زرت النجف وكربلاء وغيرهما، وهي حصون الشيعة، وصادف ذلك أيام العزاء وذكرى مقتل الإمام علي بن ابي طالب، ورأينا العامة في كربلاء يضربون صدورهم ضربا مبرحا حتى ليدموا أجسامهم حزنا على الإمام، ومنهم من يضربون أنفسهم بالسيف، ومنهم من يضربون ظهورهم بسلاسل من حديد، والنساء يولولن على نحو ما كان معروفا من عمل الشيعة في العراق الى عهد قريب.

وقد أسفت لهذه المناظر وحملت مسؤولية ما يحصل في هذا الباب للعلماء الشيعة، وفيهم فضلاء أجلاء مسموعو الكلمة يمكنهم ان يبطلوا هذا كله بكلمة منهم، ولكن لا أدري لماذا لا يفعلون(...). وكان يوما، يوم زرنا «سر من رأى» (سامراء)، اذ شاء الله ان نكون «سييء من رأى».

ذلك اننا اعتزمنا زيارة هذه المدينة وقيل لنا ان المسافة بين بغداد وسامراء نحو ساعتين، فقررنا ان نزورها ثم نعود ونتناول الإفطار على مائدة قنصل مصر في العراق، ولكن ساء سير السيارات فلم نصلها الا قبيل الغروب وأبرقنا إلى قنصل مصر ان يجعل إفطارنا سحورا، ومررنا في الطريق على قنوات معطلة، وأرض زراعية فسيحة مخربة، وآثار عمران عظيمة مهدمة، وعبرنا نهر دجلة إلى «سامرا» ورأيناها وأطلالها القديمة، وشاهدنا جامع المعتصم فيها، وقد بني على نمطه جامع ابن طولون في مصر، وخاصة منارته، وشاهدنا بعض آثارها الباقية.

ولما حاولنا الرجوع وقد اظلم الليل قيل أن ذلك مستحيل، لأن الطريق غير مأمون فألححنا على رئيس البلدية فقبل وأرسل معنا سيارة مسلحة. وحدث أن أراد طالب معنا أن يعبر الجسر المقام على دجلة، فسقط بين المركبين، فبعثت من أنقذه وكانت الدنيا شتاء والبرد قارسا، فأخرجناه والحمد الله سليما، وغيرنا له ملابسه المبلولة، وأشعلنا له نارا تدفئه، وعلى هذه الحال انتهت الحادثة.

وكنا كلما سرنا مسافة، ارتطمت سيارة في الوحل فتعطلنا حتى ننقذها ونصلحها. وسمعنا في الطريق أن لصوصا قد سطوا على قوم يمرون أمامنا، فداخلنا الرعب، ووصل الجنرال إلى بغداد بأن السطو قد حدث علينا نحن في الطريق. فخرج مدير شرطة بغداد ببعض الجنود لاستطلاع الخبر وإنجادنا، فلقيناهم في الطريق، ولم نصل إلى بغداد إلا بعد الفجر، وفاتنا الفطور والسحور، وكان يوما خالد الذكر في حياتنا لا ننساه، لما رأينا من بلواه.

ويوما، قررنا السفر إلى الموصل، ووصلنا إلى كركوك وبتنا فيها ورأينا منابع البترول وكيف تحفر الآبار، وعاقنا المطر الغزير عن متابعة السير إلى الموصل فعدنا من كركوك إلى بغداد وودعنا أهلها وأخذنا الطريق إلى تدمر فجبنا خلالها ورأينا قبورها وآثارها، ووقفنا على أطلالها ولفت أنظارنا جمال أهلها، وذكرنا الزباء وما قال العرب والافرنج عنها، وبتنا فيها ليلة ثم انتقلنا إلى دمشق ومنها إلى بيروت مخترقين جبال لبنان العالية وحولنا الثلج وعدنا إلى مصر سالمين.

وقد انطبعت، من جراء ذلك، في نفوسنا صور شتى من صور العالم العربي- فلسطين وسوريا والعراق ولبنان ـ كلها بلاد تتقارب في الحياة الاجتماعية، وتقف على درجات من سلم واحد. فكلها تتوزع مزايا الشرق وعيوبه. هذه مصر تتقدم الجميع في مظاهر المدينة والحضارة والثورة.

وهذا لبنان يمتاز بجد أهله ونشاطهم وثقافتهم وتقدم المرأة عندهم، وهذه الشام تمتاز بالنشاط والنجاح التجاري الذي عرف فيهم من عهد الآراميين، وهذا العراق يشعر بثقل الدين القديم فينهض أهله وخاصة شبانه بتأسيس نهضة جديدة تستغل فيها موارد البلاد وتتخذ بعد ذلك أساسا للنهضة العلمية والاقتصادية.

وكل البلاد مصيبة بالبطء الحكومي في تصريف الشؤون وضعف الابتكار، والحاجة إلى الأجنبي النزيه في رسم الخطط للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. وكلها مصيبة في نظام الحكم وعدم رعاية حقوق الشعب وقلة شعور الشعب بحقوقه وواجباته وإن اختلفت درجاتها في ذلك، ولكل أمة من هؤلاء مشاكلها.

فمشكلة لبنان انقسام أهله إلى مسلمين ومسيحيين واختلاف نزعاتهم بين ميل إلى فرنسا وكره لها. ومشكلة القدس الخلاف بين زعمائه وأحزابه على الغلبة والرئاسة، مع أن الصهيونية تنخر في عظامهم. ومشكلة العراق تقسم أهله بين سنة وشيعة وبدو وحضر. وهكذا رأيت كل هذه المناظر واختزنتها في نفسي وفي تفكيري (...).

وهنا على سبيل المثال، لا بد من التوقف عند حال العراق حيث من الواضح أن الخلاف بين السنية والشيعة في هذا البلد قد جر عليه كثيرا من المصائب والمحن، وبذل جهود ضاعت فيما لا يفيد، لو صرفت في خير الأمة وتقدمها، بقطع النظر عن سني وشيعي، لعادت على أهلها بالخير العميم.

ولئن كانت الخصومة بين أصحاب علي وأصحاب معاوية في زمنهما أو بعد زمنهما، معقولة، فإنها لم تعد معقولة الآن، إذ ليس هناك اليوم نزاع على خلافة ولا إمامة وإنما هو نزاع على أيهم أفضل: أبو بكر وعمر أم علي؟

وهذه لا يبت فيها إلا الله. ومن السخافة أن نضيع أوقاتنا في مثل هذا الكلام، وكل العقلاء متفقون على أن كلا من الرجال الثلاثة له فضله ومزاياه، والله وحده هو الذي يتولى مكافأتهم على أعمالهم، ويزنهم بالميزان الصحيح ويقدرهم التقدير الحق، وما عدا ذلك فالخلاف بين السنة والشيعة كالخلاف بين حنفي وشافعي ومالكي، لا يستدعي شيئا من الخصومة. ولكن، بالتأكيد، أفسد الناس ضيق العقل وعواطف العامة ومصالح بعض رجال الدين وصبغ المسائل السياسية بالصبغة الدينية.

وأذكر هنا أيضا أنني حين لاح لا من الذات في أول وصولنا إلى مكان أخضر بعد أن جف ريقنا من منظر الصحراء، عبرنا جسرا على نحو ما كان في عهد الرشيد والمأمون سفن ضم بعضها إلى بعض فكانت جسرا، لنصل الأنبار التي يقال لها اليوم الفلوجة وكم نبع من الأنبار هذه نوابغ في العلم والأدب يلقب كل منهم بالأنباري، وظللنا نسير فيما بين دجلة والفرات أكثر من ساعة في أرض طيبة خصبة.

ولكنها مهملة مهجورة تنتظر اليد العاملة والرؤوس المفكرة والأموال المدبرة حتى وصلنا بغداد، وقارنت بين بغداد الرشيد والمأمون وبغداد العهد الحاضر، وخصب العراق ومزارعه في الماضي والحاضر، فحزنت ولم استطع أن أكتم حزني فكنت قليل الذوق في أول حفلة أقيمت لنا عقب وصولنا، إذ طلب مني الكلام فتكلمت داعيا إلى أن ينهض أهل العراق فيستغلوا كنوز الذهب في ديارهم والمياه المتدفقة في أراضيهم ولم أكن في هذا الحديث لبقا (...)