خلال إقامته التي دامت فترة في عاصمة الخلافة العثمانية اسطنبول، عند أواسط القرن التاسع عشر، قيض للكاتب الفرنسي ثيوفيل غوتييه أن يحضر الاحتفالات الصاخبة والزاهية بحلول عيد الفطر، وهو يحدثنا هنا في هذه الصفحات عن بعض ما شاهده يومذاك وبهره مع أنه كان قد اعتاد زهو الشرق وسحره ومشاهده الجميلة، كما يقول.

انتهى شهر رمضان، ومن دون أن يسعى المرء إلى الانتقاص من إخلاص المسلمين لصيامهم، يمكنه أن يقول ان انتهاء الصيام يستقبل هنا في اسطنبول برضاء تام، وذلك لأن الصيام متعب في نهاية الأمر، على رغم الكرنفالات الليلية الممتعة التي تقام للمناسبة، إذن، انتهى رمضان.. ولمناسبة انتهائه، ها هو كل تركي يجدد في خزانته ثيابه بحيث لا يعود ثمة ما هو أجمل من مشاهدة الطرقات مزدانة بالثياب الجديدة، ذات الألوان الحية المشرقة المطعمة بالتطريز المتألق، بديلاً من تلك البقع التي تملأ ثياب الأيام العادية بألوانها الكتومة التي تبدو لي في لوحات ديكان، أجمل كثيراً مما هي في حقيقته أمرها، في العيد يرتدي كل مسلم أزهى ثيابه وأثمنها:

ويروح الأزرق والوردي والأخضر الفستقي والأصفر الفاقع، يلمع كلها من كل ناحية، في مثل هذه الحال، يبدو الموسلين أكثر نظافة والبابوج متحرراً من الوحول والغبار: تبدو حاضرة الإسلام كلها وكأنها تبرجت في زينتها العامة من أعلى رأسها الى أخمص أقدامها، فإذا ما حدث هنا لمسافر أن وصل إلى اسطنبول على متن مركب بخاري، ليعود ويتركها في اليوم التالي، لن يحمل عن هذه المدينة سوى انطباع مختلف كلياًّ عن أي انطباع يبقى لديه عنها، بعد رحلة طويلة يقوم بها إلى هنا، ستبدو له حديثة السلاطين أكثر تركية بكثير مما هي في الواقع.

في الشوارع والأزقة يتجول، أول أيام العيد، بطبلهم وزمرهم، موسيقيون كانوا قد تجوّلوا طوال ليالي رمضان في أحياء المدينة يطبّلون ويزمّرون تحت نوافذ البيوت الفنية منبّهين لحلول وقت السحور، وهنا في النهار، حين يطول مكوثهم عازفين إلى درجة تلفت انتباه سكان البيوت الغنية، تمتد من داخل البيت يدٌ ترمي شالاً أو حزاماً أو أي شيء من هذا القبيل، تتلقفه يد الموسيقي أو معاونه لتربطه إلى عصا حملت لهذه الغاية وباتت الآن محملة بهذا النوع من الهدايا..

إنها المكافأة التي يراد بها الاعتراف بالجهد الذي بذله الآلاتية الذي يكونون عادة من الدراويش المتمرنين طوال الليالي الرمضانية، الحقيقة أن هذا النوع من العطاء يُفضل هنا على إعطاء بقشيش من فرش أو بارة، كلما مر موسيقي.

عيد الفطر في اسطنبول هو احتفال يشبه الاحتفالات الاجتماعية والعائلية التي تعرفها في اسبانيا، وفي هذه المناسبة يتدفق على قصر الباديشاه (السلطان) كل أعيان البلد، وقد أتوا ليلقوا التحية والتبريكات على العاهل، والحقيقة أن روعة الحياة التركية كلها تلوح هنا بكل رونقها..

لأن المناسبة واحدة من أفضل المناسبات التي يمكن لأجنبي أن يدرس فيها بتأمل وإعجاب، كل ذلك الترف الذي يكون عادة مخفياًّ خلف أسوار السرايا الغامضة ولكن المشكلة أنه ليس من الهولة بمكان للأجنبي أن يشارك في تلك الاحتفالية، اللهم إلا إذا قيض له أن يكون في عداد موظفي وأركان سفارة ما، والحقيقة أن مفوضية سردينيا في المدينة أحبت أن تقدم لي هذه الخدمة.

وهكذا عند الثالثة صباحاً راح واحد من القواصين يخبط بمقبض سيفه على باب الفندق الذي أنزل فيه، وكنت قد استيقظت قبل ذلك وارتديت ثيابي وبت مستعداًّ للذهاب معه، وهكذا نزلت بكل سرعة لنسير معاً في شوارع صاعدة في منطقة بيرا، موقظين في طريقنا مجموعات الكلاب التي كانت نائمة.. واجتزنا في طريقنا أيضاً صفوف من الجمال حملت بالغنائم والبضائع وكانت من ثقل الحركة بحيث بالكاد تمكنا من المرور بينها.

على الطريق كان جميلاً منظر ذلك اللون الزهري الآتي من أعلى البيوت الخشبية الملونة المنتشرة على جانبي الطريق (...) إن لا شيء في اسطنبول أجمل من ساعات الفجر الأولى حيث ينعكس الضوء الطالع فوق السطوح، المهم أنه كان علينا أن نصطحب معنا بعض الأشخاص في طريقنا، والغريب أن البعض كانوا على أتم الأهبة.. وهكذا تجمعت عصابتنا الصغيرة في نهاية الأمر.

ونزلنا معاً الى حيث كان مركب السفارة في انتظارنا، هنا، وعلى الرغم أن الوقت كان لا يزال باكراً جداًّ، لاحظنا مدى الزحام والحيوية في القرن الذهبي، حيث كل السفن كانت مزينة وتعبق بألف لون ولون وتضيئها مصابيح باهرة..

وكان هناك أسطول بكامله من سفن من هذا النوع، ذلك أن الوزراء والباشاوات والأعيان كانوا يصلون تباعاً اثنين من قصورهم الصيفية متوجهين إلى سراي ـ بورنو، وكانت الطيور المألوفة في المكان تبدو مدهوشة أمام هذه الحركة غير المعتادة اذ راحت تحلق وتدور دون هوادة مطلقة صيحات بدت لنا استغرابية، وقد بدت وكأنها تطرد بأجنحتها آخر بقايا الضباب الذي كان لا يزال مخيماً على الجو.

وعلى هذا النحو تحركت ليصل عدد كبير من المراكب في الوقت نفسه تقريباً الى سلم الكشك الأخضر أمام رصيف السراي.. ولم يكن من السهل علينا وسط ذلك الزحام أن نصل الى الشاطئ حيث كان السياس يمسكون بأحصنة رائعة تنتظر أصحابها، وبما أننا كنا قد وصلنا مبكرين رحنا نحتسي القهوة وندخن الغلايين في الكشك الأخضر وهو عبارة عن جناح عتيق مبني على الطراز التركي..

لكنه بدا لنا فاقداً لروعته القديمة إذ لم يعد يستخدم اليوم إلا كمقر للحرس(...) والحال أن الكشك كان في ذلك اليوم مكاناً غريباً للتجمع وقد وصله شتى أنواع البشر من أوروبيين وآسيويين وأتراك، إضافة إلى قواصي السفارات بثيابهم الزاهية، والجنود المرتدين أنظف ثيابهم.. فيما تنم سمرة وجوههم وحدها عن أنهم مسلمون.

في نهاية الأمر فتحت أبواب السرايا، وعبرنا ممرات مزروعة بأجمل الأشجار والنباتات، فيها أكشاك صغيرة بنيت على الطريقة الصينية، إضافة إلى أبراج مرتفعة تذكر إلى حد ما بالذوق الانجليزي ـ مزيج من الحدائق والقصور والقلاع ـ ، وبعد ذلك وصلنا إلى فناء حولت كنيسته القديمة إلى مخزن للأسلحة والى جانبه بيت صغير فيه نوافذ عديدة، بدا واضحاً أنها خضعت للسفراء وفيها يمكن للجالس أن يشاهد الاستعراض الذي سيمر.

ولقد بدأ الاحتفال بطقس ديني، حيث أن السلطان مصحوباً بأعيان الإمبراطورية ذهب من فوره لأداء صلاة العيد في آياصوفيا.. عميد مساجد اسطنبول، كانت الساعة قد بلغت السادسة تقريباً.. وبدا أن طول الانتظار بدأ يغضب جميع الحاضرين الذين راحوا يطلون برؤوسهم ليروا ما اذا كان يحدث شيئاً ما في مكان ما، وفجأة ساد صوت موسيقى تعزف مارشاً عسكرياًّ كنه دوينزيتي، رئيس موسيقيي السلطان، وركض الجنود إلى أسلحتهم وهم يشكلون في الأصل جزءاً من الحرس الامبريالي بسراويلهم البيضاء وستراتهم الحمراء.

وإذ وصل السلطان من قصره الصيفي ليتوجه مباشرة إلى آياصوفيا، ظهر وراءه أولاً الصدر الأعظم، ثم السير عسكر والقبطان باشا ينبعهم شتى الوزراء والأعيان والضباط، وهم إذ عادوا جميعاً بعد دقائق وقد أدوا الصلاة، صار في وسع الاحتفال أن يبدأ، وكان واضحاً أنه احتفال ضخم لكنه من النوع المعتاد في المناسبات العامة، أما بالنسبة إلى العيد فإنه بالنسبة إلى السلطات الرسمية، انتهى مع الصلاة التي أداها السلطان ولم يبق منه سوى التبريكات والتحيات خلال الأيام التالية.