ليس ثمة اسم أشهر من اسم ابن بطوطة في أدب الرحلات، ولعل كتابه «تحفة النظار» ان يكون الكتاب الذي يُقرأ ويُترجم ـ إلى لغات أخرى ـ أكثر من أي كتاب آخر في هذا المضمار، لكن نظرة إلى هذا الكتاب الذي يصف فيه الرحالة الطنجي المغربي الشهير عدة رحلات استغرقته 29 عاماً بَعُد خلالها عن وطنه، ستقول لنا أن الكتاب، من الناحية الأيديولوجية ـ ليس على البراءة التي قد تعتقده عليها ـ وهنا محاولة في شرح ذلك.

«كان خروجي من طنجة مسقط رأسي من يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمئة معتمداً حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول». «.. ثم خرجت فوصلت إلى حضرة فاس، حضرة مولانا أمير المؤمنين أيده الله، فقبلت يده الكريمة، وتيمنت بمشاهدة وجهه المبارك وأقمت في كنف إحسانه بعد طول الرحلة».

بهاتين العبارتين تباعاً، يفتتح ابن بطوطة ويختتم النص الرائع والحي الذي كان معروفاً في ذلك الحين، بل أن الرحالة الطنجي الشهير زار في طريقه بلداناً لم يكن عالم الإسلام يعرف عنها أي شيء من قبل ورصد شعوباً وعادات وأدياناً كان ذكرها جدياً كل الجدة، وهو إذ كان، إلى جانب كونه رحالة ثاقب النظر دقيق الملاحظة، كاتباً من طراز متميز، تمكّن من أن يترك وصفاً لا يزال يُقرأ حتى أيامنا هذه بشغف وكأنه رواية معاصرة.

وهذا ما جعل الباحثين والمؤرخين والقراء من بعدهم، يغفرون لابن بطوطة ما قد يبدو لديه من قبيل المبالغة والهفوات، فالحال أن كتاب رحلة ابن بطوطة وعنوانه الأصلي «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار «كتب في زمن كان الاعتماد الأول فيه، في جمع المعلومات، على المشاهدة العينية، كما على سماع الأخبار المتواترة، ومن هنا ما كانت تتسم به الكتب من حكايات وأفكار وضروب رصد كان يصح للكاتب ما إن يذكرها حتى يقول بعدها «والله أعلم».

وفي يقيننا أن هاتين الكلمتين إذ تدلان في المقام الأول على ما يتسم به المؤلف، أي مؤلف من تواضع، فإنهما تدلان أيضاً ـ ولو مواربة ـ على عدم ثقته التامة بما كتبه لأن ليس لديه عادة من آلات الفكر والعمل ومن الوثائق العلمية ما يؤكد له كل ما يذكر، وخاصة حين ينقل عن آخرين أقوالاً تتعلق بمشاهداتهم وآرائهم وما إلى ذلك.

ومن هنا إذاً كانت كتب الرحلات، وفي طليعتها كتاب ابن بطوطة هذا، تقدم صورة ما للبلدان والأصقاع التي يتجول فيها الكاتب، فإنها أيضاً ـ ومن طرف يكاد يكون خفياًّ ـ تقدم في طريقها صورة لمستوى الذهنيات لدى من يلتقيهم الرحالة ـ الكاتب، ثم ومن طرف أخفى، صورة لبلاد الكاتب نفسه، من خلال تصويره لما يرى في البلاد الجديدة التي يزور.

فإذا كان الكاتب ـ الرحالة ـ يصف ما يراه بـ «الغريب» و«العجيب» فإن هاتين الصفتين لا تصنفان الواقع الذي لا يراه، بقدر ما تصنفانه وقد مرر هذا الواقع ـ بمرشحه الشخصي لغربته عما يعرف، وعجائبيته بالنسبة إليه، إذ لا يكون لا غريباً ولا عجيباً بالنسبة الى من يعيشون في عاديته.

والحقيقة أننا لا نقدر على قراءة رحلة ابن بطوطة، بين رحلات عربية أخرى، إلا على ضوء هذا الواقع الفكري الذي، في حركة عكسية ارتدادية، قد صح الحديث عنه أيضاً بالنسبة إلى القسم الأعظم من كتابات المستشرقين الذين كتبوا يتحدثون عن العالم العربي والإسلامي، ورأى مفكرون عرب ومسلمون في كتاباتهم استغرابات وخيالات غالباً ما وصفوها بأنها مغرضة.

المهم، وبعيداً عن هذه التأكيدات النظرية، أن ابن بطوطة الذي أطر كتابه بحديثه عن مبارحة طنجة «لفرض الحج» وحديثه عن العودة إليها «لتقبيل يدي أمير المؤمنين» عرف كيف يترك لنا نصاًّ جميلاً ونادراً قل أن حناهاه في تاريخ أدب الرحلات كتاب.

مرّ بين انطلاق ابن بطوطة في ترحاله، وعودته منه، تسعة وعشرون عاماً اذاً (والغريب أنها المدة نفسها تقريباً التي استغرقها غياب ماركوبولو عن دياره في رحلته إلى أقاصي الشرق، وهي الرحلة التي غالباً ما يقارن كتابها بكتاب ابن بطوطة)، بيد أن رحلة ابن بطوطة لم تكن رحلة متواصلة، بل كانت تسع رحلات منفصلة ومتتابعة يصف ابن بطوطة معظم أحداثها ومشاهداتها في «تحفة النظار» وكانت الرحلات على التوالي:

رحلة الى مكة المكرمة للحج مروراً بشمال إفريقيا ومصر وأعالي النيل وسوريا، وهو خلال تلك الرحلة بقي في الديار المقدسة شهرين ذهب إثرهما إلى بغداد فأنحاء إيران، فبغداد من جديد ثم الموصل وعودة إلى بغداد، ومنها إلى الجزيرة العربية حيث عاش ثلاثة أعوام انطلق بعدها عبر البحر الأحمر إلى اليمن فمقديشو وشرق افريقيا عائداً من هناك إلى عُمان فمكة، ولقد قسّم ابن بطوطة تجواله هذا، في ذلك الحين إلى ثلاث رحلات.

أما الرحلة الرابعة فكانت تلك الأغرب والأطرف والتي زار خلالها مصر وسوريا ثم آسيا الصغرى، فبلاد المغول وجنوب روسيا، منطلقاً من هناك إلى القسطنطينية ووسط آسيا وأفغانستان ووادي الهندوس، وصولاً إلى دلهي التي سيعيش فيها تسعة أعوام يشغل خلالها منصب قاضي المذهب المالكي في المدينة.

وفي الرحلة الخامسة التي انطلقت به من دلهي، يتوجه ابن بطوطة الى جزر المالديف حيث سيبقى عاماً ونصف العام، شملت بعد ذلك تجوالاً في سيلان وآسام وسومطرة والصين، التي يخصص لها رحلة سادسة اثر ذلك، تليها رحلة سابعة شملت، هذه المرة ديار المشرق العربي:

بغداد وسوريا ومصر، مع حج جديد الى بيت الله الحرام، وهنا لدى عودته هذه المرة الى الإسكندرية، توجه بحراً ليصل الى جزيرة سردينيا التي سينطلق منها على متن سفينة متوجهة الى الجزائر فتوجه معها الى هناك، ثم من الجزائر إلى فاس، التي توجه منها إلى مملكة غرناطة، قبل أن يعود الى المغرب من جديد، فينطلق في رحلته الأخيرة التي شملت هذه المرة مناطق كان ندر لأي رحالة عربي أن وصل إليها من قبل وذلك في وسط إفريقيا والصحراء والنيجر، إذاً طوال سنوات وسنوات، مقطوعة بفترات إقامة واستقرار هنا وهناك.

تمكن ابن بطوطة وحسبما يفيدنا هو في كتابه من زيارة كل تلك الديار التي كانت تشمل ديار الإسلام في ذلك الحين، وأحياناً دياراً لا وجود كثيف للإسلام فيها، ولقد دوّن ابن بطوطة مشاهداته في كل مكان غريب أو بعيد، كان الإسلام قد وصله بعد أن عاش جاهلية كما يشاء، حتى يبدأ المقارنة بين ما أتى به الإسلام وما كان من وحشية وضراوة فيه قبل وصول الإسلام.

وهو حرص دائماً لا سيما عند حديثه عن مناطق الأطراف، أن يصف قدرة الإسلام على التجاور مع ما سبقه، وبالنسبة إليه كان كل ما يبدو عجيباً غريباً، هو كل ما يبدو خارجاً عن مألوف الحياة في الديار الإسلامية المعروفة بالمقارنة، إن رحلة ابن بطوطة كانت أوسع وأشمل وهي تعدت نطاق مناطق المركزية العربية ـ الإسلامية.

ومن هنا فإن عدداً كبيراً من الباحثين يرى أن من الأفضل المقاربة بين رحلة ابن بطوطة ومقدمته...ابن خلدون، إذ يبدو النصّان بالنسبة إلى هؤلاء متكاملين، يغوص واحدهما في الجغرافيا ـ المكان ـ، والثاني في التاريخ ـ الزمان.