لم تتفق كلمة الأئمة على رأي واحد فيما يراد بالأحرف السبعة بل تعددت آراؤهم واختلفت مفاهيمهم فبلغت الأربعين قولاً منها ما هو ضعيف ومنها ما هو قوي ولكل وجهة هو موليها.
ورد في القاموس: الحرف من كل شيء طرفه وشفيره وحده ومن الجبل أعلاه. . «وعند النحاة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل». . «ومن الناس من يعبد الله على حرف» أي وجه واحد وهو أن يعبد الله على السراء لا الضراء أو على شك. وينسب هذا الرأي إلى الإمام أبي جعفر محمد بن سعدان النحوي أحد القراء فقد نقل عنه أنه قال:
إنه من المشكل الذي لا يدري معناه لأن العرب تسمي الكلمة المنظومة حرفاً وتسمي القصيدة بأسرها كلمة والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة والحرف أيضاً المعنى والجهة. والمراد به أنه ـ أي القرآن الكريم ـ قد أنزل على سبعة أحرف أي سبع قراءات وليس من الضروري أن تكون كل كلمة تقرأ على سبعة أوجه إذ هو من القلة القليلة مثال: (فلا تقل لهما أف) بل منها ما قرئ على وجهين ومنها ما قرئ على ثلاثة ومنها ما قرئ على سبعة.
المراد بالأحرف السبعة التيسير والتسهيل والسعة ولا حقيقة للعدد الذي هو بين الثمانية والستة ولا يراد بالسبعة إلا إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلق: السبعون في العشرات والسبعمئة في المئين ولا يراد به العدد المعين المذكور. وقد أخذ بهذا القول أئمة وفي مقدمتهم عياض. ورد هذا القول بصريح السنة الثابتة (أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف) وقد علم أن هذا النص ورد من عدة طرق.
المراد بها أوجه التغاير في القرآن الكريم قال به ابن قتيبة وهذه الأوجه هي ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته كما في قوله تعالى: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) قرئت بالمبني للفاعل «ولا يضارر» أي لا يحدث ضرراً لكتابته وشهادته ونسبت هذه القراءة إلى عمر وابن عباس وابن أبي إسحاق وقرئت بالمبني للمفعول «ولا يضارر» بفتح الراء الأولى أي يجوز إلحاق الضرر به من الغير ونسبت هذه القراءة إلى ابن مسعود.
ما يتغير فعلاً كما في (بعد وباعد) في الحركة والصورة والمعنى وهذا في قوله تعالى: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم) فكلمة باعد قرئت على أوجه: قرأ الجمهور (باعد) وقرأ ابن كثير وغيره بتشديد العين (بعد) وقرأ آخرون) (بعد) بالماضي. فباختلاف الصورة والحركة اختلف المعنى. قرأ غيرهم بتشديد العين المفتوحة (بعد). وعند ابن زنجلة في هذه الآية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فقالوا ربنا بعد) وقرأ الباقون (باعد) بالألف.
قال سيبوية: إن (فاعل وفعل) يجيئان بمعنى كقولهم (ضاعف وضعف وقارب وقرب) واللفظان جميعاً على معنى الطلب والدعاء ولفظهما الأمر ما يتغير باللفظ كما في ننشزها وقرئت ننشرها قال تعالى: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) قرأ الكوفيون وابن عامر بالزاي وقرأ الباقون بالراء. ومعناها بالزاي رفعها فوق بعضها البعض وبالراء الإحياء ولكل وجهة فيما ذهب وقال.
ومنها ما كان على سبيل التبديل الحرفي ذي المخرج القريب (الحاء والعين) ويبدو هذا في قوله تعالى: (وطلح منضود) ونسب إلى علي قراءة (وطلع منضود).
ما يتغير بالتقديم والتأخير كما في قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق) قرئت بالتقديم والتأخير (وجاءت سكرة الحق بالموت) ونسبت هذه القراءة إلى أبي بكر الصديق وابن مسعود رضي الله عنهما. ما يتغير زيادة ونقصاناً كما في قوله تعالى: (وما خلق الذكر والأنثى) وقرأ ابن مسعود (والذكر والأنثى).