من ضمن اهتمامات الفلسفة العربية الاسلامية في عصرها الذهبي - عصر ابن سينا والفارابي - كانت تشغل البال مسألة التوفيق بين الثقل والعقل، الحكمة والشريعة. وفي مرات عديدة، اتخذت تلك الرغبة شكل محاولات في التوفيق بين افلاطون وأرسطو... وهي رغبة بلغت ذروتها في كتاب لابي نصر الفارابي. كان عيبه الاساسي انه انما بني على اساس... خاطئ.
كانت ثمة في الثقافة الفكرية العربية الاسلامية، هم من الصعب معرفة دوافعه وجذوره، هو هم ايجاد وحدة ما تجمع بين رأيي الحكيمين. والحكيمان المعنيان هنا هما الفيلسوفان الاكبر في الحضارة الاغريقية:
افلاطون وأرسطو. وإذا كان كثر الشارحين والمفكرين الإسلاميين قد انشغلوا بهذا الهم سنين طويلة من اعمارهم، فان الفارابي اوصله الى ذروته، والى مكانه الاكثر وضوحا في كتابه «الجمع بين رأيي الحكيمين» اللذين يسميهما ابو النصر : افلاطون الالهي وارسطوطاليس. ولعل اطرف ما في امر هذا الكتاب انه كله مبني على مغالطة وقع فيها العديد من الفلاسفة العرب في زمن الفارابي وقبله.
فهم - وكان هذا دأب الفارابي أيضا- أرسطو الى ذلك التقريب اعتمادا على كتابات كل من الفيلسوفين - اتكلوا لدى الحديث عن ارسطو على كتاب يدعى «ايثولوجيا» غير دارين ان الكتاب المخول - أي المنسوب - خطأ الى أرسطو انما هو جزء من موسوعات افلاطونية، احد اعمدة مدرسة الاسكندرية في زمن لاحق.
وهو كان من المتشيعين لأفلاطون والسائرين على منهاجه، ولا من مناصري أرسطو. ومن هنا فإن هذا «الجمع بين رأيي الحكيمين» إنما كان في الحقيقة جمع لآراء افلاطون مع آراء امكوطين المستمدة من افلاطون!
مهما يكن من امر فان الباحثين لدى حديثهم عن كتاب «الفارابي» هذا، وبعدما حددوا الخطأ الاساسي فيه، لم ينكروا عليه - اي على الكتاب - كونه كتابا مهما، ولكن من ناحية كشفه مدى اطلاع الفارابي، وغيره من فلاسفة العرب في ذلك الزمان - ونقول هنا العرب، انطلاقا من اللغة التي كتبوا بها، لا انطلاقا من انتماء عرقي بالنظر إلى أن أكثرهم أصلا كانوا من غير ذوي الاصول العربية -، على الفلسفة اليونانية.
اذ واضح هنا، حتى على رغم الخطأ الذي ذكرنا، ان الفلسفة العربية كانت واسعة في ذلك الحين على الفلسفة الاغريقية كثيرة التأثر بها والاشتغال انطلاقا منها. ومن الواضح ان هذا الاطلاع لم يكن مباشرا بل من طريق الترجمات التي كانت تنجز غالبا، عن طريق اللغة السريانية، في حوافر الفكر في ذلك الحين، حرّان ونيسابور وغيرهما بعد الاسكندرية.
منذ بدايته يتحدث الفارابي ممهدا للمسائل التي يبحثها في كتابه، والتي كان يرى ان افلاطون - ذا النزعة الإلهية والارث السقراطي - وارسطوطاليس - ذا النزعة العقلانية - قد اختلفا فيها، وهي على التوالي:
حدوة العالم وقدمه ، إثبات المبدع الأول (الخالق) ووجود الأسباب عنه، أو النفس والعقل؛ المحازاة على الافعال؛ اضافة إلى كثير من الأمور المدنية والخلقية والمنطقية.
ومن المهم ان نلاحظ في هذا المجال ان هذه الامور، بقدر ما كان بحثها يعتبر ارثا باقيا من زمن الفكر الاغريقي. كانت أيضا هي ما يثور النقاش من حوله في صفوف المتكلمين والفلاسفة المسلمين في ذلك الحين. فإذن ما نظرنا صوب المعتزلة سنرى المسائل نفسها، وإن نظرنا صوب السجلات مع الأشعرية، ثم لاحقا مواقف الإمام الغزالي سنجد هي هي.
ومعنى هذا ان الفارابي انما التجأ في هذا الكتاب ، ليس إلى استعراض مقدار صحة الفلسفي الخاص، او استعراض معارفه، او محاولة التوفيق بين حكيمين تتلمذ على أعمالهما وفتن بهما، بل من اجل موضعة فكره الخاص في سباق السجال الفلسفي الاسلامي الخالص.
ومن هنا إذا كان الفارابي يطرح منذ البداية مسألته، متسائلا حول الاسباب التي جعلت أكثر اهل زمانه يقولون ان بين الحكيمين اختلافا جوهريا، فإنه سيشغل صفحات كتابه بالتأكيد على ان الخلاف غير جوهري، وهو طبعا نفس ما سوف يفعله ابن رشد لاحقا حين يكتب «فصل المقال بين الحكمة والشريعة من اتصال».
والغرض لدى الاثنين واحد: هو التأكيد على ان الدين لا يتنافى مع العقل، الا في مخيلات الذين يريدون الدين عقيدة جامدة لا تتطور، ونقلا دائما منافيا للعقل. اما ان يكون الكتاب الكريم قد تساءل باستنكار: وهل يستوي الذين يعلمون او لا يعلمون.. فأمر لا يهم الجاحدين من اصحاب المصالح.
إذن نحن لسنا امام نص في التمتع الفكري، بل امام سلاح عقلاني مقاوم. لذا، حين يقول الفارابي ان ليس بين الحكيمين اختلاف، ينطلق في تأكيده هذا من ثلاث فرضيات: الأولى هي ان يكون تعريف الفلسفة من لدى القائلين بهذا غير صحيح، والثاني ان يكون رأي الأكثرية فيها - اي في افلاطون، وارسطو - سخيفا، والثالث ان من يقول ان بينهما اختلافا جاهل لا ينقصه شيئ.
لتحليل رأيه هذا يتناول الفارابي ثلاث عشرة مسألة كان من المفروض ان يكون فيها، بين الحكيمين، خلاف. وهي تتناول على التوالي شؤونا حياتية وسلوكية، وطريقة تدوين الكتب عند الحكيمين، ثم مسائل منطقية وطبيعية وأخلاقية قبل الوصول الى مسائل ما بعد الطبيعة. وهنا في كل واحدة من هذه المسائل يورد الفارابي حجة من يقارعهم، ثم يرد عليها شرحا وتحليلا.
وعلى سبيل المثال نورد اسلوب الفارابي في التحليل عبر مسألتين، استعارة من تحليل المفكر ألبير نصري نادر، الذي حقق الكتاب وشرحه:
- ففي المسألة الثامنة، يتناول أبو النصر الفارابي مسائل طبيعية. ومنها مسألة الابصار فيقول لنا: يقولون ان ارسطو يفسر الابصار بانه انفعال من البصر، بينما يقول افلاطون ان الابصار يكون بخروج شيء من البصر وملاقاته المبصر. فهل ثمة اختلاف بين الرأيين هنا؟ رد الفارابي هو التالي: ان هذه الأقوال وصلت محرفة، ثم يجتهد في اثبات تطابق الرأيين في هذا الموضوع مستندا الى اجتهادات لغوية.
- المسألة العاشرة تتناول مسألة المعرفة، وهنا يقول لنا الفارابي ارسطو يتساءل هل طالب المعرفة يعلم انه يجهل ما يطلبه ام يعرفه؟ فاذا كان يطلب ما يجهله، فكيف يؤمن في تعلمه انه هو الذي كان يطلبه ان لم يكن، هو، حاصلا على معرفة سابقة يعتمد عليها؟ فكأن ارسطو قال ايضا ان هناك معارف غريزية في العقل نعتمد عليها في احكامنا مثل فكرة المساواة.
اما افلاطون فيقول ان المعرفة تذكّر، بمعنى ان ما نكتسبه عن طريق الحواس يجعلنا نتذكر المعقولات الكامنة في العقل والتي اكتسبناها من عالم المثل. ومعنى هذا ان الحكيمين في رأي الفارابي متفقان لا مختلفان، في القول بوجود معارف حاصلة في العقل، وبعد ان يؤكد الفارابي هذا يعرض رأيه الخاص التوفيقي في تحصيل العلم ذاكرا استعداد الطفل لتحصيل المعرفة.
وان المعرفة تكون اولا عن طريق الحواس. على هذا النحو، اذا، يسير منطق الفارابي في هذا الكتاب، الذي يعتمد فيه على العديد مما كان مترجما من كتب افلاطون وارسطو، مع ان المشكلة الرئيسية تكمن في كونه قد اعتمد اساسا لشرح وتحليل افكار ارسطو على كتاب لم يكن من الارسطية في شيء، بل هو كتاب يحمل أراء أفلاطون نفسه ويطوّرها.
غير ان هذه المسألة تظل حقيرة مقارنة بمشكلة اكبر تكمن في ان الفارابي غالبا ما اعتمد في توفيقيته على تأويلات لفظية - حسب ما يقول البير نصري نادر-، بدلا من الاعتماد على جوهر فلسفة الحكيمين التي ظلّت إلى حد كبير غائبة، ضائعة على مذبح الرغبة الحادة في...التوفيق.
