المفكر الإسلامي دكتور أحمد هيكل وزير الثقافة وعميد كلية دار العلوم السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف صاحب رؤية واعية لما يحاك للمسلمين من مؤامرات. وفي حواره لـ «البيان» يوضح الدكتور هيكل معنى الثقافة وأهم روافدها، وخطأ المجتمع العربي في فهمها. كما تحدث عن واجب المثقف العربي تجاه مجتمعه في زمن الحرب والسلم، وعدم مخالفة ضميره وبيع القضية الإسلامية والعربية من أجل عرض زائل، دراهم معدودات.

كما يشرح الدكتور هيكل الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية العظيمة، وكيف تخلف المسلمون عن هذه الأسس فأودى بهم الشيطان في خضم التشتت والضعف وتآمر عليهم العدوان من كل جانب، من الداخل والخارج!!. وفيما يلي نص الحوار:

* ما هو مفهوم الثقافة لدى مثقف كبير ووزير سابق للثقافة؟

ـ الثقافة رقي.. رقي العلم بالفكر والمعرفة والخبرة.. ورقي الوجدان في الوقت نفسه بالإيمان والفن الرفيع والعادات والتقاليد القويمة والموروثات البناءة النافعة، على وجه يحقق تقارب النظرة بين المواطنين. وصحة النظرة تعني سلامة الحكم على الأشياء، على وجه يعصم من التردي في الخطأ. كما أن التقارب في النظرة بين المواطنين يحمي من التفرق والتشتت والتمزق.

وكل ذلك يصنع إنساناً سوياً.. ومجتمعاً متلاحماً متماسكاً قوياً.

وأهم الروافد التي تحقق هذه الثقافة المعارف الصحيحة والتجارب الصائبة والخبرات الجيدة وهذه الروافد هي روافد رقي الفكر.. أما روافد سمو الوجدان فأهمها الدين في جوهره والقيم الأخلاقية الرفيعة والفنون والآداب الراقية، ولا يمكن ـ عندي ـ أن تتم ثقافة صحيحة إلا بتكامل هذه الروافد جميعاً لكي يتحقق بهذا التكامل رقي الفكر وسمو الوجدان.

وفي رأيي أن كثيراً من السلبيات التي يعاني منها مجتمعنا أساسها فهم الثقافة على أنها مرادف للتعليم، أو أنها مرادفة للفن، في حين أن الثقافة ليست التعليم وحده، كما أنها ليست الفن فحسب، فليس كل متعلم مثقفاً، كما أن ليس كل فنان مثقفاً. ومن هنا وجب أن نفهم الثقافة على وجهها الصحيح أولاً، ثم نعمل على تحقيقها بوسائلها وروافدها الصحيحة.

* الحياد.. سلبية

* في مثل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها المنطقة، ترى ما هو دور المثقف في زمن الحرب أو زمن المحنة؟

ـ المثقفون متلزمون ما داموا مثقفين على وجه صحيح، والالتزام يفرض على المثقف أن يكون صاحب موقف، وأن يكون هذا الموقف من جانب الحق. فلا يستطيع المثقف الحقيقي أن يكون محايداً في مثل ظروف المنطقة الآن واعتداء أميركا وبريطانيا اليومي على شعب العراق.. فالحياد في مثل هذا الموقف أمر سلبي، معيب ومن أولى لا يمكن أن ينحاز المثقف إلى جانب الباطل لأن هذا الموقف أمر سلبي، وليس سلبياً فقط، وإنما هو موقف بالغ السقوط.

فإذا سلمنا بهذا كان واجب المثقف المتلزم المنحاز إلى الحق أن يناصر هذا الحق وأن يجاهد بقلمه ولسانه كما يجاهد الجنود بأسلحتهم.

فالمثقف العربي في زمن الحرب يجب أن يجاهد بتوظيف فكره وثقافته في نصرة الحق الذي وقف إلى جانبه، وهذه المناصرة تتنوع ميادينها ما بين تنوير الجماهير وإقناعهم بالموقف الصواب، وتعرية الباطل أمامهم حتى لا ينخدعوا به. وهذا يقتضي أيضاً عدم المجاملة في هذا الحق، لأن الموقف الشجاع يقتضي المجابهة والنضالية التي تصل إلى حد الاستبسال لأنها مسألة نضال وكفاح وحرب. وكل ذلك يقتضي بالتالي تجنب كل المذهبيات والشعارات والانتماءات إلى الشرق والمبادئ والصدق الذي يجب أن يكون انتصاراً للحق.

وهكذا لا ينبغي على المثقف العربي أن يقف موقفاً يخالف الضمير لأنه يريد أن يجامل حزباً معيناً أو يحقق معارضة قد تنفع في أيام السلم والعمل السياسي العادي، أما في أيام الحرب والمواقف المصيرية فينبغي ألا يعلو صوت على صوت الحق والمبدأ والالتزام الوطني أو القومي.

* الحرية.. قيمة إسلامية

* برأيك.. لماذا وصلت الأمة الإسلامية إلى كل هذا الضعف والاستسلام والتخاذل؟!

ـ وصلت الأمة الإسلامية إلى ذلك بسبب فقدانها الأسس التي قامت عليها حضارتها.

وأول هذه الأسس الحرية، فالحضارة الإسلامية هي أول حضارة منحت الإنسان حريته الكاملة وعلى قمتها الحرية العقيدية. أما الحضارات الأخرى، فلا أدل على معاملتها لمن يخالفها في العقيدة مما حدث في البلقان من مجازر وفي مناطق أخرى كثيرة، والتي لم يكن وراءها سوى رغبة بعض المتعصبين المجرمين أن يفرضوا دينهم على المسلمين الموحدين.

بل إن الحرية التي أقرتها الحضارة الإسلامية في المعتقد تعدتها إلى منحها للارقاء أنفسهم لينعموا بهذه النعمة التي يمنحها الله للإنسان فتعددت وسائل الإعلام لتخليص الأرقاء مما هم فيه خاصة وقد كانت المجتمعات في ذلك الوقت تعتمد نظام الرق كنظام اجتماعي، فجعل القرآن الكريم تحرير الرقاب وسيلة من وسائل التقرب إلى الله، واتقاء عذابه.

* المساواة

أما ثاني هذه الأسس، فهي المساواة.. المساواة بين الناس مهما اختلفت أعراقهم أو ألوانهم وطبقاتهم، كل هذه الفوارق أذابها الإسلام وساوى بين الناس، حيث يقول تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».

ومن هنا كانت التقوى هي المقياس والميزان.

أما السنة النبوية فقد قالت: «الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى». كما أن الممارسات التي مارسها الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» كلها مساواة بين الناس ورفض كل تفرقة أو مذلة، فعندما قال أحد الصحابة لآخر: «يا ابن السوداء» غضب «صلى الله عليه وسلم» غضباً شديداً، وقال له: «إنك امرؤ فيك جاهلية.. ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل.. يا فلان كادت تلفحك النار» أو كما قال «صلى الله عليه وسلم».

هذه المساواة التي أقرها الإسلام لم تنتبه إلى أهميتها الأمم إلا بعد ثلاثة عشر قرناً من الزمان ونصف القرن، فأصدرت الأمم المتحدة وثيقة حقوق الإنسان.

* العدالة

وثالث هذه الأسس العدالة المطلقة: فكل الأمم تفرق بين الناس في الوقوف أمام العدالة إلا الإسلام. وحسبنا في الإسلام أن نذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»، فكل الناس أمام القضاء سواء.. بل ليسوا سواء في الحكم فقط بل في كل شيء.

والمتأمل في وصية سيدنا عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري وهو يتجه إلى تولي قضاء اليمن لا يجد سموا ولا رقياً مثل ذلك، حيث يقول له: «ساوي بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع قوي من حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك». على عكس ذلك كانت القوانين الرومانية تفرق بين السادة والعبيد وفي انجلترا كان للحاكم قانون وللرعية قانون آخر. كذلك كان الحال في مصر القديمة.

* الشورى

أما الأساس الرابع من أسس الحضارة الإسلامية، فهو الشورى.. فالإسلام من أول يوم لا يعترف بحكم الفرد وتسلطه، سواء في أسرته أو عمله أو وزارته أو دولته، فلا بد أن يكون مبدأ الشورى قائماً، وقد وصف القرآن المسلمين بقوله: «وأمرهم شورى بينهم» وخاطب الرسول الكريم قائلاً: «وشاورهم في الأمر».

* تكافل

خامس هذه المبادئ هو التكافل الاجتماعي، فلم يترك الإسلام الأفراد يعيشون كل على هواه، لكنه حمل المسلمين على أن يتكاملوا وهدد بلهيب جهنم كل من تفوح قدر «أواني» بيته برائحة الطعام ويشمه جاره الجائع وهو يعلم، ورسولنا الكريم يضع أساس هذا المبدأ في قوله:«من كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له، ومن كان عنده فضل بعير فليعد به على من لا بعير له..». ويقول راوي الحديث ظل الرسول يذكر الأشياء حتى ظننا أننا لن نملك شيئاً بعد اليوم.

وقد أفتى بعض الفقهاء بأنه إذا مات شخص جوعان فإثمه على البلد الذي يعيش فيه كله.

ترى لو طبق هذا المبدأ بين المسلمين فهل كنا نجد جوعى في الصومال والسودان وتشاد مثلاً، يتضورون جوعاً وغيرها من مناطق المسلمين يملك أطنان الذهب ويموت من التخمة. القاعدة أن يكون المسلمون كالأواني المستطرقة يفيض بعضها على بعض بقدر ما تزيد.

* العلم

الأساس السادس الذي تقوم عليه الحضارة الإسلامية هو إجلال العلم، فأكثر ملوك أوروبا كانوا لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، والمسلمون يفتحون الأندلس. لكن الإسلام بدأ بالأمر بالقراءة في قوله تعالى «إقرأ» ثم ذكر أدوات ووسائل التعليم وهي القلم. ورفع هذا الدين شأن العلم كما لم يرفع من قبل ولا من بعد. ففي بدر كان تعليم عشرة مسلمين القراءة والكتابة يكفي ليخلص الأسير نفسه من الأسر.

كما كان الرسول «صلى الله عليه وسلم» يحث الصحابة على طلب العلم فيقول: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، والصين كانت أبعد مكان معروف في ذلك الوقت.

وقال: «مداد العلماء كدماء الشهداء»، وقال تعالى: «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون».

* احترام المرأة

الأساس السابع: احترام المرأة «فقد احترم الإسلام المرأة احتراماً غير مسبوق ولو تصورنا أحوالها قبل الإسلام لوجدناها مزرية، تعامل كالبهائم والمتاع، يتوارثها الأبناء عن الآباء. فكانت عند الرومان رجساً من عمل الشيطان، وعند العرب عار، وهو ما حكاه القرآن الكريم في قوله: «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون».

وعندما جاء الإسلام جعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وكل امرأة أم أو صالحة للأمومة وقرن الإحسان إليها بعبادة الله، وكثير من الآيات والأحاديث النبوية تحث على احترام الوالدين بشكل غير مسبوق.

كما أن الإسلام أقر للمرأة ذمتها المالية وحرية التملك والتصرف مساوية للرجل في حين أنها لا تزال في أميركا حتى الآن تحصل على نصف أجر الرجل، وفي أوروبا ليس لها حق البيع ولا بد أن يكون هناك رجل مسؤول عن بيعها وشرائها، في حين أن المرأة الريفية في بلادنا تبيع وتشتري وتتملك.

* السلام

الأساس الثامن هو تقديس السلام، الناس يظنون أن حياة المسلمين كانت حروباً ودينهم يدعو إلى الحرب، ولا يدركون أن الأساس في الإسلام هو السلام والآيات كثيرة في ذلك منها «والله يدعو إلى دار السلام» بل إن تحية المسلمين «السلام عليكم».

لكن إذا فرضت علينا الحرب فلا بد من الجهاد وتقديم النفس رخيصة للدفاع عن ديننا وأعراضنا لقوله تعالى «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير» في الوقت نفسه إذا جنح الأعداء للسلم فلا بد أن نستجيب لهم لقوله تعالى «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله» لذلك نجد أن كل بلد وصل إليه الإسلام ترك لأهله حق الاختيار بين الإسلام أو دينه القديم.

حوار : محمد الشرقاوي