تعتبر الآثار والمدن القديمة والقلاع التاريخية، مراكز جذب سياحية رئيسية ومهمة، يقصدها السياح ومواطنو البلد على حد سواء، لما تحمل من دلالات ومعارف وفنون وبراعة معمارية تعتبر من المعجزات، مقارنة بالعصر الذي وجدت فيه.
من أجل هذا تتسابق الدول والحكومات في الحفاظ والعناية بهذه الآثار، فتقوم بترميمها ورعايتها وحراستها وتجميلها وتأهيلها لاستقبال الزائرين وجذبهم إليها، بهدف اقتصادي وثقافي ودعائي ووطني فهذه العمائر والآثار والقلاع والنصب التذكارية والتماثيل، تروي جانبا من حضارة البلد وتاريخه المشرق، وتدلل على الجذور الأصيلة والعريقة لهذا الشعب أو تلك الأمة، وفي الوقت نفسه، تدر أموالا طائلة على خزينة الدولة.
من أهم وسائل إبراز وتجميل هذه الأوابد، إضاءتها ليلا بالشكل المدروس والمناسب، بحيث تبدو للقاصي والداني، تحفة مجسمة يتعانق فيها الجمال والتاريخ والفن والعمارة والليل، والأصالة التراثية العريقة بالمعاصرة المتطورة تقنيا وفنيا.عملية الإضاءة هذه ليست سهلة كما قد يظن البعض، وليس بإمكان أي موظف في دائرة للكهرباء أو في محافظة أو بلدية القيام بها، فهي ليست مجرد إشعال «لمبة» و «بروجكتور» بلون أبيض أو أصفر أو أحمر أو أخضر.
وتأمين مصدر للضوء يطل من هنا وهناك. ان العملية أعقد وأصعب من ذلك بكثير، وتحتاج إلى اختصاصي دارس ومتابع للجانب التقني والفني في آن معاً:
التقني المتعلق بالكهرباء واحتياجاتها وألوان الإضاءة المناسبة ومكانها، وفني يتعلق بدلالات هذه الألوان ومدى توافقها وانسجامها مع الأثر المضاء، ودرجة كثافتها المطلوبة، ومكان الإضاءة، بهدف تحقيق أقصى حد ممكن من الجمال والسحر في عملية تجسيم الأثر وإبراز معالمه.
وتأكيد قيمه المعمارية والفنية، وجعله حسن الوقع في العين والإحساس من المتلقي، وتاليا جعل هذا المتلقي يشتم منه عبق الماضي، ورهبة التاريخ، وجماليات الماضي، وعظمة الأجداد الذين أبدعوه وأنجزوه في زمن غابت منه التكنولوجيا المتطورة لصالح القدرات الإنسانية البسيطة والعظيمة في وقت واحد.
على هذا الأساس، يجب التوقف مطولا عند عملية إضاءة الأوابد والآثار وإسنادها إلى مختصين ضالعين في مهنتهم التي يجب ان تجمع بين خبرة التقني العميقة وحساسية الفنان المجل والمقدر والعاشق للأثر الذي يقوم بإضاءته، كما لابد من إخفاء عناصر ومتطلبات الإضاءة بحيث لا يظهر منها سوى الأشعة الساقطة على الأثر بعد المحافظة على مظهره التاريخي القديم .
كما جاءنا من الماضي، وتاليا عدم إقحام مظاهر التكنولوجيا الحديثة عليها من إنارة وتدفئة، أو تهوية وما شابه، بل يجب تمويه كافة هذه العناصر بشكل أو بآخر، لكي لا نسيء إلى خصائص ونسيج الأثر التاريخي.
وهذا ما يجب ان نلحظه أيضا عند ترميمنا له وصيانة المتهدم والمعطوب منه، بحيث يصعب على المشاهد الاهتداء إلى الجزء المرمم، ويفضل البحث عن المواد والخامات التي ساهمت في إنجازه، لتدخلها هي عليه وليس غيرها، بغية تحقيق الأمانة التاريخية والتوافق والانسجام بين عناصره المكونة له.
وبإحالة القارئ إلى الصور المنشورة إلى جانب هذا النص، يرى مدى الجمال والروعة التي تدخلها الإضاءة على العمارة، قديمها وجديدها.. انها رحلة الضوء المبعثر فوق جهد إنساني خلاق، جاءنا من التاريخ البعيد والقريب.. رحلة يتعانق فيها الضوء مع العمارة لنجد أنفسنا أمام هذا السحر المفعم بليل التاريخ الصامت، الهادئ، العميق، المليء بالأسرار والحكايا.
د. محمود شاهين


