استعادة الثقة بين العالم الإسلامي والغرب أمر لا يأتي تلقائيا، أو بقرارات تصدر هنا أو هناك، أو من خلال مؤتمرات تصدر عنها توصيات بذلك. فهناك عوامل نفسية لها دورها الذي لا يجوز تجاهله» فالمواطنون في الغرب يشعرون ـ سواء كان هذا الشعور وهما أو حقيقة ـ بأنهم مهددون من جانب المسلمين، على الرغم من التفوق الغربي في جميع المجالات تقريبا والمسلمون بدورهم يشعرون أيضا بالخوف من الاغتراب الثقافي، وبجروح نفسية عميقة ترجع إلى عصور من تجارب القهر والإذلال من جانب البلدان الغربية.
ومعالجة ذلك في حاجة إلى تفهم كل جانب لمشاعر الطرف الآخر، والتحلي بالصبر والهدوء، وعقلنة هذه المشاعر، والتمسك بالموضوعية في الحوار. حول هذه القضية المهمة، يقدم لنا الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف، كتابه الجديد: «إعادة بناء الثقة بين العالم الإسلامي والغربي».
في البداية يتحدث المؤلف عن شروط بناء الثقة مشيراً إلى أمور مهمة عدة في هذه الشأن:
الأمر الأول: الاعتراف بالآخر، والتعامل معه على أساس من الندية والمساواة، ويعد ذلك شرطا أساسيا لا يمكن التخلي عنه على الإطلاق، فالبديل لذلك هو إلغاء الآخر واعتبار أن وجوده مثل العدم سواء بسواء، وبالتالي لا يكون هناك طرفان يعترف كل منهما بالآخر، بل يكون هناك طرف واحد يأمر فيطاع أمره، ويملى إرادته كما يشاء دون السماح بأي اعتراض.
الأمر الثاني:
الاحترام المتبادل لأنه لا يكفي إطلاقا مجرد الاعتراف بالآخر، بل يجب ـ إذا أريد أن يكون هناك حد أدنى من الثقة بين الجانبين ـ أن يكون هناك احترام متبادل بينهما، وهذا يعني أن على كل طرف أن يحترم الآخر، أي يحترم ثقافته ودينه وعاداته وتقاليده وخصوصياته الحضارية، وبصفة عامة يحترم حقوقه الإنسانية.
الأمر الثالث: الحوار بين الجانبين .. ويعد الحوار بين الأطراف المعنية نتيجة طبيعية للاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل بينهما والحوار من شأنه أن يهيئ الفرصة لتعرف كل جانب على الطرف الآخر وتفهم مواقفه وظروفه وحضارته وعقيدته وخصوصياته الحضارية، ومن جانب آخر يساعد هذا الحوار على إزالة الكثير من سوء الفهم والأحكام المسبقة والأفكار الخاطئة لدى كل طرف عن الطرف الآخر.
الأمر الرابع: التسامح مع الآخر.. والحوار بين الجانبين يترتب عليه هذه التسامح، الذي يتيح الفرصة للتبادل الثقافي، والفهم المشترك ، والتعايش الايجابي.
الأمر الخامس: هو التعاون المشترك، ولا شك أن توافر المناخ المشار إليه يجعل السبيل ممهدا أمام بناء الثقة بين الجانبين ودعم واضح للتعاون بينهما، وهذا من شأنه أن يوسع آفاق هذا التعاون ليشمل ليس فقط ما يتعلق بالجانبين المعنيين، بل يتعدى ذلك إلى دوائر أوسع تشمل التعاون على إرساء دعائم السلام والاستقرار للعالم كله الذي هو عالمنا جميعا.
ويتساءل المؤلف : هل كانت هناك ثقة أصلا بين العالم الإسلامي والغرب؟ ، ويجيب على هذا السؤال مؤكدا أن هناك بالفعل ثقة كانت قائمة ـ على الأقل في التصور الإسلامي ـ وكانت تركز على أسس متينة دينيا وثقافيا.
أما من الناحية الدينية: فان الإسلام ـ كما هو معروف ـ يطلب من المسلمين بكل صراحة ووضوح الاعتراف بكل الأديان السماوية السابقة، ولا يجوز للمسلمين بناء على ذلك ان يفرقوا بين الأنبياء مثل : موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام.. والقرآن يطلب من أتباع هذه الأديان المختلفة الابتعاد عن كل ما يجلب الشقاق والنزاع، وضرورة التركيز على التنافس المثمر في مجال الخيرات.
أما من الناحية الثقافية.. فانه عند التأمل الدقيق للتاريخ نستطيع أن نتبين بوضوح أن الحضارتين الأوروبية والإسلامية في نشأتهما وتطورهما لم يكونا في يوم من الأيام شيئين منفصلين تماما، فقد قامت كل منهما على أساس من التفاعل الثقافي المثمر وظلتا من خلاله تتميزان بالحيوية، وكانتا من اجل ذلك قادرتين رغم كل الحروب التي دارت بينهما على البحث عن السلام والبحث في الوقت نفسه أيضا عن الحماية الفعالة لذاتيتهما.
فمن المعروف أن المسلمين قد اهتموا منذ البداية بالحضارات الأخرى اليونانية والفارسية والهندية، ودرسوا بصفة خاصة المؤلفات الفلسفية والعملية اليونانية التي ترجموها إلى اللغة العربية وأثروها بتعليقات هامة، ومن خلال البحث المستقل في كل ما تعرفوا عليه من ثقافات استطاعوا أن يضيفوا أفكار أو تصورات جديدة وان تكون لهم ثقافتهم وفلسفتهم الخاصة بهم.
وأوروبا من جانبها قامت خلال القرون الثلاثة الأولى من الألفية الثانية بترجمة مؤلفات العلماء والفلاسفة العرب إلى اللغة اللاتينية، ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن أوروبا قد تعرفت لأول مرة على الفلسفة اليونانية عن طريق المؤلفات العربية.
وتحت عنوان : «أسباب ضياع الثقة بين العالم الإسلامي والغرب» يرى المؤلف أننا لا نستطيع أن نقول إن هذه الثقة قد انهارت تماماً بين الجانبين ولم يعد لها وجود، ولكننا لا ننكر أنها قد اهتزت بصورة واضحة.. ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة تعود في بعضها إلى أسباب تاريخية قديمة، ويرجع بعضها الآخر إلى ظروف وعوامل حديثة.. ومن أهم هذه الأسباب والعوامل:
* الفتح العربي للأندلس: على الرغم من أن هذا الفتح قد جاء معه بتأثيرات حضارية بالغة الأهمية لأوروبا ساعدتها في مسيرتها في الانتقال من العصر الوسيط إلى عصر النهضة والعصر الحديث.
* الحروب الصليبية وما صاحبها من تخريب وتقتيل ونهب وسلب.
* الغزو العثماني للبلقان وحصار العاصمة النمساوية فيينا.
* الغزو الاستعماري لبلاد العالم الإسلامي في العصر الحديث من جانب كل من انجلترا وفرنسا على وجه الخصوص وبعض البلاد الأوروبية الأخرى.
* الوعد الانجليزي لليهود عام 1917 بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين على حساب سكانها الفلسطينيين الذي لا يزالون مشردين في مختلف الدول العالم ومحرومين من ابسط حقوق الإنسان.
* التحيز التام لإسرائيل في صراعها مع العرب بصفة عامة، والفلسطينيين بصفة خاصة منذ 1948 وحتى الآن.
وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن «معوقات استعادة بناء الثقة بين العالم الإسلامي والغرب موضحاً أن الطريق لاستعادة الثقة بين الجانبين ليس طريقا مفروشا بالورود والرياحين، فهناك عقبات حقيقية تعرقل جهود استعادة الثقة، ومن أهم هذه العقبات:
ـ صورة العدو المتبادلة: لا جدال في أن هذه الصورة السلبية المتبادلة كانت موجودة دائما بدرجات متفاوتة منذ أن بدأت الصراعات المسلحة بين الجانبين، ولكنها مع ذلك لم تكن أبدا بهذا الحجم الذي وصلت إليه اليوم في عصر ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية مما جعل نشر هذه الصورة السلبية على نطاق واسع أمرا ليس له مثيل في أي عصر من عصور التاريخ.
ـ التنبؤ بصراع الحضارات : وتأكيدا ودعما لصورة العدو المتبادلة راجت منذ العقد الأخير من القرن الماضي دعوى صدام الحضارات، وتنبأ هنتغتون بالصدام بين الحضارتين الإسلامية والغربية، وهذا يعني أن إمكانية الصدام الحضاري تفوق إمكانية الحوار، وان الصدام لا محالة قادم ويجب الاستعداد له بكل الوسائل، ويذكرنا تنبؤ هنتغتون بما ذهب إليه الفيلسوف الانجليزي «توماس هوبز» من ان الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان، وان الكل في حرب ضد الكل، وبذلك يضع هنتنغتون مزيدا من الزيت على النار لإشعال مزيداً من الكراهية والتوجس والخوف من الإسلام في العالم الغربي.
ـ التجاهل وعدم الاكتراث على الجانب الغربي : يتعلق هذا التجاهل بالأحداث المتلاحقة في العالم الإسلامي بصفة خاصة، والأسباب التي تحققت وراء حدوثها والجهود التي يجب أن تبذل لمواجهتها.. ونتائج هذا التجاهل تتمثل في المواقف الخاطئة وسوء الفهم لعالمنا الذي كان يفترض أن يكون عالما جديدا وجذابا، ولكنه في حقيقة الأمر صار عالما مرعبا ومخيفا وذلك بالنسبة لضحاياه على كل حال..
لقد كان من نتيجة هذا التجاهل وعدم الاكتراث من الجانب الغربي لتلك الإبادة الجماعية التي حدثت للمسلمين في البوسنة في العقد الماضي، وما يحدث الآن في فلسطين من قتل وتشريد وتدمير للبشر والمنازل والمزارع والأشجار وكل وسائل الحياة تحت بصر وسمع العالم.
القاهرة ـ: مصطفى علي محمود
