سبق التعريف من قبل بمؤسس هذه المجلة وهو العلامة إبراهيم اليازجي عندما كتبنا عن مطبوعته «البيان» ومع ذلك لا ضير من التذكير به مرة أخرى، خاصة لو كان من نوعية الرجال الذين يتبوأون مكانة كريمة في ذاكرة الصحافة العربية، فهو عالم بالأدب واللغة، تتحدر أسرته من مدينة حمص السورية، لكنه ولد ونشأ في بيروت، حرر جريدة النجاح عام 1872م، وتولى الإشراف على مجلة الطبيب، ثم سافر إلى مصر وأسس مجلة «البيان»، ثم أصدر مجلة «الضياء» موضوع كتابتنا.

كان من الطراز الأول من كتّاب عصره، عرّب كثيراً من المصطلحات، اصطنع حروف الطباعة في بيروت، حيث كانت الحروف المستعملة آنذاك هي حروف المغرب والأستانة، اتصف بجودة الخط والرسم والحفر عاش فقيراً يتكسب من قلمه، توفي بالقاهرة عام 1906م، بعدها نُقل إلى بيروت.

ومجلة «الضياء» نصف شهرية، علمية أدبية صحية، صدر العدد الأول منها بالقاهرة في 32 صفحة بتاريخ جمادى الأولى 1316ه/ 15 سبتمبر 1898م. وقد بدأت المجلة صفحاتها بفهرس اشتمل على أهم الموضوعات المزمع نشرها على مدار العام (1898 ـ 1899م).

تركزت افتتاحية العدد على نبذ آفة التعصب التي تفت في عضد أهل الشرق، كما تناولت الافتتاحية أهمية الإحساس بمسؤولية المعلومة المكتوبة والآراء المسطورة وتأثيرها على قارئ الصحف السيارة، لذلك نوهت المجلة إلى الكتّاب الذين لا يبذلون مجهوداً محترماً في تمحيص ما يكتبون وتنقية آرائهم من شوائب الهوى والانحراف.

أولى الموضوعات التي نشرت في هذا العدد كانت عن «حمام الزاجل» وتضمنت معلومات طريفة منها عدم صحة عبارة «الحمام الزاجل» وأن الوصف الأدق هو «الحمام المزجول». كما ورد أن تعويد الحمام على الأمكنة المرسل إليها يتم عبر تجويعه في المكان الأول وتوفير غذائه في المكان الآخر حتى يذهب إليه باحثاً عن طعامه وحاملاً للرسالة المنوط بها. كما أن العرب أول من استخدم «الحمام المزجول» في القرن الثاني للهجري، وجدير بالذكر أن الحكومة العثمانية أمرت بإبطال هذا الاستخدام، رغم شيوعه في البلاد غير التركية.

كذلك ورد مقال بعنوان «الاعتقاد العام في عدم الاستحمام مدة عام» انتقد بعنف اعتقاد الأمة بأن عدم استحمام الأطفال الرضع لمدة عام مجلبة للصحة ودرء للأمراض، الأمر الذي يعد من مفاسد العقل والاعتقاد التالف والخرافات الموبوءة.

وتحت عنوان «مطارحات» بعث أحد القراء أبيات نثرية بديعة في أسلوبها وصورها البلاغية للشاعر الفرنسي «لامارتين» في وصفه لغروب الشمس وطلوع القمر، ولقد رصدت المجلة جائزة لأفضل رسالة بيانية وهي عبارة عن نشر صورة المعرب أو الناقل للمقطوعات الأدبية الرفيعة.

وفي باب «أسئلة وأجوبتها» استفسر أحد القراء عن أصل معنى كلمة «شطْب» وسبب شيوعها في لغة الصحافة، وكانت الإجابة أن شطب الشيء هو شقه مستطيلاً، وأصل الاستعمال يتأتى من القول شطب السنام والأديم إذا شقه طولاً وهو ظاهر، ثم قيل من شطبه بالسيف شطب الكاتب على الكلمة أي إبطالها لعدم صحتها لغوياً أو معنى.

ثم تنهي المجلة صفحاتها بعدد من المقالات عن وسائل رفعة الوطن وانتشاله من الخمول والكسل عبر إنشاء المزيد من المدارس الصناعية، وكذلك عثرنا على فصل من باب «فكاهات» لرواية بعنوان «النجاة بعد اليأس» عربها عن الإنجليزية نسيب أفندي المشعلاني. عموماً المطلع على تفاصيل العدد الأول من مجلة الضياء سيكتشف أنه بصدد ترويح عن النفس، وغبطة المعرفة الخفيفة والطريفة وسعادة الشعور.

مجدي أبو زيد

بالتعاون مع مركز جمع الماجد للثقافة والتراث