تميزت دبي منذ القدم بأنها وطن الجميع . فقد عاشت بين جنباتها جميع الأديان والفرق الدينية تمارس شعائرها في يسر وهدوء. بالإضافة إلى ذلك عاشت في دبي طوائف أخرى منتمية لديانات وضعية كالبوذية والهندوسية في سلام ويسر. وقد سمح لها بممارسة طقوسها الدينية وإقامة شعائرها بكل سماحة ودون تميز تمشيا مع عادات الإسلام السمحة والقائمة على قول الله عز وجل «لا اكراه في الدين».

كان الإسلام هو الدين السائد في دبي والإمارات جمعاء. وكانت المساجد منتشرة في جميع مناطق دبي وقد كان المسجد الجامع في بر دبي يمثل معلما من معالم هذه المدينة. وكانت صلاة الجمعة تقام فيه وتقوم العبرات في ذلك اليوم بنقل المصلين مجانا بين شطري دبي. لم يمنع الجو الإسلامي العام من تواجد جاليات غير مسلمة عاشت واعتبرت دبي لقرون وطنها الثاني.

من بدايات القرن التاسع عشر ازداد توافد الهنود والذي بلغ عددهم حوالي 52 شخصا. وفي البداية كانت أغلبية هؤلاء من الهندوس ولكن من بينهم عدد من المسلمين الخوجة (وهو اللقب الذي يطلق في الهند على المسلمين الشيعة) . ولكن مع تطور دبي بدأت أعداد كبيرة من الهندوس تفد إلى دبي. ومع توافد هؤلاء بدأت تظهر الحاجة إلى أماكن عبادة خاصة بهم وحرية ممارسة شعائرهم الدينية دون تدخل من أحد.

كانت دبي تدرك جيدا أهمية مساهمة هؤلاء الهنود في نمو دبي وفي عمليات التجارة كالتصدير والاستيراد والإقراض. ولذلك شجعت دبي ذلك التواجد الهندي كما شجعت على الدوام عملية التعايش السلمي بين الطوائف الدينية المختلفة. وعلى الرغم من أن الروايات التاريخية لا تذكر وجود معبد لهؤلاء الهنود في دبي ألا أن الوثائق البريطانية ذكرت وجود مكان محدد جعله الهنود معبدا لهم دون أن تتدخل السلطات السياسية بمنعه.

ومنذ أن تولى الشيخ راشد رحمه الله مقاليد الحكم في دبي أعطى أهمية كبيرة للحريات الدينية للطوائف غير المسلمة. وكثيرا ما قام الشيخ راشد بن سعيد بحضور المناسبات الدينية للطوائف الهندية مثلا ، فيذكر رجل الأعمال الهندي فيجاي باتيا، مثلا، زيارة قام بها الشيخ راشد لمنزلهم بمناسبة عيد الديوالي وتناول الطعام معهم. فيقول باتيا إن راشد عند زيارته لهم كان يأكل من مأكولاتهم الهندية التقليدية . كما كان راشد يعطي التعليمات لطهاته بإعداد وجبات طعام نباتية لهؤلاء الهنود عندما يزورونه في قصره.

وعلى الرغم من التوافد المسيحي على دبي والإمارات الأخرى قد بدأ منذ نهايات القرن التاسع عشر بغرض التنصير إلا أن توافد الجاليات المسيحية بغرض الاستقرار لم يبدأ إلا مع بدايات القرن العشرين . فمع نمو القطاع النفطي وتوافد الأوروبيين بدأت الحاجة تظهر لإنشاء كنائس مسيحية.

ففي عام 1966 تبرع راشد بقطعة أرض لإرسالية الروم الكاثوليك في دبي كما قام بنفسه بوضع حجر الأساس لما يعرف اليوم بكنيسة القديسة ماري ( سانت ماري) . وقد استمرت رعاية الدولة للطوائف المسيحية المختلفة. فبعد مرور أربع سنوات قام راشد بالتبرع بقطعة أرض أخرى لكنيسة البروتستانت قبل أن تفتتح كنيسة ثالثة هي كنسية الثالوث المقدس .

كان التسامح والحوار هو السائد في إمارة دبي كما كان ممثلا في مجلس الشيخ راشد. فعلى الرغم من أن تعدد الأديان والثقافات قد يخلق بعض التأزم في العلاقات بين البشر القاطنين في بقعة جغرافية واحدة ألا أن دبي ومنذ القدم ضربت أروع مثل على التعايش السلمي بين الأديان والثقافات المختلفة والخلفيات المختلفة. فقد بدأت بعض المجتمعات ومنها الخليجية، تواجه ومنذ منتصف القرن العشرين، بعض المشاكل والصراعات في تلك العلاقة القائمة بين الجاليات المختلفة التي تعيش بين جنباتها.

وكما ظهرت هذه القضايا في دول الخليج الأخرى ظهرت أيضا في دبي . ولكن دبي، التي لم تعرف يوما التعصب والعنف، واجهت تلك القضايا بحسم من دون أي تعصب أو مغالاة. فقد حرص راشد على توضيح حرص حكومته على توفير جو من الأمان والتسامح في جميع أنحاء الإمارة لكل القاطنين وأصحاب جميع الملل والأديان. كما حرص على تجنيب دبي كل المشاكل الخارجية وخاصة من تلك الدول التي أتت منها غالبية المهاجرين كالهند وباكستان مثلا، والتأكيد دوما بأن دبي وطن للجميع.

فقد شاب العلاقات بين الهنود والباكستانيين جو من التوتر سواء بعد تقسيم الهند أو أثناء الحرب في إقليم كشمير. وكادت هذه المشاكل السياسية أن تؤثر على ذلك الجو الودي الذي تعيشه الجاليات الوافدة من كلا البلدين في دبي . فما كان من راشد أن جمع قادة الجاليتين في عدة مناسبات وذلك في فترة الستينات والسبعينات للتحدث معهم .

وكان راشد يطلب منهم على الدوام أن ينسوا خلافاتهم وخلفياتهم الدينية والاثنية وأن يتذكروا بأن دبي وطن للجميع. وبينما أوضح راشد وبشكل صريح بأنه لن يسمح للمشاكل السياسية الخارجية أن تنعكس على الأوضاع في دبي طلب منهم أيضا أن ينحوا المشاكل جانبا لكي يعيشوا في سلام.

كان موقف الشيخ راشد كافيا لتذكير الجميع بأن دبي هي وطن لكل الأديان وأنهم ضيوف أعزاء على دبي ما داموا ملتزمين بجو التسامح والتعايش السلمي بين أفراد كافة الطوائف الدينية. وعلى الرغم من كرم وتسامح راشد إلا أنه لم يكن متهاونا في اتخاذ مواقف صارمة تجاه من تسول له نفسه العبث بجو التسامح الديني السائد في دبي.

على الرغم من كون الدين الاسلامي هو الدين السائد في دبي وعلى الرغم من كون أهالي دبي من المسلمين الملتزمين بدينهم، إلا أن أهالي دبي قد اعتادوا على معايشة غير المسلمين ومشاركتهم في مناسباتهم الدينية والاجتماعية ليس فقط كضرورة اقتصادية واجتماعية ولكن أيضا كنداء ديني. فالإسلام حث على الحوار والتعايش السلمي وعلى إبقاء علاقات الود متصلة مع كافة الأديان والملل . وقد ظهرت هذه الدعوة واضحة في دبي القديمة.

كانت أحياء دبي القديمة مقسمة إلى ثلاثة أحياء رئيسة. فإلى جانب الخور يقع حي البستكية وحي البحارنة. وعند مدخل الخور كانت تقع الشندغة وبها أحياء ومساكن لبني ياس . والى جانب هذه الأحياء برز حي البانيان وسوقهم المشهور «بسوق البانيان» فمع تطور دبي كانت أغلبية الهنود هم من الهندوس الذي جلبوا معهم إلى دبي جميع معالم حياتهم وثقافتهم ودينهم.

وكان لهؤلاء الهنود حرية ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية والتي تبرز في أعيادهم ومناسباتهم الدينية الأخرى. وبما أن البساطة كانت معلما من معالم الحياة الاجتماعية فقد كان من الطبيعي أن تشارك هذه الطوائف بعضها البعض في أعيادها ومناسباتها الدينية والاجتماعية. فكما كان المسلمون يحترمون الهنود وشعائرهم كانت الفئة الأخيرة تحترم شعائر المسلمين وتجاملهم خاصة في شهر رمضان.

ومع تطور دبي، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين وبدء أعداد غفيرة من غير المسلمين تفد إلى دبي التي يجدون فيها وطنا ثانيا وملاذا آمنا. فقد أمنت دولة الإمارات بشكل عام حرية الأديان وهكذا أصبحت الإمارات عموما ودبي بشكل خاص، ملاذا آمنا لكل الأديان والطوائف.

وللدلالة على حسن تعاليم الإسلام ويسره قامت حكومة دبي بالمساعدة في التعريف بحقيقة الدين الاسلامي في وجه موجة التطرف والعنف التي شهدتها بعض مناطق العالم الاسلامي خاصة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وعندما تم ربط الإسلام بالعنف والتطرف والإرهاب.

فقد تم إنشاء مركز في دبي هدفه التعريف بتعاليم الإسلام السمحة وشرح ما يتعسر على غير المسلم فهمه. وهكذا قام هذا المركز منذ إنشائه قبل خمسة أعوام بدور هام في التعريف بحقيقة الإسلام المعاصر الذي ينبذ العنف والتطرف والمغالاة ويدعو للتعايش مع الآخر.

أن جو التسامح والتعايش السلمي السائد حاليا في دبي ما هو الا ثمرة خيرة من الثمرات التي زرعها رواد الإمارات الأوائل الذين آمنوا منذ البداية بتعاليم الإسلام السمحة وبرؤية عصرية لدبي قائمة على التعايش السلمي بين كافة الطوائف والملل. وبهذه الرؤية استطاعت دبي تجنب الكثير من المصاعب التي تواجه العديد من الدول والشعوب اليوم ألا وهي قضية التعايش السلمي في مجتمع متعدد الأعراق في جو يسوده الهدوء والسكينة.

ترصدها: د. فاطمة الصايغ