كان محمد لطفي جمعة، المحامي والأديب والصحافي المصري، واحداً من كبار العاملين في الحركة الوطنية المصرية من خلال الحزب الوطني خلال النصف الأول من القرن العشرين. وهو عرف باهتماماته السياسية والاجتماعية والفلسفية في الوقت نفسه، ما جعله واحدا من أبرز رواد الفكر الليبرالي المصري الذي كان يعد بالكثير خلال ذلك الزمن.

ولقد دون جمعة مذكراته ويومياته التي تحدث فيها عن حياته منذ ولادته العام 1886، وحتى العام 1937، فجاءت أشبه بسجل للحياة السياسية والفكرية في مصر خلال تلك الحقبة. ولعل الفصل الثاني الذي يتحدث بإيجاز عن لقاء لجمعة مع المهاتما غاندي على متن سفينة راسية في بورسعيد، يشكل واحدا من أطرف فصول الكتاب وأكثرها حملا للدلالات.

يروي لنا محمد لطفي جمعة في مذكراته، إذن، كيف التقى المناضل الهندي المهاتما غاندي على متن الباخرة «راجبوتانا» في ميناء بورسعيد، حيث قضى في صحبته ثماني ساعات «كانت أسعد ساعات حياتي» كان الزعيم الهندي في طريقه إلى حضور مؤتمر الطاولة المستديرة، وفي صحبته عدد من أعيان الهند ورؤسائها وأصحاب الفكر فيها.

حدث ذلك في الرابع عشر من سبتمبر من العام 1931. وإذ يقول لنا جمعة ان الباخرة وصلت عند الثالثة صباحا وألقت مرساها على رصيف الميناء المصري في قناة السويس، «انتابني قلق وخوف من عدم تحقيق الأمل برؤيته».. لكن الأمر لم يطل إذ سرعان ما دعي جمعة للصعود الى الباخرة فصعد.

وفي حوالي الثالثة والربع ظهر غاندي فجأة ومعه المس سليد. وإذ يصف جمعة هذا الظهور لا يخفي علينا انه دهش دهشة عظيمة لرؤيته «فقد كانت رؤيته بالنسبة لي أملا عظيما تحقق عندي.وبعد أن أفقت من نشوة لقائه شدني إليه شدة آسرة وقوة جاذبيته النادرة.

* سمات شخصية استثنائية

لعل أول ما فاجأ محمد لطفي جمعة عند اللقاء هو أن وجه غاندي وثيابه بدت مخالفة للحقيقة، و«لكافة الصور الفوتوغرافية التي شاهدناها والأوصاف الكتابية التي قرأناها» بدا غاندي لمفكرنا المصري أشبه بأي قروي في أية قرية من قرى الوجه البحري.

او القبلي في مصر، لكنه نظيف جدا واعتقد انه في منتصف الحلقة السابعة من العمر، رأيته حليق الرأس وقد شاب شعره، وعيناه الصغيرتان سوداوان يبدو فيهما الذكاء والألم وتتجلى فيهما الزهادة والإعفاء عن كل شيء من أعراض هذه الحياة الدنيا».

وإذ بدأ غاندي يتكلم لاحظ جمعة، حسب ما أخبرنا ان في عينيه بريقا خاطفا كأنه نور النهار الذي يضيء ظلمات المحيط ليكشف الطريق للسفن الحائرة في خضم الأمواج» أما أذناه فكبيرتان ما يدل على قوة حاسة السمع لديه. أما بالنسبة الى ملابس غاندي فان ما يصفها به جمعة وحتى وان كان أدهشه لا يخرج عن نطاق الصورة الأسطورية التي تعرف:

لا يستر غاندي جسده الا بقطعة من قماش القطن، وكل هذا جعله في جلسته يشبه بوذا، لأن جليسه يرى قدميه ظهرا وباطنا، ويداه مشغولتان بالغزل على مغزل يدور، مفروشا على الأرض أمامه: يده اليمنى تدير العجلة واليسرى تهر الخيوط.

يقول جمعة: إن كل ما نعلمه عن غاندي مسبقا بالدرس أو بالقراءة يتجلى حقيقة عند رؤية الرجل كحقائق مادية واقعية ثابتة. ومن هنا» ينشأ لديك شعور كأنك تعرفه وتحبه منذ قديم الزمن».

وإذ ينتقل جمعة إلى وصف داخلي لغاندي يقول لنا ان «مخ هذا الرجل أداة من أعظم أدوات الخليقة انتظاما وتركيبا ويمتاز بمظهرين هما العقل وقوة الإرادة. ومما لا شك فيه انه شديد الذكاء والدهاء. انه الرجل الذي وصفه نيتشه وتخيله وتبنى وجوده. وفي ذلك تكذيب للفلسفة المادية». ويرى جمعة انه بما ان الشرق «مصدر النبوات ومهبط الوحي الإلهي، فقد أراد الله سبحانه وتعالى ان يظهر السوبرمان هذا في الشرق».

فعم تحدث الرجلان خلال ذلك اللقاء الفريد؟

تحدثا عن الاستعمار الانجليزي وعن المجابهة باللاعنف على طريقة راما كريشنا. وكانت النتيجة أن غاندي الذي اصطدم بأعظم قوة في العالم، صار غصة في حلق بريطانيا وشوكة في جنبها. ولأن غاندي الذي ناضل في سبيل أبناء وطنه وفي سبيل الإنسانية لم يكن يريد شيئا لنفسه، صار «اكبر من العالم يهزأ من قوة المادة، لا احتقارا لها ولا استخفافا بها، ولكن لأنها لا تناله ولا تؤثر فيه ولا تغلبه ولا تقهره.

قال غاندي لجمعة ان «الفرق بين القرون الوسطى والقرن الحديث هو ان دولة مثل انجلترا لا تقتله رميا بالرصاص، مع إمكان ذلك، وان الانجليز لا يفعلون ذلك بدافع الإنسانية والعطف.

ولكن لأنهم يؤمنون بأن إعدامه سوف ينتج العشرات من أمثاله» هنا قال جمعة لغاندي «ربما كانت هذه فكرة وهمية أو خاطئة لأنك لست فقط نتاج الظلم أو الضغط بل أنت مكون من عناصر روحية، ولكن الانجليز يتوهمون انه ربما يكون في بلاد الهند التي أخرجتك شخص أو أشخاص يشبهونك. فقال غاندي أن هذا صحيح إلى حد ما.

* سلاح المقاومة الحقيقي

وأضاف غاندي قائلا عندما حدثه جمعة بأن المصريين يهتمون بأحوال الهند، عن مؤتمرات مشتركة اكتشف خلالها أعجاب سياسيين هنود كبار بمصطفى كامل، أضاف «إنكم في مصر تشبهون الهنود في جهادكم ضد مبادئ الإمبراطورية البريطانية، وان كان احترام الانجليز في بلادنا ارسخ وتاريخهم أطول وصفحتهم أكثر سوادا.

لذلك يجب عليكم في مصر ان تستنيروا بحركتنا كما نحن في الهند نستنير بحركتكم. فإن زعماءنا كثيرا ما ضربوا المثل بالاتحاد بين المسلمين والأقباط عندكم في مصر ودعوا امتنا من هندوس ومسلمين الى مثل هذا التصرف في الهند». ولقد قال غاندي عن مسلمي الهند أنهم «إخواننا وأصلنا وأصلهم واحد ولا يوجد غزاة منهم الآن.

وزعماؤهم العاملون في السياسة أصدقائي وشركائي في الجهاد أمثال محمد علي وأخيه شوكت علي وعشرات غيرهما. وكلنا نفهم خطر الانقسام بيننا فانه لا يستفيد به الا خصومنا وأعداؤنا».

بعد ذلك حدث غاندي جمعة عن المسائل المعضلة التي يعانيها عقله، وهي مسألة الملح وسياسته التي قام بها وقبضت عليه الحكومة بسببها في مايو العام الماضي. كما تحدث عن رأيه في العنف والجرائم السياسية مستنكرا إياها قائلا «أنا لا املك من السلاح إلا سلاح العصيان المدني.

واستراتيجية عدم التعاون، ومقابلة الخير بالشر وإنكار العنف ولكن شرط ان لا يبلغ إنكار العنف مستوى الجبن. أما سلاحي الآخر فهو الصوم عن الكلام يوما في الأسبوع، وهو يوم الاثنين والصوم تكفيرا عن ذنوب أتباعي، والصوم إذا حصل خلاف بيني وبين السلطة».

وأضاف غاندي فيما يشبه الوصية: «ان عطية الحرية العظيمة لن تنالها امة بالإحسان والتصدق، إذ ان علينا ان نستحقها قبل ان نقتنيها. وستأتي للهند فرحة اكتسابها عندما نثبت لذلك الشعب الذي يحكمها بحق الفتح ان أخلاقنا أسمى من أخلاقه، وان عندنا من الرجولة ما يجعلنا نكف عن معاملة المحتلين المحتلين حتى يرحلوا عن بلادنا».