جاء في الحديث القدسي «يقول الله تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم» قيل من أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: «أهل مجالس الذكر في المساجد». رواه أحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري.
يوم القيامة يوم شديد هوله، عظيم شأنه، يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، ولما كانت الدنيا دار خداع وغرور ولعب ولهو وكانت الآخرة دار إعطاء كل ذي حق حقه، فقد أخبر الحق جل وعلا أن هذا الجمع المحتشد المنتظر لفصل القضاء، ولا يعلم واحد منهم مصيره إلا بعد أن ينبأ بما قدم وأخر.
أخبر سبحانه وتعالى أن أهل هذا الموقف جميعاً سيعلمون علم اليقين. من الذين سيكونون أهلاً لإكرام الله عز وجل لهم، فكم من أناس كانوا في الدنيا مستترين وسيكونون في الآخرة من المعززين المكرمين. فإن لله عباداً لو أقسم أحدهم على الله لأبره. لأن الله جل وعلا لا ينظر إلى صورنا وأجسامنا ولكن ينظر إلى قلوبنا، وكم من قلوب بذكر الله عامرة «الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب».
إن الله سبحانه وتعالى بهذا القول الحق يوضح توضيحاً كاملاً بأن الذين يستحقون الإكرام في الآخرة هم الذين يذكرون الله تعالى في المساجد، وشهر رمضان شهر الذكر والشكر والسخاء والكرم، وربنا سبحانه أكرم الكرماء وأسخى الأسخياء، فطوبى لمن استغل شهر رمضان في ذكر الله تعالى وقراءة القرآن الكريم الذي هو أفضل عبادة لله عز وجل.
قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن».
وكم ورد في القرآن الكريم من آيات كريمات تحث العبد على كثرة الذكر قائماً كان أو قاعداً قال تعالى: «فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم» (النساء: 103)، بل إن الله تعالى أمرنا بذكره وشكره، فقال تعالى: «فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون» (البقرة:152).
وقال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرةً وأصيلاً» (الأحزاب: 41، 42) وأخبر سبحانه وتعالى بأن أهل الذكر هم أولو الألباب، فقال: «إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار» (آل عمران: 190، 191).
وكم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً من أحاديث تحثنا على كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى وتبين لنا فضل الذاكرين وثواب الشاكرين، ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله».
وقوله: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». ألا وإن ذكر الله تعالى شفاء للقلوب، وجلاء للكروب، وقوت للعالمين، ونور لأبصار العارفين، وهو أعظم الطاعات، وأفضل القربات، قال بعض الصالحين:
دخلنا على مريض نعوده فقلنا: كيف تجدك؟، فقال: بحمد الله ونعمته نفس مستبشرة بالموت، غير ممتنعة عنه، ثم بكى وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، إني لا آسف على الموت، ولكن آسف على فرقة ذكر الله عز وجل، ثم أنشد يقول:
وما أسفى أني أموت وإنما
على ذكر ربي في الدجا أتأسف
وقد قيل: إنه جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: إن الله تعالى يقول لك: أعطيت أمتك ما لم أعطه لأمة من الأمم، قال: وما ذاك يا جبريل؟ قال قوله تعالى: «فاذكروني أذكركم» ولم يقل هذا لغير هذه الأمة.
ومما ورد في فضل الذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وخاف من العدو أن يجاهده، وبخل بالمال أن ينفقه، فليكثر من ذكر ربه».
وما أجمل تصوير النبي صلى الله عليه وسلم للذاكرين وغير الذاكرين، حيث جعل الذاكرين كالأحياء، وغير الذاكرين كالأموات، فقال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». ومن الذكر ما هو عام، ومنه ما هو خاص، ولكل فائدة، أما الذكر العام فهو الذي يكون من جماعة يجتمعون في مكان ما على ذكر الله تعالى وطاعته.
وفائدة هذا النوع: إنه غالباً ما يكون بين هؤلاء الذاكرين من له بالله صلة قوية، تجعله مستجاب الدعوة، مقبول الرجاء، فتعم بركته جميع جلسائه، لأنه من القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم، وأما الذكر الخاص، فهو ما يقوم به الذاكر منفرداً حيث يذكر الله في غير جماعة، وفائدة هذا النوع: حضور القلب، والشعور بلذة المناجاة، والتلذذ بشدة التذلل، والضراعة لمن بيده مقاليد الأمور جل وعلا.
ومنه أيضاً ما هو جهري ومنه ما هو سري: يكون برفع الصوت بالذكر مع شدة الخشوع والتزام الأدب مع الله تعالى وفائدته: تشجيع الآخرين عليه، وتعليم الجاهلين به، وشغل الحاضرين عن الغيبة والنميمة.
وأما السِّري: فيقصد به الذكر بالقلب دون اللسان، وهو أرقى أنواع الذكر، وأسرع في الوصول بصاحبه إلى درجات اليقين، فياليتنا ننتهز فرصة حلول شهر الذكر والفكر شهر رمضان المعظم لنكثر فيه من ذكر الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبنا، وسراً وجهراً باللسان وبالقلب، حتى نحشر يوم القيامة مع الذاكرين.
عبدالعليم أبو ليلة