من منا لا يعرف ريا وسكينة سواء كمجرمتين أو كشخصيتين فكاهيتين، ريا وسكينة ما زالت مضرب المثل في الإجرام والاحتراف في القتل بغرض السطو والاستيلاء على أموال الفتيات والنساء، ووقائع القضية في حي شعبي بسيط في مدينة الإسكندرية بمصر في العام 1919 وعلى مدار عامين متواليين جرائم قتل لا يعرف مرتكبها حتى اكتشفت الحقيقة، وتم محاكمتهما مع عبدالعال وحسب الله وصدور الحكم بالإعدام بحقهم جميعاً.

ومع ذلك فإن أقطاب الفن وجدوا من قضية ريا وسكينة متسعاً للحديث والخوض وقاموا بداية بعمل فيلم عنهما ومن ثم مسرحية فكاهية ومؤخراً مسلسلاً في 30 حلقة تعرضه إحدى القنوات الفضائية.

وقد شد هذا العمل انتباه المشاهدين إليه حيث أوضح مواطن في حياة هاتين الشخصيتين لم نكن نعلمها ولا ندري هل ما تم عرضه هو الحقيقة بعينها أم انها حبكة درامية لدواعي الإبداع الفني، وفي الحالتين فإن كل من ريا وسكينة وبرفقتهما عبدالعال وحسب الله قد نالوا جزاءهم وقت تنفيذ الحكم الصادر بحقهم.

وكرجل قانون ومن تجربتي الإعلامية في إدارة الندوات القانونية كان لا بد لي من صنع حبكة قانونية لدواعي الطرح والنقاش والتداول بالرأي والرأي الآخر، فمن المبادئ القانونية أنه لا يجوز معاقبة المتهم عن جريمة واحدة أكثر من مرة ونعلم أن الزيادة في العقوبة ظلم.

وكان من الممكن أن يمر العمل الفني مرور الكرام دون أن يلفت نظري كرجل قانون إلا أن تركيز المسلسل على ممارسة هاتين الشخصيتين للقوادة والدعارة أضاف إلى معلوماتي عنهما من قيامهما بسرقة الذهب وقتل الضحية.

إضافة مهمة حيث إنه في كثير من الأحيان قد يتقبل شخص أو يوصف بأنه سارق أو حتى قاتل أما جرائم الشرف وأوصافها فهي غير مقبولة في مجتمعاتنا وتعد سباً وقذفاً شرعاً وقانوناً لا يتقبله أحد، والسؤال الذي يدور في ذهني هل يحق للقنوات الفضائية نشر تلك الفضائح لهذه الشخصيات علماً بأنها شخصيات محددة ومعروفة بالاسم والمكان والزمان.

وإذا كان لريا وسكينة وعبدالعال وحسب الله أحفاد وورثة فهل يحق لهم إقامة دعوى قضائية ضد منتج العمل الفني مطالبين بالتعويض عما أصابهم من ضرر جراء نشر تلك الفضائح على الملأ خاصة أنهم قد نالوا عقوبتهم عما اقترفوه من جرائم.

وهل يحق إعادة نشر تلك الجرائم التي تجعل ذويهم محط احتقار الناس خاصة وأن جريمة الدعارة قد تشكك في الأنساب وهو ما يعد ضرراً مباشراً في حق الورثة.

وهل الشخصيات التي ارتكبت جرائم ونالت عقابها يظل عار الجريمة يلاحقهم ويلاحق أبناءهم وأحفادهم.

وهل لدينا مثلما هو الحال في أميركا وما رسخه القضاء الأميركي في حق الإنسان بالدخول في طي النسيان أي أن من حق المجرم الذي نال عقابه أن تنسى جريمته وما عاد لأحد الحديث حولها أو إثارتها.

والتعريف بشخصيتها بعد مدة معينة، فمتى أسدل ستار النسيان فلا يجوز رفعه إلا بإذن الشخص المعني أو ورثته، لأن تلك الوقائع تتقادم بالسكوت عن إثارتها طوال الفترة التي مضت، والتقادم متى اكتمل فإنه لا يجوز قطعه.

فالحق في النسيان يحمي الوقائع المتصلة بالحياة الخاصة والعامة على السواء، متى دخلت في طي النسيان وأياً كانت شهرة الشخص، فإنه لا يجوز أن يكون حاله أسوأ من حال أي مجرم آخر كفر عن جريمته حتى لا تظهر هذه الجريمة في صحيفة السوابق .

ولكن هناك من قد يقول أو ربما يتصدى لي قارئ ويقول إن ريا وسكينة من الشخصيات العامة يجوز تناولها بالنقد والتشهير، نظراً لكون جرائمهما هزت الرأي العام وصورهما أصبحت بمتحف أقسام الشرطة بمصر، فأصبحا ملكاً للتاريخ، بحيث من حق الجميع تناولهما ودراستهما وعرضهما.

والخوض فيهما، والمعروف أن لريا وسكينة تاريخ إجرامياً في مصر ويضرب بهما المثل في شدة الإجرام ودخلا التاريخ ولكن من بوابته القذرة. فالتاريخ كتب عن هتلر وعن الحجاج بن يوسف الثقفي فهل طبقاً لهذا القياس من حق الإعلام إظهار كل الجوانب في شخصيات كان لها تأثير في عصرها سواء بالسلب أو الإيجاب.

ونعلم أنه وفقاً للقانون فإن قوام دعوى التعويض هو توافر الخطأ والضرر وعلاقة السببية، فهل إظهار جانب القوادة في حياة هاتين الشخصيتين يعد خطأ من المسؤول عن العمل وسبب ضرراً للورثة لو كانوا موجودين وعلاقة السببية بتهمة واضحة أم أن الخطأ هنا منتف لأن الإعلام رصد ظاهرة كانت موجودة بالفعل، ولم يخطئ في حقهما.

كما وأن السؤال المثار هل هناك حق جزائي يمكن للورثة في حال وجودهم أن يثيروه على معدي العمل وممثليه والمطالبة بإنزال العقوبة عليهم بحجة أنهم قاموا بتوجيه سب لأجدادهم أو والديهم.

ولتقريب المثال حتى لا يقال أن الشق الجزائي متعلق بذات الشخصية الذي وجه إليه السب فإنني أتساءل أنه إذا تلفظ شخص على آخر بقوله له »يا ابن الحرام« أو ما في معنى بهذا اللفظ، فهل يعتبر ذلك سباً للشخص أم لا؟

لابد أن الجواب نعم، فما بالك لو أن عملاً فنياً مثل هذا الزمر بواقع حقيقي أو مزيف لإضافة الحبكة الدرامية عليه هل ذلك سباً وقذفاً بحق الورثة يوجب العقاب على مقترفه؟

وأما من يقول أن ريا وسكينة أصبحا ملكاً للتاريخ، فما هو المعيار بملكية التاريخ، وهل يكفي شهرة القضية للقول بأنها دخلت التاريخ، وهل ينهض هذا القول للحيلولة دون سماع دعوى من أحد الورثة؟

وهل يصبح قول القائل أن هؤلاء المجرمين هم المسؤولون عن التشهير بذويهم خاصة وأن التشهير الحاصل ليس له هدف سوى الكسب المادي ولم يقدم مضموناً أدبياً أو أخلاقياً، وهذا على حساب أسر وأفراد أبرياء لهم كامل الحق في العيش كما يعيش الناس من دون أن يعكر صفو حياتهم سيرة الأجداد والتي تجعلهم محل ازدراء الناس.

الأمر الذي لاشك فيه أن هناك ضرراً واقعاً على هؤلاء الورثة من جراء فعل المنتج وعرض المسلسل كونهم استخدموا الأسماء الحقيقية والتي لا تخفى على أحد ومن المعلوم في شريعتنا الإسلامية الغراء أنه لا يجوز بصفة مطلقة أن تزر وازرة وزر أخرى، فذلك أمر محرم قطعاً ويستوجب عقاباً في الدنيا والآخرة.

أطرح موضوعي هذا ويسرني أن استمع إلى آرائكم حوله

YOUSUFLAW@YAHOO.COM