عرفت دبي كمنطقة جذب لرؤوس الأموال الأجنبية قبل عقود من تطورها الحالي وتحولها إلى أهم مركز لرجال المال والأعمال في الشرق الأوسط. فما يميز دبي حاليا هو المناخ الاستثماري الآمن الذي يعتبر نقطة جذب مهمة لتلك الرؤوس.

هذا المناخ الاستثماري ليس بجديد على دبي. فمنذ بدايات القرن العشرين أصبحت دبي قادرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية بما وفرته من مناخات اقتصادية صحية وضرائب منخفضة وتسهيلات متعددة. فلا غرو أن تحوز دبي على عدة ألقاب أهلتها أن تبني لنفسها سمعة عالية في مجال الاستثمار الآمن.

ابتعدت دبي طوال تاريخها عن الإجراءات المفاجئة التي تخيف رؤوس الأموال فقد عرف أهالي دبي بحسهم التجاري، بأن رؤوس الأموال جبانة بطبعها وأنها تلجأ دوما للمناخات المعتدلة الهادئة.

ولذلك استطاع أهل دبي، وعلى مدى تاريخ هذه المدينة بتوفير هذا النوع من المناخات الهادئة والصحية اللازمة لنمو رؤوس الأموال. فعلاوة على التسهيلات الكبيرة والبنية التحتية التي تخدم رؤوس الأموال المحلية والوافدة، قامت دبي بتوفير البيئة الاقتصادية السليمة لهذه الأموال وبالتالي مكنتها من مضاعفة أرباحها وخدمة اقتصاد دبي والمقيمين فيها.

عرفت دبي أنها منطقة حرة خالية من الضرائب منذ مطلع القرن العشرين. وكانت الحكومة الفارسية قد اتخذت آنذاك إجراءات قاسية ضد التجارة. فقد بلغت الضرائب على بعض السلع 400% الأمر الذي جعل الكثير من تجار فارس سواء العرب أو الفرس ينقلون مراكز أعمالهم إلى دبي التي فرضت أقل من 5%.

في الوقت ذاته أدركت دبي أن جذب رؤوس الأموال ليس كافيا لخلق مناخ استثماري على المدى الطويل، بل كان جل تفكير دبي ينحصر في كيفية استمرار هذه الأموال وبالتالي خلق فرص عمل إضافية. وهكذا أدركت دبي أن العمل الدؤوب المكثف هو الطريق لاستمرارية بقاء رؤوس الأموال تلك.

كانت رؤوس الأموال القادمة تحتاج على الدوام إلي تطوير الخدمات المرافقة لها. فلا غرو أن تصبح دبي سباقة في استضافة خدمات البريد والبرق واللاسلكي وغيرها من الخدمات الضرروية للتجار والارتقاء بخدماتهم. كما قامت في دبي خدمات أخرى مطلوبة للبيئة التجارية ولرجال الأعمال مثل خدمات الترجمة من العربية إلى الإنجليزية وبالعكس. وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الأمية بين التجار، وخاصة المحليين.

وعدم معرفتهم باللغة الإنجليزية، إلا أنهم استطاعوا وبالممارسة المباشرة إتقان لغة حية أخرى كان السوق يحتاجها في ذلك الوقت ألا وهي الأوردو ( لغة من اللغات الهندية). وهكذا وفرت هذه اللغة الكثير من الجهد في التفاهم بين التجار العرب والهنود.

وقد ظلت الأوردو لغة التعامل بين التجار حتى عقد الستينات. لم يكن غياب لغة مشتركة عائقا أمام دبي ونهضتها الحديثة أو تطورها الاقتصادي. فرجال المال والأعمال نجحوا على الدوام في خلق لغة حوار مشتركة حتى ولو كانت من خلال الرسم على الرمال.

الشيخ راشد لم يكن يتحدث بغير العربية ولكن كانت لديه طريقة فعالة في التحدث مع غير الناطقين بها من الأجانب والتجار الذين لم يكونوا يتحدثون العربية.

فيقول كمال حمزة، أول مدير لبلدية دبي مثلا، أعتاد راشد أن يرسم المشروع الذي يفكر فيه على الرمال ثم يطلب من المهندسين أن يعدوا التصميم الهندسي بناء على الخطوط التي يحددها على الرمال وكان يشير إلى المكان الذي يريد تشييد طرق فيه أو مبنى وكان المصممون يتبعون الخطوط التي رسمها راشد.

*شركات كبرى

في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبعد انتهاء تلك الفترة الاستثنائية من تاريخ دبي، عاد الازدهار من جديد يلوح في سماء دبي. ومنذ عام 1954 بدأت مؤسسات الأعمال في التوافد على المدينة بأعداد كبيرة. فقد أدى انخفاض الرسوم الجمركية وغياب الإجراءات البيروقراطية إلى جذب شركة إمبريال تريدينج كوربوريشن ومقرها كراتشي.

وقد استطاعت تلك الشركة أن تؤسس لها مكتبا إقليميا في دبي. ثم ما لبث أن جاء رجل الأعمال جي. بي. شويترام إلى دبي عند تأسيس المكتب الإقليمي وأقام شركة جي. بي. التجارية. ويذكر رجل الأعمال هذا سلاسة الشيخ راشد في التعامل مع رجال الأعمال والبيئة الصحية التي توفرت في دبي والتي شبهها بتلك السائدة في سنغافورة وهونغ كونغ.

وعلى الرغم من عدم اكتمال البنية التحتية في دبي آنذاك ومخاوف رجال الأعمال من تأثير ذلك على تجارتهم، إلا أن هذا العامل وحده لم يكن كافيا لابتعاد رؤوس الأموال. فما استطاعت دبي توفيره حتى تلك الفترة قضى على الكثير من المخاوف.

يقول شويترام «حذرني بعض الناس من أن دبي لم تكن تتوفر بها الخدمات الأساسية ولم تكن بها أجهزة تكييف، فاشتريت مروحتين ووضعت واحدة على كل من طرفي غرفة المكتب وكنت اشغل المراوح بالطاقة الكهربائية المستمدة من بطارية السيارة، وأحضرت أيضا ثلاجة مجمدة تعمل على الكيروسين». هكذا بدأ رجال الأعمال الرواد حياتهم في دبي والتي سرعان ما نمت لتوفر لرجال الأعمال بيئة من أفضل بيئات المال والأعمال في العالم اليوم.

عندما بدأت دبي تتحول نحو بيئة مال وأعمال لم يكن الترخيص التجاري شرطا أساسيا أو حتى مطلوبا. فحتى عام 1954 كان كل ما يحتاجه التاجر هو القدوم لدبي ومزاولة التجارة. ولكن كان عليه أن يلتقي بالحاكم خلال عمله خاصة وأن الشيخ راشد كان يشجع الناس على الذهاب لمجلسه والتحدث معه في الأمور ذات الاهتمام المتبادل.

وكانت الإدارة الحكومية متساهلة كثيرة ولكن دون مغالاة. فيقول شويترام مثلا «جاءت شركتنا إلى دبي أول مرة عام 1950 لملاحقة تاجر فارسي يعمل في دبي وكان يدين لنا بمبلغ كبير من المال.

كان الشيخ راشد يدرك أهمية السمعة الطيبة لدبي كمركز تجاري ولذلك لم يسمح لطبقة التجار أن تتصرف بأسلوب غير مسؤول أو أن تصبح هذه الطبقة مكبلة بالديون». لقد قام الشيخ راشد بإلقاء القبض على التاجر الفارسي حتى قام الأخير بتسديد الدين الذي عليه.

وبذلك حفظ راشد لدبي سمعتها التجارية كبيئة آمنة للاستثمار المالي حتى قبل أن تتطور قوانين الحماية الاقتصادية المتعددة في دبي. لم تكن دبي ببعيدة عن الأساليب الأخرى التي قد يتبعها التجار في الكسب غير المشروع. فكما يقول شويترام أيضا فقد قام أحد التجار بالتهرب من الدين الذي عليه وذلك بإشهار إفلاسه. فقد أدعى ذلك التاجر أن السفينة المحملة بالسكر والتي كان ينتظر قدومها من هولندا لم تأت.

وبعد أسابيع من الانتظار أكدت شركة لويدز للتأمين اللندنية بأن السفينة التي قال الموردون إنها كانت تنقل البضائع أنها كانت سفينة وهمية. وقد قام الشيخ راشد بتفحص فواتير التاجر وعندما اقتنع بأن الأمر ما هو الا عملية احتيال حتى أرسل رسالة إلى رئيس دائرة الجمارك مهدي التاجر والتاجر المتضرر، للتحقيق في الأمر. وهكذا تم إنهاء هذه القضية بصورة تضمن حقوق التجار وتحفظ لدبي سمعتها التجارية الطيبة كدولة قانون ومؤسسات.

استطاعت دبي خلال النصف الأول من القرن العشرين أن تبني لنفسها سمعة اقتصادية مدوية. وما ان انتهى النصف الأول من القرن العشرين ودخلت دبي النصف الثاني منه حتى تطورت تلك السمعة لتصبح دبي ملتقى رجال الأعمال من الشرق والغرب ولتخلق بيئة استثمارية مهمة في المنطقة.

فلا غرو أن تصبح دبي ودولة الإمارات ككل، وطبقا لتصنيف المؤسسات العالمية، كأكثر الدول أمانا من ناحية الاستثمار حيث تأتي في المرتبة 27 من حيث أكثر دول العالم أمانا من بين 185 دولة حسب التصنيفات العالمية. وقد حصلت دولة الإمارات ككل على ما نسبته 32,79 % من حيث الأمن الاستثماري للعام 2002.

هذا الجو العام والبيئة الاقتصادية الهادئة جعلت دبي محطاً لاستقطاب العديد من الشركات العالمية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات. وجاءت التسهيلات الجديدة والمناطق الحرة وإنشاء المدن المتخصصة كمدينة دبي للانترنت ومدينة دبي للاعلام والمدن الأخرى لتخدم اقتصاد دبي ولتساهم إيجابا في رفد الاقتصاد العام لدولة الأمارات العربية المتحدة.

ترصدها:د. فاطمة الصايغ