ولد الشيخ الشعراوي في السادس عشر من أبريل عام 1911 ميلادية بقرية (دقادوس) مركز ميت غمر محافظة الدقهلية. وألحقه والده بكتاب الشيخ عبدالمجيد باشا حيث أتم حفظ القرآن وعمره أحد عشر عاماً.

ثم ألحقه بالمعهد الديني الابتدائي بالزقازيق سنة 1926.وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية الأزهرية التحق بالقسم الثانوي بمعهد الزقازيق، وحصل على الثانوية الأزهرية عام 1936 والتحق بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1937، وتخرج منها عام 1941 وحصل على إجازة التدريس عام 1943.

وبدأ حياته العملية مدرساً بمعهد طنطا الأزهري، ومنه انتقل للتدريس بمعهد الإسكندرية الأزهري ثم معهد الزقازيق..!

ثم عمل مدرساً للتفسير والحديث بكلية الشريعة جامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة عام 1951.. وفي عام 1960 تم تعيينه وكيلاً لمعهد طنطا الأزهري.. ثم تولى منصب مدير الدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف عام 1961. وفي عام 1962 عين مفتشاً عاماً للعلوم العربية بالأزهر. واختاره فضيلة الإمام الأكبر الشيخ حسن مأمون مديراً لمكتبه عام 1964.

ثم تولى رئاسة بعثة الأزهر بجمهورية الجزائر عام 1966 عقب حصولها على الاستقلال، وعاون الحكومة الجزائرية في التخلص من آثار الاحتلال الفرنسي بإشرافه على وضع مناهج دراسية جديدة باللغة العربية. وفي عام 1967 عاد إلى القاهرة ليعمل مرة أخرى مديراً لمكتب الإمام الأكبر الشيخ حسن مأمون. وفي عام 1970 عين أستاذاً زائراً بكلية الشريعة بجامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة ثم رئيساً للدراسات العليا بها حتى عام 1972..!

ظهر فضيلة الإمام الشعراوي على الرأي العام كداعية من الطراز الأول عام 1973 عندما قدمه الإذاعي الكبير أحمد فراج في برنامجه التلفزيوني الشهير (نور على نور)، ومن خلال هذا البرنامج عرفت مصر هذا الداعية، فاستمر ضيفا على هذا البرنامج سنوات، وانجذبت الأبصار والعقول من كافة المستويات إلى حديثه وشرحه وتحليله لقضايا الدين، ورأوا فيه لوناً جديداً يتمتع بقناعة كافية ويجتهد في التبسيط والتيسير والتفهيم، فلا يدع شيئاً عصياً على الفهم أو أبياً على الإدراك، فأفاد منه الصغير والكبير والعامل والجامعي، والرجل والمرأة، فروت منه النفوس واطمأنت على شاطئه..!

ثم اختاره السيد ممدوح سالم رئيس الوزراء عام 1976 ليكون وزيراً للأوقاف، وفي 26 أكتوبر سنة 1977 أعيد اختياره وزيراً للأوقاف ووزير الدولة لشؤون الأزهر في وزارة ممدوح سالم التي أعيد تشكيلها.. وقدم استقالته من مهام الوزارة في 15/10/1978 في الوزارة التي شكلها مصطفى خليل، وله تعليق على قصته مع الوزارة فيقول:

«.. ماذا فكروا في إنسان لا تربطهم به صلة ولا قرابة وهو بعيد عن أعينهم غريب عن أماكنهم، اللهم إلا أن يكونوا استعرضوا ذاكراتهم ليختاروه وينتخبوه، ولا يصنع ذلك إلا من يريد شيئاً من الإصلاح يأمل أن يجده عندي، والإسلام في مجالي لا يعني إلا منهج الله إعلاماً به، وتطبيعاً له، وهذا ما جعلني لا أتوانى عن قبول العرض لظني أن ذلك سيأتي بخير على قدر ما أؤمل لديني وبلادي، ولا شك أن السبب القوي الذي دفعهم لاختياري إنما كان نتيجة توفيق خلعه الله علي في مجالات الإعلام مما جعلهم يفسحون لي الصحف كتابة والتلفزيون رؤية وصوتاً وحاولت جاهداً أن أصنع شيئاً لديني وأمتي.

فلم يحرمني الله التوفيق في بعض المجالات، فقد طهرت الجهاز الذي يهيمن على الدعوة من كثير من أنواع الفساد، فلما سنحت الفرصة لتحقيق أملي، خرجت من الحكم..»!

ولم يكتف الشيخ محمد متولي الشعراوي بما قدمه مصرياً وعربياً، ففي ابريل عام 1977 زار مدينة (عمر أباد) بالهند.. وفي يوليو عام 1977 سافر إلى لندن لحضور مؤتمر الاقتصاد الدولي بالمركز الإسلامي الأوروبي،، وبعد انتهاء المؤتمر ألقى محاضرة استمع إليه فيها أكثر من عشرة آلاف مسلم، وتحدث فيها عن واجب المسلم المهاجر في المجتمع غير المسلم، وكيف يتعامل مع الظروف المحيطة به دون أن يتأثر بسلبياتها، ووزع فضيلة الشيخ الشعراوي كتيباً في المحاضرة يتناول أبرز المشكلات التي يتعرض لها المسلمون خارج ديار الإسلام مثل: تعدد الزوجات، والزواج من الكتابيات وتحريم لحم الخنزير والربا.

وفي يوليو عام 1978 زار فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي (كراتشي) عاصمة بنجلاديش لحضور اجتماعات المؤتمر الإسلامي الآسيوي الأول، وفي نهاية الشهر نفسه حضر اجتماعات «مؤتمر البنوك الإسلامية بالسعودية» وفي سبتمبر 1978 زار مدينة مونتريال بكندا لحضور مؤتمر التكنولوجيا لعلماء المسلمين المغتربين.

وفي عام 1980 عين عضواً بمجمع البحوث الإسلامية. وعين أيضاً عضواً في مجلس الشورى ولكنه اعتذر عن قبول هذه العضوية.

وفي 27 من أكتوبر عام 1983 ألقى خطبة الجمعة وأم المصلين في المسجد الملحق «بمبنى الأمم المتحدة بنيويورك» وحاضر (بمقر الجمعية العامة للأمم المتحدة) وأجرت شبكات التلفزيون الأميركية حواراً معه حول وجود الله ـ تعالى ـ والأدلة القائمة على ذلك.

وفي ديسمبر 1983 زار المركز الإسلامي في (لوس أنجلوس) بالولايات المتحدة الأميركية وألقى محاضرة ناقش فيها قضايا المسلمين في المجتمعات غير المسلمة؛ وكان قد زار في شهر نوفمبر 1983 أي قبل لوس أنجلوس بشهر مدينة (أوتاوا) بكندا وألقى فيها محاضرات فند فيها مزاعم المستشرقين ضد الإسلام، ما آثار عليه أعداء الإسلام والمتربصين به وبالمسلمين، غير أن كيدهم ذهب سدى..!

وفي عام 1985 قام بجولة في بلاد أوروبا، استمرت نحو أربعة أسابيع تنقل خلالها بين فرنسا وسويسرا وألمانيا وبريطانيا والنمسا، وألقى سلسلة من المحاضرات وأجاب على استفتاءات أبناء المسلمين، ووضع حجر الأساس للمركز الإسلامي في روما، والمسجد الكبير في حي (باري لولي) في حضور رئيس جمهورية إيطاليا وعمدة روما، ومندوب من الفاتيكان.

وفي العام نفسه 1985 شارك في أعمال مؤتمر السنة النبوية الثاني بلوس أنجلوس بالولايات المتحدة وفي ديسمبر عام 1986 اختير رئيساً لمؤتمر السنة النبوية المنعقد في لوس أنجلوس ونقلت شبكات التلفزيون الأميركية على الهواء مباشرة الكلمة التي ألقاها في الجلسة الأولى للمؤتمر، والتي حضرها رؤساء الجامعات الأميركية.

وفي العام نفسه ـ 1986 ـ ألقى محاضرة في بروكلين طالب في نهايتها بجمع التبرعات لسداد ديون مصر. ومن بروكلين إلى نيوجرسي حيث ألقى فضيلته محاضرة عامة في مركز (عباد الرحمن) الإسلامي وكان موضوعها: (المرأة في الإسلام)..

وفي العام نفسه سافر إلى النمسا، واجتمع بسفراء الدول الإسلامية بمناسبة إنشاء مصرف إسلامي في العاصمة النمساوية (فيينا) حيث ناقش معهم الفكر الاقتصادي في الإسلام.

واختيار أعضاء مجمع اللغة العربية لفضيلته ليكون بالمجمع عام 1987، كان إشارة تدون في سجل تقديره من أعلام اللغة وحراسها.

ومنحه الرئيس حسني مبارك وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1987، ثم جائزة الدولة التقديرية، وكان حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1983، والعديد من شهادات الدكتوراه الفخرية من عدد من المراكز والجامعات العلمية..!

وكان من فضل الله عليه وعلى المسلمين أن كتب له القبول في القول والقدرة على التفهيم والقدرة على تخريج المعاني واستنباط المفاهيم، فكانت دروس تفسيره للقرآن نعمة من نعم الله للمسلمين، إذ يسرت فهمه للعامة قبل الخاصة، ثم كانت هذه الحلقات هي عماده الأول لنشر أفكاره الإصلاحية المرتبطة بنواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والخلقية والقانونية وغير ذلك..

فكانت ركناً قوياً من أركان الرسوخ الإيماني في قلوب المسلمين، وساعد على ذلك أن الشيخ يسر الله له إلماماً بشيء من علوم النفس والتربية والاجتماع والعلوم الحديثة بعامة، وساق في طيات شرحه لكتاب الله، ما يناسبه من هذه التقريرات العلمية فصادفت قبولاً وقناعة تامة من طبقات المجتمعات المستمعة والمشاهدة..!

وكانت هذه الدروس مثار نقمة العلمانيين عليه وعلى جهاز الإعلام الذي يسمح له ببث برنامجه على الملأ، فأثاروا عليه في الصحف الشغب والنقد، إلا أنه دعاهم للمناظرة على الملأ، ولا داعي للإثارة بعيداً عن الأسلوب العلمي والمنهج العلمي، فمن غير المعقول أن يجتمع ادعاء العلم، ورفضه في الوقت نفسه فوجدوا أن لا مناص من التراجع الصامت والانزواء حتى وفاته دون التعرض له..!

ومن حسن استنباطه وتحليله، ما واجه به أحد الناقمين عندما تحداه بقوله: إن الله يقول عن نفسه (ويعلم ما في الأرحام) «لقمان 34» وها نحن نعرف الآن ما في الأرحام بالكشف الإشعاعي، فرد الشيخ في رسوخ: ومن قال إن علم الأرحام مقصور على الذكورة والأنوثة فحسب؟ ألا يتضمن هذا العلم هيئة الولد، ولونه، وحالته التي سيكون عليها، شقياً أو سعيداً، ممتد العمر أم مختزله، هادئ النفس أم منفعلاً؟! ويسمع المعترض المتحدي فيصمت مبهوتاً..!

وكان الشيخ يرى أن ما يلقيه ليس تفسيراً للقرآن، ولكنه خواطر إيمانية، وذلك من قبيل التواضع والتنزل ومقاومة شهوة النفس، التي قد تسيطر على كثير من الصغار لمجرد أن اعتلى أحدهم منبر الدعوة فتوهم رأسه طاولت رأس الإمام الشافعي أو الإمام أبي حنيفة النعمان، والشعراوي تنقل أجهزة الإعلام حديثه فور إلقائه إلى مسلمي العالم في لحظات، لا يحرك ذلك في نفسه شهوة، ولا ينبت في قلبه كبراً، وإنما يتواضع للقرآن ولرب القرآن.

ثم يقول: ولو كان القرآن يمكن تفسيره بما تمناه الله دون نقص لكان الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بتفسيره، لكنه يبين للناس ما يفيدهم على قدر حاجتهم، وهذا احتياط إيماني لا يمنع أن نقول إن هذا الخواطر من صميم التفسير، ما دامت تدور في فلك الكتاب المبين..!

وقد تحدث الشيخ عن الإعجاز القرآني، فقرر أنه لا يكون في السورة أو الآية أو الكلمة فحسب، بل في كل حرف واستشهد لذلك بما يؤيد منحاه كما قرر أن القرآن كتاب الزمن والإعجاز، بتوالي العصور، وسيجد من وجوهه في الغد مالا نعرفه اليوم.

علي عيد