تعتبر المكتبة الظاهرية في دمشق أقدم مكتبة في سوريا ومن أعرق المكتبات العالمية بما تضم من كنوز التراث العربي من كتب ومخطوطات قيمة ونادرة. وقد بنيت المكتبة تنفيذاً لوصية الظاهر بيبرس حيث قام ابنه الذي كان يدعى الملك السعيد ببنائها لتكون مدرسة لتلقي الفقه الإسلامي وداراً لتعليم الحديث الشريف.
كما ألحق بها خزانة كتب كبيرة خدمة للتدريس وتنفيذاً للوصية أيضاً. أتم الملك بناء الدار عام (677ه-1257) وبدئ بالتدريس فيها قبل اكتمال البناء ثم نقل إليها جثمان الملك الظاهر من قلعة دمشق ليدفن بجواره ـ فيما بعد ـ ابنه الملك السعيد واكتسبت الدار اسم الظاهرية لذلك.
تعرضت دمشق بعد ذلك التاريخ لنكبات كبيرة كان أشدها ضراوة وتخريباً الزحف المغولي الذي ألقى بظلاله الهمجية على المكتبات والمساجد والقصور والحدائق فأتت النيران على خزائن الكتب بما فيها من ثمرات الحضارة وعرفت هذه النكبة بنكبة تيمورلنك عام 1383م ويقول ياسر عيون في دراسة نشرت مؤخراً بالمجلة الوطنية للمعلومات بعد انتهاء تلك المحنة جمع ما بقي من كتب ومجلدات من خزائن المدارس والمساجد المتفرقة ليضاف إلى ما بقي في الظاهرية واستمر التدريس فيها حتى أواخر القرن الثالث عشر الهجري.
وفي عام 1882 تحولت الظاهرية إلى مدرسة ابتدائية رسمية تتبع نظام التعليم المستحدث آنذاك.
بعد ذلك دخلت الظاهرية طوراً جديداً من حياتها حيث قام الشيخ «طاهر الجزائري» مدير معارف سوريا وتضامناً مع عدد كبير من علماء دمشق بتقديم شكوى إلى رئيس «الجمعية الخيرية» الشيخ «علاء الدين بن عابدين» لينقلها بدوره إلى الوالي تتحدث هذه الشكوى من ضياع الكثير من كتب الأوقاف في المساجد والمدارس والجدير بالذكر أن هذه الشكوى كتبت بتأييد من الوالي المتنور «مدحت باشا».
أما الجمعية الخيرية فكانت قد أنشئت عام 1878م لخدمة المعارف وتشييد المدارس في دمشق إضافة إلى مهمة البحث عن الكتب والمخطوطات وبناء على هذه الشكوى تم البدء بجمع الكتب الوقفية وتحولت الجمعية الخيرية إلى «مجلس معارف» حتى يتسنى لها متابعة عملية الجمع.
بعد ذلك قام مجلس المعارف بتقديم شكوى إلى الوالي الجديد «حمدي باشا» مفادها أن الكتب التي جمعت لم تعد لخدمة العموم فقد حرم الناس من الاطلاع عليها وحصرت بأيدي المتولين فقط واقترح المجلس على الوالي وضع الكتب الوقفية جميعها في خزانة خاصة والسماح للعامة الاطلاع عليها والإفادة منها.
ثم أصدر الوالي أوامره بإنشاء المكتبة حيث وضعت الكتب في حجرة رصعت جدرانها بأنواع الرخام وزينت بمشجرات من الفسيفساء على أجمل تمثيل، يعود بناء هذه الحجرة الى عام 1257م أي عام بناء الدار نفسها.
وقد اتخذت المكتبة اسماً لها «المكتبة العمومية» ووضعت تحت إشراف مجلس المعارف وسمي بـ «جمعية المكتبة العمومية» وكان ذلك في عام 1880م وقد جمعت المكتبة من عشر مكتبات وقفية كانت موزعة في أنحاء مدينة دمشق وهي:
* المكتبة العمرية: في عام «551هـ - 1161م» وصلت أول قافلة مهاجرة من القدس إلى دمشق هرباً من الفرنجة الصليبيين فبنوا لهم داراً في قاسيون ثم شرعوا في بناء مدرسة في الجبل أنشأها الشيخ أبو عمر «محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي» وإليه نسبت، درس فيها القرآن والفقه واجتمعت لها مكتبة عظيمة بلغ مجموع ما أخذ منها (416) مجلداً.
* مكتبة «سليمان باشا»: وقد أوقفها سليمان العظم أحد الولاة في دمشق عام (1196هـ - 1776م) في مدرسته الواقعة في محلة باب البريد أخذ من المكتبة (127) مجلداً فقط.
* مكتبة الملا «عثمان الكردي»: وكان مقرها المدرسة السليمانية وكانت تدعى لهذا بالمكتبة السليمانية نقل منها (313) مجلداً.
* المكتبة المرادية: أخذت اسم المدرسة التي أوجدت فيها وهي مدرسة الشيخ «مراد الحسيني النقشبندي» نقل منها «276 مجلدا».
* المكتبة السميساطية «الشميصاطية»: وهي مكتبة كانت قد أوقت حديثاً على أيدي بعض أصحاب الخير مقرها المدرسة الشميصاطية الملاصقة لجامع بني أمية من الجهة الشمالية «موقعها في الخانقاه السميساطية» ويقال ان هذه الدار كانت لعمر بن عبدالعزيز الخليفة الأموي فابتاعها أبو القاسم «علي بن محمد السميساطي» سنة (340هـ - 921م) ولهذا أخذت اسمه نقل منها 87 مجلداً فقط.
* المكتبة السياغوشية: ومقرها مدرسة «سياغوش باشا» في حي الشاغور وحي المسجد المعروف اليوم في محلة الشاغور البراني وكان شياغوش باشا وزيرا نقل من هذه المكتبة أحد عشر كتاباً فقط.
* مكتبة الخياطين: وهي مكتبة أوقفها الوزير «أسعد باشا العظم» عام (165هـ - 1745م) أودعها في مدرسة والده مخطوطاً وإسماعيل العظم هو أول من أسندت إليه ولاية دمشق من آل العظم عام 1137هـ - 1717م.
* مكتبة الأوقاف: جمعت هذه المكتبة من بعض المساجد ووضعت في ديوان المعارف حفظاً لهاتميزت هذه المكتبة بقدم كتبها وأهميتها أخذ منها 67 مجلداً.
* مكتبة بيت الخطابة: كانت هذه المكتبة خاصة بالجامع الأموي موضوعة في حجرة بيت الخطابة لم يؤخذ منها سوى 71 مجلداً وترك الباقي طعاماً لحريق عام 1893م وتلك هي النواة الأولى للمكتبة الظاهرية ومع ذلك لو أتيح للجنة جمعية المكتبة العمومية أن تحصل على ما كان في المكتبات العشر المذكورة لتألقت دون ريب ـ من جملتها مكتبة ثمينة جداً ناهيك عن عشرات بل مئات الكتب الأخرى التي كانت معارة بين أيدي الناس ولم ترد إضافة إلى ما تم إخفاؤه من المشرفين على المكتبات عندما بدأت اللجنة مباشرة أعمالها.
موقع المكتبة: توجد المكتبة الظاهرية في منطقة دمشق القديمة بين بابي البريد والفراديس قرب الجامع الأموي حيث حباها هذا الموقع ـ إضافة إلى بنائها الأثري ـ سحراً خاصاً تميزت به الظاهرية عن جميع مثيلاتها وجعلها في وقت من الأوقات المكتبة العامة الوحيدة في مدينة دمشق ودار الكتب الوطنية تحتوي المكتبة على ثلاث قاعات مطالعة موزعة على النحو التالي:
1 ـ قاعة الأمير مصطفى الشهابي: وهي قاعة مطالعة حرة وتستخدم أيضاً للإعارة الداخلية في المكتبة وتتسع لـ 150 مطالعاً.
2 ـ قاعة الشيخ طاهر الجزائري: تحتوي على الكتب المتعلقة بموضوعات الدين الإسلامي والأدب العربي ضمن رفوف مفتوحة تتسع القاعة لـ 70 مطالعاً، قاعة خليل مردم للباحثين وتتسع لـ 40 مطالعاً فقط ورفوف الكتب فيها مفتوحة أيضاً وهي تقع ضمن بناء المدرسة العادلية تجاه الظاهرية تماماً.
* أقسام المكتبة الظاهرية:
قسم المخطوطات: يضم هذا القسم مجموعة كبيرة جداً من روائع مخطوطات التراث العربي الإسلامي وفي شتى فروع المعرفة إلا أن هذه المخطوطات قد نقلت الى مكتبة الأسد الوطنية لحفظها بالشروط العلمية السليمة وصيانتها والعناية بها تتفاوت تواريخ هذه المخطوطات وتمتد حتى القرن الثالث الهجري وأقدم المخطوطات كتاب مسائل الإمام أحمد بن حنبل نسخ عام 266ه.
تقدم المكتبة خدمات الإعارة للمخطوطات عن طريق نسخ مصورة عنها وضعت في مستودع خاص «مخزن صور المخطوطات» في بناء المدرسة العادلية وقامت المكتبة بإعداد فهارس خاصة لمخطوطاتها تتنوع هذه الفهارس بين وصفية وموضعية تضاف اليها المعلومات الخاصة بالمخطوط مثل : نوع الورق، نوع الخط، الى جانب البيانات البيليوغرافية الأخرى ومن الجدير بالذكر ان مجمع اللغة العربية أصدر حتى الآن أكثر من 25 فهرساً مطبوعاً لمخطوطات المكتبة الظاهرية في الفقه والأدب والشعر والحديث والطب والفلسفة..الخ.
كان أولها: فهرس مخطوطات دار الكتب الوطنية: التاريخ وملحقاته/ وضع يوسف العش.
قسم المطبوعات: يحتوي هذا القسم على اكثرمن 000,75 كتاب مطبوع تعالج المعارف والعلوم جميعها ويضم القسم مجموعة كبيرة من الكتب النادرة وهي الكتب القيمة الطباعة وهي من الأهمية ما يجعلها تحاذي المخطوطات وهذا ما جعل المكتبة تقوم بعملة جرد وفرز لهذه الكتب ووضعها في مستودع خاص يرجع أقدم هذه الكتب المطبوعة الى عام 1476 أي بعد اختراع الطباعة بنحو ثلاثين عاماً فقط، وهو كتاب «القانون في الطب» لابن سينا الذي طبع في روما ويقع في 856 صفحة من القطع الكبيرة.
أما بقية الكتب والمراجع فقد وضعت في مستودعها مرتبة وفق خطة تصنيف خاصة بها أعدها الدكتور المرحوم يوسف العش قسم الموضوعات إلى أربعة عشر موضوعاً أساسياً اخذ كل موضوع مجموعة من الأرقام وفق ما احتاجه في التقسيمات الفرعية لتلك الموضوعات وذلك على النحو التالي:
ـ الإعارة:
ويقدم هذا القسم خدمات الإعارة المباشرة لرواد المكتبة يومياً ضمن ساعات الدوام الرسمي وقامت المكتبة بإعداد الفهارس المتنوعة لتسهيل الاستفادة من المراجع بالعنوان والمؤلف والموضوع ويبلغ عدد الكتب 171 ألف كتاب و95 ألف مجلد، إضافة الى عشرات الآلاف من المخطوطات النادرة.
قسم الدوريات: بلغ عدة عناوين الدوريات في المكتبة نحو 10 آلاف عنوان نصفها تقريباً باللغة العربية والنصف الآخر باللغات الأجنبية ولكن ما يميز هذه الدوريات انها ـ في أغلبها ـ قديمة ومتوقفة عن الصدور.
خصصت المكتبة لهذا القسم مستودعين أحدهما للمجلات العربية في بناء المدارس العادلية والآخر للمجلات الأجنبية ضمن دار الكتب الظاهرية.
زود القسم بفهارس للدوريات على شكل ملفات تخصص هذه الملفات لكل دورية ورقة خاصة تذكر فيها المعلومات الأساسية عنها مثل: رقم العدد، عنوان الدورية، السنة، ويلحق بقسم الدوريات قسم الصحف والمجلات القديمة منها والحديثة رتبت هذه الصحف ترتيباً هجائياً بالعنوان ضمن خزائن حفظ خاصة بها.
* قسم التصوير:
زود هذا القسم بأجهزة التصوير والاستنساخ حيث يقوم على خدمة الباحثين والقرار بتصوير صفحات من الكتاب أو صورة المخطوط أو المجلة وفق النظام المتبع من إملاء استمارة طلب تصوير ودفع رسوم رمزية كما زود القسم بجهاز ميكروفيلم حفظت المكتب من مخطوطاتها ـ عن طريقه ـ على مصغرات فلمية كعامل أمان للمخطوطة أو الكتاب وخدمة إضافية للقاريء.

