أولاً لا بد أن يعرف المسلم بأخطار الشهرة بين الناس، لأن المشهور على خطر عظيم وعلى شفا تهلكة ماحلة ذكرت بعضها آنفاً، وعلى المعروف بين الناس بالصلاح والخير أن يبقى مراقباً قلبه ملاحظاً نفسه يعد خطرات قلبه واحدة واحدة، إذ ربما أودت خطرة واحدة إلى هلكته فخسر ما قدمه من عمل صالح، فإذا ما طرب من قول الناس:

عالم منفق شجاع تقي، دخل الشيطان عليه من أوسع الأبواب وتلاعب به تلاعباً أشد من فسق الفساق وعمل الأشرار، وعندئذ بدأ يطلب الدنيا بعمل الآخرة، لا من أجل الله بل من أجل أن يقال ويقال، ويحمد ويشكر وتذاع فضائله على الألسن وتفشو في الأفواه، ويقال له يوم القيامة: خذ ثوابك ممن أثنى عليك.

ومن ينازع في الحالة التي ذكرتها أن الخفاء أسلم للمؤمن وأحفظ لدينه وأحسن لعاقبته، بينما كان هلاكه وحتفه في شهرته.

وثانياً لابد أن يتعدد الدواء النبوي لكل حالة، فإننا لو كنا في وقت محنة وفتنة وهرج ومرج واقتتال لا يعرف الظالم من المظلوم ولا المحق من المبطل أيام عمياء وظلمة ظلماء وشدة وبلاء كنا في هذه الحالة أشد ما نكون بحاجة إلى هذا الدواء النبوي المبارك، فلا سلامة إلا بالاعتزال، ولا خير إلا في الخفاء، لأن الاشتراك في الفتنة إشعال لنا وإيقاد لنارها، فاحفظ عليك دينك بأن تعتزل هؤلاء وهؤلاء، فإنك لا تعرف المحق من المبطل واشتبهت عليك الأمور وأظلمت المعرفة.