عندما تزور شاطئ خورفكان لابد أن تتوقف عند المنظر الساحر الذي يعطي المكان بهجة وجمالا خاصا، والزائر لخورفكان قد لا يعرف الكثير عن مناطقها الأخرى، وهكذا كانت زيارتنا الأولى لمنطقة اللؤلؤية الجميلة التي لم نعرفها في السابق، فقد وصلنا شارع الشاطئ وانتظرنا دليلنا لنبدأ رحلة جديدة مع المكان وأهله، وقد جاء عبدالله راشد محمد الخوري ليأخذنا نحو المنطقة بتفاصيلها وحكاياتها وآثارها الماضية.
ومنطقة اللؤلؤية هي إحدى مناطق الشارقة التي تتصل مباشرة بخورفكان وتقع بعد شارع الشاطئ، وقد كانت محطتنا الأولى مجلس الخوري ليحدثنا أبو راشد عن سر تسميته بالخوري وعن علاقته بالمكان فيقول:
كان أبونا من سكان خورفكان يعيش فيها مع أهله، وعندما توفي جدي انتقلت به والدته إلى منطقة الولية فصاروا يسمونه الخوري نسبة إلى خورفكان وانتقل اللقب إلينا من بعده، واصل اسم منطقة اللؤلؤية «الولية» وهي تأتي من كلمة «ولاية» لأن فيها زرع وتمر ونخيل وصار الناس يخففون الاسم فيقولون «الولية» وقد أسماها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة «اللؤلؤية» وأصبح هذا هو الاسم الرسمي لها.
* أيام في الراحة
ويتحدث أبو راشد عن معيشة الناس قائلاً: «نحن لحقنا على العيشة المريحة» فقد كان الناس أصحاب زراعة وبحر وماشية، وكان أجدادنا يذهبون إلى الغوص ويصيدون الأسماك، ويسافرون إلى الهند للتجارة، فيأخذون التمر ويجلبون الخشب والبهارات من الهند، ويأتون ب«الكاز» من عبادان أما التمر الزاهدي والخضراوي والرز العنبر فيشترونه من البصرة.
وكانت العائلة الكبيرة تعيش معاً في بيت صغير، والمساكن موزعة على فرقان، وبعضها مبني على شكل غرف من الطين مسقوفة بجذوع النخل، حيث يضعون الدعن ثم ليف النخل ثم الطين مع «التبن» وفي جبل «الدورة» يصنعون الجص، إذ يأخذون الطين ويشوونه على النار، وكذلك يعملون أقراص «التول» وهو مثل الطابوق، طين يقطعونه ويجففونه ثم يبنون به البيوت. وكانت هناك بيوت وهي الغالبية مبنية على شكل عرشان من السعف فالنخلة كريمة ولم تقصر معنا».
ويتحدث أبو راشد عن الزراعة فيقول «كنا نزرع القمح والشعير والدخن والفندال والبصل واللومي والثوم والزنجبيل والبامية والباذنجان وحتى البهارات العطرية، ماعدا الهيل، كانت تزرع هنا بسبب وفرة المياه، وكنا نسقي باليازرة ونحفر طوي للماء الحلو، وكان التجار يأتون من الهند ومن كل مكان إلى المنطقة وهي ميناء للسفن في الماضي، ونحن لم نزرع الغليون أو نبيعه لهؤلاء التجار لكن أجدادنا زرعوا القطن، وكان النداف القديم يندف القطن بالعصا».
وحول تجربته الشخصية مع الحياة يقول «تحملت المسؤولية في وقت مبكر وقد سافرت إلى الكويت وعمري أربعة عشر عاماً وبقيت فيها خمس سنوات وذهبت إلى البصرة، ومنها سرت عبر شط العرب بالعبرة إلى إيران ثم وصلنا إلى بحر قزوين وفي الماضي حتى لو كنا فقراء كان هناك شعور بعزة الحياة والناس تتميز بأعمالها وأنسابها ولا يوجد تفضيل حسب الغنى والفقر.
* نقش الحناء
ويتحدث الخوري عن العرس في الماضي قائلاً: كان المعرس يصبغ كندورته بورس وكانت المرحومة شيخة تنقش الحناء للعروس باستخدام «حبة عسو» للنقش وتضع الآس والورد بالشعر، ويبقى المعرس مع العروس في بيت والدها أسبوعاً كاملاً، ثم يذهب معها إلى أهله، فيزفونهم بدف وطبول، ويجهز له عريش ليقيم فيه مع زوجته.
وكانت العروس لا ترى المعرس قبل الزواج وجهازها يكون «بكشة» فيها كندورتين وغدفتين نيل وسروالين، وكان قماش الكندورة اسمه «أبو تيله» أو «أبو طيور» و«الغذفة» أي «الوقاية»، «أبو دكة» أو «غذفة نيل» والنعال «كوش مال أول» وكانت المرأة تعمل في بيتها وتساعد زوجها وتطبخ طعاماً للحيوانات في فخارة تضع فيها الحشيش مع القصب والتمر والقاشع لتحصل منها على الحليب الجيد، وكان طعام الناس صحياً ليس فيه مواد كيميائية.
وكانوا يأكلون السمك أو الدجاج أو العيش والخبيص والهريس ويطبخون الفندال ولا يشترون خضروات من السوق فكلها موجودة في البساتين ويتطببون بالأعشاب مثل السراوة والصخبر واليعدة وعرق الظفرة والحرمل والعيدولي يجبر الكسور، وكانت جدتي وأمي رحمهما الله مهتمتان بالعلاج، إذ يصنعن من «الحلبة ولب الصبار وأظفرة واليزع وشعر الغنم والسدر والكركم، خلطة لجبر الكسور، ويسقون المكسور الحليب مع السراو.
ويتحدث أبو راشد عن أسماء مناطق وجبال اللؤلؤية قائلاً: «تبدأ المنطقة من جبل الدورة أو طريق العقة على الجهة الشرقية ثم جبل الحدادية لأنه حاد وجبل العويد وجبل شقير وشعبة البدي وشعبة الصرمة، وكان فيها نخل، والمنكب وطوي الحورة في وسط البلاد وطوي الحدادية كانوا يوردون عليها الأغنام وطوي حساين وطوي صرفانة وطوي غافلة».
كما توجد في المنطقة بيوت وحصون قديمة لكنها انتهت وبقيت قلاع صغيرة في الجبال، وكنا نطرش نحو الشارقة على ركاب ويستغرق الطريف ستة أيام، وكانت الطرق مخيفة والناس تسافر جماعة، حيث يبيعون الغنم والبقر والفندال والدهن والعسل، وكان الطريق عبر الجبال.
حيث نعبر مدحاء ثم النحوة ثم جانب شيص ثم نصل دفته ثم مسافي وبعدها وادي سيجي ثم فلج المعلا ثم نعبر طوي راشد ثم عجمان حتى ندخل الشارقة وما يبقى من بضاعتنا نبيعه في دبي، وقد سافرت بهذه الطريقة مرة واحدة وكانت أرجلنا تغوص بالرمل ونربط عليها أقمشة لكي لا تتأذى من الرمل والصخور، وأول سيارات شاهدناها كانت سيارات الجيش.
وحين نسافر بالسيارة لا نذهب مباشرة إلى الشارقة فلايوجد طريق إليها، لذا نذهب إلى عمان عن طريق منطقة أسود تم البريمي وبعدها نعود إلى الشارقة وقد كانت أياماً صعبة لكنها جميلة، وكان سائق السيارة لا يخرج إلا ومعه معاون يساعده في الطريق وتكون عدة التصليح معه ليصلح السيارة في حال توقفها خرجنا مع الخوري لنرى المنطقة القديمة وهي منطقة بساتين تدل على حياة ثرية بالعمل والكفاح وقد كانت البيوت الطينية موجودة بين البساتين.
وفي مزرعة أبي راشد التقينا جاره وصاحبه عبيد علي عبدالله الناعور ليكتمل حديث الماضي معه حيث قال «كان عملنا في المزارع «نخل وضواحي» وعيشتنا الأولية من مالنا وكدنا ومن لا يتملك شيئاً يزرع في أرض صاحبه ويقتسم معه الأرباح، وكان الناس يأتون من الشارقة ليقيظوا معنا في موسم الرطب ويتساعدون في المعيشة وأنواع الرطب تبدأ الموسم بالصلاني ثم جش حميد ثم النغال وأم السلة والمينازي وأحسن الرطب الشهلة وأم السلة والشبروت، والخصاب والجبري أو المكتوم يتم حتى آخر النخل.
ويتحدث الناعور عن رمضان في الماضي قائلاً: «كنا نراقب الهلال وكذلك يأتينا الخبر من كلباء وكان المرحوم علي عبدالرحمن يصلي بالناس الجمعة، وجاءنا المطوع سيف بن خلف وأنشأ مدرسة للصغار علمهم القرآن، ثم جاء المرحوم المطوع علي الناخي.
وكان لدينا مسجدان أحدهما اسمه الداخل والآخر الخارج وهو الأقدم، وكان الناس يتعاونون في بناء المسجد، وكل واحد يعمل ما يستطيع ليشارك في البناء، وكنا قبل رمضان ندخر التمر والبر والعيش لافطار رمضان حيث نفطر رباعة ونجلس أمام المسجد للفطور ونصلي التراويح ونتعشى، وكنا نعرف السحور على نجم سهيل عندما يرتفع على جبل الدورة وكان المؤذن يؤذن للسحور ويؤذن لصلاة الفجر.
ونحن نصوم بالشوف ونفطر بالعد، وفي العيد نسوي هريس وخبز وعصيد وعرسية ونجتمع ونرزف معا أمام بيت الوالي سالم بن عبدالله بن سالم وثاني يوم العيد ندعوا أبناء قرية الزبارة وهم جيراننا فيأتوننا باحتفال ونلاقيهم شرق البلاد ونذهب معهم إلى بيت الوالي، وعندما يأتي الرجال من وادي الحراي «ينقعون تفكش فنستعد ونمشي لاستقبالهم بالرزيف والتفك ويتقهووا ويتغدوا عندنا ونقضي أيام العيد في أفراح وتهاني».
يبدو ماضي اللؤلؤية زاخراً بالعمل والفرح والكثير من التقدير للحياة، غادرنا المكان الجميل شاكرين حسن استقبال أهله الذين لم يبخلوا بمعرفتهم عن المكان والحياة هنا.
استطلاع: دلال جويد

