هو عالم بارز من علماء الفتوى والقضاء والتفسير، كان مولده يوم السبت السادس من مايو سنة 1890 ميلادية بباب الفتوح بالقاهرة المعزية، وحفظ القرآن كله وجوَّده على شيخ القراء في عصره المرحوم الشيخ محمد علي خلف الحسيني، بالجامع الأزهر.
وتلقى أول تعليمه على والده العلامة محمد حسنين مخلوف، المالكي مذهباً، العدوي منشأ، إذ كانت الأسرة مقيمة بقرية بني عدي، مركز منفلوط، مديرية أسيوط، تلك التي تركها الوالد محمد حسنين مخلوف ليطلب العلم في الأزهر، ويترك فيها إخوته الثلاثة للزراعة، وهم عبدالرحمن وحسني وحسين، وقبيلة بني عدي التي استوطنت هذه القرية، هي قبيلة عربية نزحت من قديم من شبه الجزيرة العربية .
وتنتسب إلى سيدنا عمر بن الخطاب لذلك فإن القرية كلها أخلاقها عربية، لحمتها المروءة وسداها العفة والشرف فلا فسق ولا عصيان، ويمكن أن يمضي الشخص ثلاثين عاماً أو أكثر في صداقة مع زميله ولا يرى زوجة صديقه، ولا صديقه يرى زوجته، وازدانت هذه القرية بشمائل العروبة والإسلام إلى اليوم..
وليس الشيخ الوالد محمد حسنين مخلوف هو أول أهل العلم في القرية، ولكن القرية كان بها أيضاً من قبل الشيخ أحمد العدوي، والشيخ أحمد الدرديري العدوي، وكان الشيخ العدوي عالماً كبيراً وولياً من الأولياء.
وكذلك الشيخ أحمد الدرديري العدوي كانت له مؤلفات تقرأ بالأزهر، من بينها أقرب المسالك لمذهب مالك، وتحفة الإخوان في آداب أهل العرفان، ورسالة في طريقة حفص في القراءات، وأخرى في تشابهات القرآن.
وعرف عن الشيخ الدرديري هذا دفاعه عن المظلومين، إذ روى الجبرتي عن الشيخ الدرديري هذا ابن قرية بني عدي أنه عندما اعتدى أحد أتباع الحاكم المملوكي عام 1200 هجرية على منزل أحمد سالم الجزار بالحسينية ونهب هو ورجاله كل ما به من متاع، وأخذ حلي النساء فثار أهل الحي وذهبوا إلى الجامع الأزهر، مسلحين بالنبابيت وصعد منهم جماعة إلى أعلى المسجد يدقون الطبول واستجاروا بالشيخ الدرديري فقال لهم:
«في غد نجمع أهالي الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة، واركب معكم وننهب بيوتهم كما نهبوا بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم».. فلما كان بعد المغرب، حضر الحكام وذهبوا إلى الشيخ الدرديري وتكلموا معه، وخافوا من تفاقم الحال وقالوا للشيخ الدرديري: اكتب لنا قائمة بالمنهوبات ويأتي بها من محل ما تكون واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة».
. وكان الشيخ الدرديري شيخاً وإماماً على المالكية، إذ كان لكل مذهب شيخ يرجع إليه أهل المذهب فيفتيهم، ولكن الدرديري كان مع امامته على المالكية شيخاً لأهل مصر جميعا، فضلاً عن نظارته على وقف الصعايدة.. والوالد الشيخ محمد حسنين محمد علي مخلوف وكان من كبار علماء الأزهر، وتميز الوالد بشهوده لأحداث جسام، فقد عين أميناً لمكتبة الأزهر.
وتوثقت صلته بالإمام محمد عبده، وأول من اختير بهيئة كبار العلماء، وكان قد تلقى العلوم على أيدي أعلام كبار أمثال الشيخ حسن الطويل، والشيخ محمد أبوخطوة، والشيخ أحمد الرفاعي الفيومي، والشيخ محمد خاطر العدوي والشيخ حسن داوود والشيخ محمد عنتر المطيعي، والشيخ أحمد شرقاوي الخلوتي وغيرهم..
ومن هنا جاء الابن الشيخ حسنين وقد غذي بلبان العلم، فخالط لحمه ودمه، وجرى حب الفقه والفهم مع نسائم روحه لتملأ أركان كيانه كله، تلقى علومه بالجامع الأزهر على الشيخ عبدالله دراز والشيخ عبدالهادي مخلوف والشيخ علي إدريس العدوي .
والشيخ عبدالفتاح المكاوي والشيخ محمد الطوخي، والشيخ يوسف الدجوي والشيخ عبدالكريم عطا والشيخ محمد راضي البحراوي والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ أحمد نصر الفذي، والشيخ محمد البيجيرمي والشيخ عبدالمعطي الشرشيمي وغيرهم من مشاهير علماء الأزهر الشريف..
ولما أتم دراسته العلمية بالأزهر، تلقى علم الحساب والجبر بمسجد المؤيد وأكمل دراسته بجد واجتهاد والتحق بالقسم العالي بمدرسة القضاء الشرعي، وكانت في ذلك الوقت تابعة للأزهر.
ودرس فيها العلوم الشرعية ومختلف العلوم الحديثة لمدة أربع سنوات نال بعدها «الشهادة العالمية» وقد أدى الامتحان أمام اللجنة العالمية الكبرى المؤلفة برئاسة المغفور له الإمام الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر وعضوية المغفور لهم الشيخ بكري الصدفي، مفتي الديار المصرية سابقاً، والشيخ عبدالكريم سلمان عضو المحكمة العليا الشرعية.
وبعد الامتحان نال تقدير اللجنة وحسن ثنائها ومنحته العالمية من الدرجة الأولى بتفوق عظيم في صيف سنة 1914 ولم يتجاوز عمره الرابعة والعشرين..
ولأن الشيخ حسنين محمد مخلوف تمتع بنزعة طبيعية إلى التدريس، فقد تطوع بإلقاء الدروس في الأزهر حيث درس المنطق وآداب البحث وعلم الفلسفة وعلم الأخلاق طيلة عامين، حتى عين قاضياً في المحاكم الشرعية في شهر يونيو 1916 ميلادية ومازال يرقى في القضاء من درجة إلى درجة حتى عين رئيساً لمحكمة الاسكندرية الشرعية بعد محكمة طنطا الشرعية.
ومنح أثناء ذلك كسوة التشريفة العلمية من الدرجة الثانية.. ثم عين نائباً لرئيس المحكمة الشرعية العليا عام 1944 وبعد ذلك اختير مفتياً للديار المصرية عام 1950 خلفاً للشيخ الإمام عبدالمجيد سليم الذي اختير ليتولى مشيخة الأزهر، ولما ضغطت الحكومة ميزانية الأزهر ثار ثورة عارمة وقال كلمته المشهورة: (أتقتير هنا، وإسراف هناك؟!) .
واستقال من المشيخة عام 1951 ثم عاد إليها عام 1952 ثم استقال لأن حكومة الثورة أرادت أن تفرض عليه قيادات بالأزهر لا يرى أنهم أهل لهذه المناصب، وحاول الوزير فتحي رضوان في وزارة الثورة أن يراجعه ويثنيه عن الاستقالة فرفض؛ وظل على رأيه.. وحينما تقاعد شيخنا الإمام حسنين محمد مخلوف، اختير كذلك ليرأس لجنة الفتوى بالأزهر!
وقد كان سبق اختياره عام 1928 مفتشاً عاماً للمحاكم الشرعية، ومن ثم توثقت صلته بوزارة الحقانية ووزيرها علي باشا ماهر، مما ساعده على إعداد مشروع اصلاح قانون المحاكم الشرعية وقانون المجالس الحسبية..
وفي هذا الوقت تولى تدريس الشريعة الإسلامية في قسم التخصص بمدرسة القضاء الشرعي، كما واظب بعد تقاعده وحتى وفاته على إلقاء دروس علمية بالمشهد الحسيني، وكان لدروسه أثر كبير في استمرار الروح الأزهرية الأصيلة التي آلت على نفسها أن يضيع العلم ودروسه في بلد الأزهر، فكان العلم في قلوب أبناء الأزهر كالغيث يروي العطاش، وتبحث عنه القلوب المتطلعة إلى هذا الإرواء، ويجد العلماء كل سعادتهم في العطاء العلمي دون نظر إلى طلب الثمن.
وكم من عالم من علماء الأزهر بمجرد حصوله على العالمية، يعود إلى مواطنه يعمل بالزراعة، ويبث ما تعلمه بالأزهر في آفاق موطنيه، فوراً وهدى وإصلاحاً في المعاملات والأخلاق والعقائد وإيقاظاً للهمم، وكان ذلك يتم لأن شعوراً عاماً كان سائداً، يضع الأجر الذي يتلقاه العالم عن وعظه وتعليمه في دائرة المحرمات .
أو على الأقل المكروهات كراهة تحريم، فمن ثم كان العالم بمجرد اجتيازه العالمية يبحث عن سبيل لنفسه لأداء الأمانة التي يحملها إلى أهلها الذين هم في حاجة إليها، كما أنه في حاجة إليهم ليتخفف من العبء الذي يثقل كاهله؛ وهكذا كان شيخنا الفاضل، الشيخ حسنين محمد مخلوف..!
ولم يكن يحرص على إلقاء الدروس العلمية بالمساجد وانتهى الأمر، وإنما كان الشيخ علي الغاياتي صاحب جريدة «منبر الشرق» قد خصص له باباً في الجريدة يرد فيه على تساؤلات القراء التي ترد على الجريدة سماه (باب الفتاوى) فكان ذلك نفعاً كبيراً لجماهير المسلمين.
لأن الإجابات كانت من عالم مؤهل لكي يفتي الناس ويعلمهم مسائل دينهم، ومن أجل ذلك جمعت هذه الفتاوى وتم طبعها في جزئين، تحت عنوان: «فتاوى شرعية وبحوث إسلامية» كي ينتفع بها المسلمون في كل مكان..
ولمكانه في الفتوى والصحافة، لجأت إليه كثير من المجلات الإسلامية والصحف السيارة ليجيب لها هي الأخرى عن تساؤلات القراء الدينية.
ولجأت إليه هيئات دينية كثيرة ليكون عضوا بها أو رئيساً فخرياً أو حتى عضواً بمجالس مستشاريها، غير أنه كان لا يرحب إلا بما يمكنه من التعليم والارشاد، اللهم إلا ما ثبت أنه اختير عضواً تأسيسياً برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضواً مؤسسا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وأتاحت له الفرصة لتقديم الكثير من البحوث والدراسات والرسائل العلمية للجامعة، التي حظيت بكل عناية واهتمام ولم تكتف الجامعة بالحفاوة بها والاحتفاظ بها وانما نشرتها في سائر البلاد الإسلامية، ومن أجل التاريخ المشرف لشيخنا الفاضل، والبحوث المحققة الوافية، منح جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لمجهوداته العلمية الفائقة..
ومن الأبحاث التي نالت القبول والحظوة من مسلمي العالم والمراكز العلمية:
1- «كتاب المواريث في الشريعة الإسلامية».
2 «كتاب القرآن وفضله العظيم وآداب تلاوته وسماعه».
3 «صفوة البيان لمعاني القرآن» الذي وقع الاختيار لنشره بمعرفة اللجنة الوطنية لاحتفالات القرن الهجري الخامس عشر في 25/1/1981 في أبوظبي.
4-«كتاب شذرات ذهبية من وصايا وأحكام إسلامية».
5 «كتاب الرفق بالحيوان» الذي كتبه في صدر حياته.
6-«رسالة في وصايا نبوية شريفة».
وكما قام بتحقيق الكثير من الكتب الفقهية والأحاديث النبوية أهمها:
1- تحقيق كتاب «شرح الشفا في شمائل صاحب الاصطفا» صلى الله عليه وسلم للإمام الفقيه الحجة نور الدين القاري الشهير بـ علي القاري، وهو في خمسة أجزاء، اشتملت على كل ما يتصل بسيرة سيد المرسلين، من صفاته ومعجزاته وأعماله وأحاديثه وفضله على سائر المخلوقات.
2- تحقيق كتاب «عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين» لشيخ القراء والمحدثين الإمام محمد ابن الجزري الدمشقي وهو شامل للأحاديث المتعلقة بفضل الذكر وفضل الدعاء وأوقات الإجابة وما يقال في الصباح والمساء والطهور والمسجد والآذان وما يتعلق بالحج والعمرة والصوم والزكاة وكل ما يتعلق بالإنسان وما يتعرض له من عوارض وبالأذكار.
علي عيد