الردة من أكثر القضايا المثيرة للجدل في العصر الحاضر حيث تدعو بعض التيارات إلى ضرورة ان يكون الخروج عن الإسلام في إطار الحرية الشخصية أو حرية الاعتقاد خاصة وان الإسلام يدعو إلى عدم إجبار الناس على الدخول فيه لقوله تعالى:
( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وهؤلاء يسعون إلى تعطيل حد الردة الذي وضعه الإسلام وهو القتل بعد استتابة المرتد وإمهاله ثلاثة أيام وفى المقابل يدعو بعض العلماء الى ضرورة أعمال حد الردة خاصة وان المرتد لا يقتصر ضرره على شخصه وإنما في الغالب يروج لأفكاره الفاسدة المضللة وهذا قد يكون له أسوأ الأثر على غيره.
وكان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قد اصدر قرارا بالسماح للمرتد بأن يتوب طوال حياته والتغاضي عن استتابته خلال ثلاثة أيام كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء بما يعنى عمليا إلغاء حد الردة وقد وصف بعض العلماء هذا القرار بأنه يشجع المسلمين على الارتداد والخروج عن دين الله.
ما هو مفهوم الردة في الإسلام ؟ وما عقوبة المرتد ؟ هل يقتل ويفرق بينه وبين زوجته ؟ ام يترك وشأنه خاصة اذا كانت مخاطر الردة تقتصر على شخصه ولا تؤثر على المحيطين به بمعنى انه لا يقوم بالترويج لأفكاره؟
في البداية يوضح الدكتور محمود مزروعة أستاذ العقيدة الإسلامية بكلية أصول الدين جامعة الأزهر ان الردة تعني الخروج عن الإسلام إلى الكفر موضحا ان الردة لا تتحقق إلا بتوافر أربعة شروط وهى الإسلام والبلوغ والعقل والاختيار.
وان ينوى المرتد على ترك الإسلام والخروج منه وان يكون عالما بأن ما يأتيه من قول ومن فعل مؤد إلى الكفر والى الخروج من الإسلام أما اذا فعل شيئا من المكفرات التي تخرج عن الإسلام وهو جاهل بذلك فإنه لا يعتبر مرتدا حتى ينبه إلى ذلك فإن رجع وتاب فلا شيء عليه وان أصر فإنه يكون كافرا مرتدا.
ويشير إلى ان الردة تتحقق أيضا عندما ينكر المسلم أمرا معلوما من الدين بالضرورة - أي أحد الأمور الأساسية الواضحة والبديهية في الإسلام - موضحا ان الأمر المعلوم من الدين بالضرورة يشترط فيه ان يكون جوهريا ويتعلق بأصل من أصول الدين كالإيمان بوحدانية الله وانه هو الخالق الرازق .
وان يكون الأمر مشهورا وواضحا ومعلوما للجميع وان يكون عاما وشاملا وليس من تفصيلات الشريعة الدقيقة أو الفرعية وعلى سبيل المثال يصبح المسلم مرتدا إذا أنكر شيئا من أسس العقيدة الإسلامية أو اعتقد بحل شيء أجمع المسلمون على تحريمه أو اعتقد بحرمة شيء أجمع المسلمون على حله أو سب النبي أو سب الصحابة أو أمهات المؤمنين أو سب الدين أو سخر منه أو طعن في القرآن أو السنة وكذلك اذا أنكر وجوب الحكم بما أنزل الله.
ويؤكد الدكتور مزروعة ان أخطر أنواع الردة تلك التي لا يكتفي صاحبها بإتيان هذه الأمور أو بعضها وإنما يأتيها ويدعو غيره ويحرضه على إتيانها فمثل هذا الشخص ليس مرتدا فقط بل هو مرتد وداعية إلى الارتداد وهو حرب على الله ورسوله وحرب على الإسلام والمسلمين.
* ثلاثة أنواع
ويحدد انواع المرتدين في ثلاثة أنواع : الأول الذي يكتم ردته في قلبه ويخفى كفره وهذا منافق لا سلطان لأحد عليه رغم انه من أخطر أنواع المرتدين لكن اذا اطلع احد المسلمين على أمره أو ثبت بالبينة أو الشهود أنه مرتد كتم ردته فإنه يستتاب واذا لم يتب يطبق عليه حد الردة أما النوع الثاني فهو المرتد الذي أعلن ردته وجهر بكفره لكنه لم يطعن في الإسلام .
ولم يكذب على الله ورسوله أو يتطاول على الصحابة أو غيرهم وهذا يطبق عليه حد الردة أما النوع الثالث فهو مرتد أعلن كفره وأظهر ردته وجهر بها لكنه لم يقف عند حد الارتداد عن الإسلام بل أعلن عداءه لله ورسوله وأخذ يذيع الافتراءات والأكاذيب على الله ورسوله وسب رسول الله ووقع في الصحابة وسخر بأحكام الإسلام وشرائعه وهذه ردة مغلظة أى انه ارتد ثم اعتدى على الإسلام ورموزه وحارب الله ورسوله وهذا يقع تحت حد الردة.
ويؤكد الدكتور مزروعة ان العلماء أجمعوا على ان الردة جريمة في حق الله ورسوله والمسلمين وان هذه الجريمة لها عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة بينها القرآن كما بينتها السنة النبوية واذا رجع المرتد عن جريمته سقطت عنه العقوبة.
وان تنفيذ العقوبة على تلك الجريمة أمر واجب على الأمة كلها وفريضة شرعية لأنها حق الله مشيرا إلى ان الردة لا تدخل بحال من الأحوال تحت حرية الفكر أو حرية الاعتقاد فالإسلام لا يكره أحدا على اعتناقه ولكل انسان الحرية كاملة في ان يظل على دينه أو يعتنق الإسلام اذا شاء.
ويشير إلى ان المرتد يقتل استنادا الى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) لكنه لا يقتل حتى يستتاب موضحا ان الاستتابة على سبيل الوجوب وليس على سبيل الاستحباب وان طلب التوبة من المرتد يجب ان يكون مرارا وليس مرة واحدة ولا يرتبط بعدد محدد فقد يكون ثلاث مرات أو أكثر من ذلك .
وهذا يعتمد على حال المرتد والشبهات التي يثيرها اي حسب حالة المرتد فإذا كانت حالته تنبئ بخير وانه يراجع نفسه صبرنا عليه وطلبنا منه التوبة مرات أما اذا كان مصرا على ردته ورافضا للتوبة فإن الصبر عليه يعد عبثا ومضيعة للوقت.
ويتفق الدكتور مصطفى امام الاستاذ بكلية اللغة العربية جامعة الازهر مع الرأي السابق في ضرورة تطبيق الحد على المرتد وعدم تجاهله لخطورته على المجتمع مشيرا الى ان قتل المرتد يحمى المجتمع المسلم ويحافظ على تمسكه وإيمانه بعقيدته.
ويحذر من إلغاء حد الردة او الاستجابة للضغوط الغربية التي تسعى لاقرار حرية الكفر في البلاد الإسلامية.
وفى نفس الوقت تعمل على تنصير المسلمين موضحا انه لا علاقة بحرية الفكر وحرية الاعتقاد بقضية الردة فالاسلام جعل للإنسان حرية اختيار العقيدة وحرية الإيمان او الكفر ابتداء لكن من اعتنق الإسلام ليس من حقه الارتداد عنه حتى لا يتحول الدين الى فوضى لمن يدخل ومن يخرج.
ويرى الدكتور مصطفى امام ان مسألة التفريق بين المرتد وبين زوجته أخذت اكثر مما تستحق وعرضت بصورة مبالغ فيها خاصة الدعوى التي رفعت ضد الدكتور نصر حامد ابوزيد للتفريق بينه وبين زوجته وصدر حكما قضائيا يفرق بينهما بالفعل مشيرا الى اعتقاده ان مثل هذه القضية لم تكن لتطرح لو ان حد الردة يطبق في بلادنا لكن مع تجاهل تطبيق حد الردة لجأ البعض الى محاولات تستهدف معاقبة المرتد .
والتضييق عليه بأي شكل من الأشكال لكن دعاوى التفريق كانت سلبياتها اكثر من ايجابياتها خاصة وان بعض التيارات ووسائل الاعلام الغربية استغلت مثل هذه القضايا في الإساءة الى الاسلام وتشويه صورته.
وانتقد قرار مجمع البحوث الاسلامية بجعل توبة المرتد طوال الحياة مؤكدا ان هذا القرار معناه عمليا ابطال حد الردة والغائه وهذا يتعارض مع الاسلام ومع حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - «من بدل دينه فاقتلوه» ويخالف ما اجمع عليه جمهور علماء المسلمين.
*مسألة خلافية
في المقابل يؤكد الدكتور محمد إبراهيم الفيومي عضو لجنة العقيدة والفلسفة بمجمع البحوث الاسلامية بالازهر والأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر ان هناك آراء فقهية كثيرة تعالج قضية الردة ومدة الاستتابة مشيرا الى انه لا بأس بقرار مجمع البحوث الاسلامية بأن تكون الاستتابة مدى الحياة لان هذا القرار يراعى المستجدات التي طرأت على الساحة الإسلامية.
ويضيف قائلا ان هذا الرأي ينسجم أيضا مع الظروف الدولية التي يواجهها العالم الإسلامي في الوقت الحاضر ويعد بمثابة رد عملي على الهجوم الشرس الذي يتعرض له الإسلام على يد الغربيين ووصفه بأنه دين الإرهاب وانه ضد الحضارة.
وأوضح الدكتور الفيومي ان هذا الرأي جاء من منطلق الاجتهاد والترجيح بين الآراء الموجودة في الفقه الإسلامي وليس تغاضيا عن نصوص وردت في القرآن الكريم أو في السنة النبوية مشيرا الى ان قضية الردة مسألة خلافية أى تحتمل الاجتهاد وبالتالي أخذنا بالرأي الذي يلبى احتياجات العالم الإسلامي.
ونفى ان يكون الهدف من هذا القرار هو إلغاء حد الردة مؤكدا ان حد الردة ثابت في القرآن الكريم والسنة النبوية وفى الفقه الاسلامى ولا يستطيع مسلم انكاره.
ويخلص الدكتور الفيومي الى القول ان الدعوة الى ان تكون هناك حرية في مسألة الارتداد بحيث يرتد من شاء ويدخل في دين الله من شاء امر مرفوض في الإسلام موضحا ان الإسلام أعطى الإنسان الحرية في اختيار الإيمان او الكفر منذ البداية يقول تعالى: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» لكنه لا يبيح للمسلم ان يترك دينه او يرتد عنه بعد دخوله فيه.
واشار الى ان القضية التي نختلف حولها ليس الردة في حد ذاتها وإنما طريقة معاقبة المرتد وما اذا كانت في مصلحة الإسلام والعالم الاسلامي في الوقت الحاضر أم ليست في مصلحته .
مؤكدا ان القول بقتل المرتد والتفريق بينه وبين زوجته ضرره اكثر من نفعه ولذلك فضلنا ان نتيح الفرصة للمرتد ليتوب طوال حياته فربما يراجع نفسه ويعود الى حظيرة الاسلام وتنتهي المشكلة خاصة واننا اذا راجعنا التاريخ على مدار نصف القرن الماضي نجد شخصيات كبيرة خدمت الاسلام لكن كانت لها شطحات تكفى بالحكم عليهم بالردة ثم تراجعوا عن شطحاتهم تلك دون ضغوط من احد.
* ليس ارهاباً
ويرى الدكتور عبدالغفار هلال الاستاذ بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر ان الإسلام اقر مبدأ عاما يتمثل في قوله تعالى: «لا اكراه في الدين» وبالتالي فالإنسان له الحرية في ان يعتنق دين الله او لا يعتنقه وليس من حق المسلمين إغراءه بالدخول في دينهم بمال او جاه او نحو ذلك وإنما كل ما في الأمر يعرضون عليه حقائق الدين والأدلة والبراهين والقرار النهائي يرجع اليه.
ويشير الى ان الاسلام يرفض ما يلجأ اليه بعض المبشرين من أبواب خلفية لإغراء الناس على الدخول في النصرانية فهم يستغلون فقر الناس ومعاناتهم ومرضهم ويقدمون إليهم المساعدات في مقابل تغيير عقيدتهم وملتهم. ويؤكد الدكتور هلال ان قتل المرتد ليس إرهابا .
وإنما هو تحصين للعقيدة وتخويف ذوى النفوس الضعيفة خاصة المسلمين الذين يعيشون بعيدا عن ديار الإسلام في مجاهل إفريقيا وفى آسيا وأوروبا لان هؤلاء من السهل على المنصرين ان يجعلوهم يغيروا ملتهم باستغلال الضغوط الاجتماعية والنفسية التي يعانون منها.
ويحذر من تجاهل تطبيق حد الردة لان هذا التجاهل سوف يؤدى الى كثرة عدد المتجرئين على دين الله والذين يحاربون العقيدة الاسلامية ويعملون على هدمها معربا عن رفضه للدعاوى القضائية التي يرفعها البعض للتفريق بين المرتدين وبين زوجاتهم لأنه من الأفضل ترك الأمر كله للقضاء ليقول كلمته والاهم ان يتم تطبيق حد الردة.
ويضيف يجب ان نفرق في الردة بين من رسخت عقيدته وبين من يجهل أمور دينه فالأخير يجب ان نعمل على توعيته لأنه اذا تعلم دينه فلن يرتد عنه مؤكدا على ضرورة محاربة الفكر الشاذ والمذاهب المتطرفة والعمل على حماية العقيدة من التيارات التي تدعى الاستنارة وهى في الحقيقة تعمل على هدم الإسلام.
القاهرة ـ ضياء الدين أحمد