وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود أيضاً أنه سمع رجلاً يقرأ آية سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها. قال: فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كلاهما محسن فاقرأ» قال شعبة أحد رواة هذا الحديث: أكبر علمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكوا».

روى الطبري والطبراني عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقرأني ابن مسعود سورة أقرآنيها زيد بن ثابت وأقرأنيها أبي بن كعب فاختلفت قراءتهم فبقراءة أيهم آخذ ؟

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي إلى جنبه فقال علي: «ليقرأ كل إنسان منكم كما علم فإنه حسن جميل».

وأخرج ابن جرير الطبري عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة ».

إن الناظر في هذه الأحاديث الشريفة وما ماثلها يستطيع أن يقيم منها شواهد بارزة تكون منارات هدى ومصادر إشعاع ونور ترشده إلى ما عسى أن يكون هو الحق والصواب في بيان معنى الأحرف السبعة .

كما يستطيع أن يأخذ منها الحق والصواب في بيان معنى الأحرف السبعة كما يستطيع أن يأخذ منها موازين ومقاييس يحاكم إليها كل ما شجر من هذا الخلاف البعيد في هذا الموضوع الدقيق.

الشاهد الأول أن الحكمة في نزول القرآن على الأحرف السبعة هو التيسير على الأمة الإسلامية كلها خصوصاً الأمة العربية التي شوفهت بالقرآن فإنها كانت قبائل كثيرة وكان بينها اختلاف في اللهجات ونبرات الأصوات وطريقة الأداء وشهرة بعض الألفاظ في بعض المدلولات على رغم أنها كانت تجمعها العروبة .

ويوحد بينها اللسان العربي العام فلو أخذت كلها بقراءة القرآن على حرف واحد لشق ذلك عليها كما يشق على القاهري منا أن يتكلم بلهجة الأسيوطي مثلاً.

وإن جمع بيننا اللسان المصري العام. وألفت بيننا الوطنية المصرية في القطر الواحد وهذا الشاهد تجده ماثلاً بوضوح بين الأحاديث السالفة في قوله صلى الله عليه وسلم في كل مرة من مرات الاستزادة فرددت إليه أن هون على أمتي وقوله:

أسأل الله معافاته ومغفرته وأن أمتي لا تطيق ذلك. ومن أنه صلى الله عليه وسلم لقي جبريل فقال: يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية فيهم الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتاباً قط.

قال المحقق ابن الجزري: «أما سبب وروده على سبعة أحرف فالتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها والتهوين عليها شرفاً لها وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق حيث أتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال صلى الله عليه وسلم أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف» ثم قال:

«وكما ثبت أن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف وأن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين والنبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم وكان العرب الذي نزل القرآن بلغتهم لغاتهم وألسنتهم شتى ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها أو من حرف إلى آخر.

بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج لاسيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتاباً كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع وما عسى أن يتكلف وتأبي الطباع».

فكل ما مر يعتبر تقريراً لحكمة واحدة وفائدة واحدة من فوائد اختلاف القراءات وتعدد الحروف التي نزل عليها القرآن الكريم وهي أبرز الفوائد وأشهرها وأقربها إلى الذهن.

منها جمع الأمة الإسلامية الجديدة على لسان واحد يوحد بينها وهو لسان قريش الذي نزل به القرآن الكريم والذي انتظم كثيراً من مختارات ألسنة القبائل العربية التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحج وأسواق العرب المشهورة.

فكان القرشيون يستملحون ما شاءوا ويصطفون ما راق لهم من ألفاظ الوفود العربية القادمة إليهم من كل صوب وحدب ثم يصقلونه ويهذبونه ويدخلونه في دائرة لغتهم التي أذعن جميع العرب لها بالزعامة وعقدوا لها راية الإمامة.

وعلى هذه السياسة الرشيدة نزل القرآن على سبعة أحرف يصطفي ما شاء من لغات القبائل العربية على قسط القرشيين بل أوفق. ومن هنا صح أن يقال: إنه نزل بلغة قريش لأن لغات العرب جمعاء تمثلت في لسان القرشيين بهذا المعنى.وكانت هذه حكمة إلهية سامية فإن وحدة اللسان العام من أهم العوامل في وحدة الأمة خصوصاً أول عهد بالتوثب والنهوض.

ومنها بيان حكم من الأحكام كقوله سبحانه: «وإن كان رجل يورث كلالة أو أمرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس) قرأ سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أم) بزيادة لفظ« من أم » فتبين منها أن المراد بالإخوة في هذا الحكم الأخوة للأم دون الأشقاء ومن كانوا لأب وهذا أمر مجمع عليه.

كقوله سبحانه في كفارة اليمين: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) وجاء في قراءة: «أو تحرير رقبة مؤمنة» بزيادة لفظ « مؤمنة» فتبين بها اشتراط الإيمان في الرقيق الذي يعتق كفارة يمين. وهذا يؤيد مذهب الشافعي ومن نحا نحوه في وجوب توافر ذلك الشرط.