نعم الله على خلقه لا تعد ولا تحصى، فقد خلق الله الإنسان وهيأ له جميع السبل، التي يحافظ بها على وجوده وبقائه، وسخر لخدمته كل ما عداه من كائنات، ولعل ما يحفظ به على وجوده وقوته الغذاء، فيبعد به شبح الجوع.

وليس غريبا ان يقدم الله سبحانه وتعالى أمن الجوع على الأمن من الخوف في قوله: «فآمنهم من جوع وآمنهم من خوف». وقد زين الأرض بأنواع النباتات المختلفة التي تمد الإنسان بغذائه، وجعل في كل فصل من فصول السنة أنواعا خاصة به.

وبدأت رحلة الإنسان مع زراعة الأرض بما وفقه الله إليه، وأخذ يطورها ويعتني بمزروعاته ليظفر بإنتاج وفير، ونوعية جيدة، فارتسمت طرق ومناهج وأساليب من خلال تجاربه التطويرية فرسخت في الواقع المعاش تلك الطرق، فسجلها العلماء في مصنفاتهم، ليستفيد غيرهم من تجاربهم.

ومن المصنفات التي تهتم بهذه الأساليب والطرق كتاب «جامع فرائد الملاحة في جوامع فوائد الفلاحة»، الذي يكتسب أهمية كبري في تاريخ الزراعة وعلومها.

مؤلف هذا الكتاب ومصنفه محمد بن محمد بن أحمد رضي الدين، أبو الفضل، الغزي، شيخ الإسلام، ولد ونشأ في دمشق، تركه والده ملبيا نداء ربه صغيرا، مسنداً الوصاية إلى شيخ الإسلام زين الدين خطاب بن عمر الغزاوي الشافعي، فرباه أحسن تربية.

وكفله أجمل كفالة، إلى أن ترعرع، فشمر عن ساق الجد والاجتهاد، سالكا مسالك العلم والرشاد، فبرع في الفقه والحديث والقرآن والعربية، فقطع عمره في العلم طلبا وإفادة وجمعا وتصنيفا، أفتى ودرس، وولي القضاء، ومن مصنفاته:

الدرر اللوامع نظم الجوامع، في أصول الفقه، وألفية في اللغة، نظم فيها فصيح ثعلب، ومختصر في علمي المعاني والبيان، سماه الإفصاح عن لب الفوائد والتخليص والمصباح، وجامع فرائد الملاحة في جوامع فوائد الفلاحة.

وغير ذلك، فمن قائمة مصنفاته نستمد القول إن الرجل كان موسوعة علمية، نهل من علوم عصره، واستوت في ذاكرته على سوقها، وجنى منها ثماراً أينعت في مؤلفات لايزال الطلبة يتهافتون عليها إضافة إلى أنه كان رائق الشعر، فائق النظم.. فمن شعره:

ما كان بكر علومي قط يخطبها

إلا ذوو جدة بالفضل أكفاء

وغض منه ذوو جهل معاندة

والجاهلون لأهل العلم أعداء

* المخطوط

يعد هذا الكتاب من الكتب التي يعول عليها في علم الفلاحة كما قال عنه منصفه في ديباجته، لاشتماله على بديع شؤون الملاحة في صنيع فنون الفلاحة، اذا يتعرض فيه إلى العمليات الزراعية التي لا يستغني عنها كل مشتغل في هذه المهنة، فمن العلوم التي وضعها بين أيديهم: تركيب الأشجار وتطعيمها، وعلاج علل الأرض والنبات، ودفع سائر الآفات.

ووضع كل ما يغرس ويزرع في أوانه بالنسبة إلى أيامه ومكانه، ومعرفة التلقيح والتذكير والكسح والتثمير وحرث الأرض وقلبها وكيفية زرعها ونصبها وتعميرها بما يناسب من الأسمدة والأرماد والأتبان، وترتيب السقي في سائر الأحيان، وحفر الآبار والأنهار وصفات العمال في جميع الأعمال، ووضع الطلسمات وادخار الفواكه والأقوات، وإمارات الخصب وعلامة الجدب. ولابد من التنويه انه ذكر في أثناء ذلك كله خصائص كل نبات وفوائده الطبية.

وطرق استخدامه دواء، مما يعني ان الكتاب إضافة إلى كونه في العلوم الزراعية، يمكن ان يكون من الكتب الطبية، قسم المؤلف كتابه هذا إلى ثمانية أبواب، وقسم كل باب إلى فصول، الباب الأول، في الأرض، وفيه ثلاثة فصول، الأول في معرفة أنواع الأرض الجيدة والرديئة ما يصلح منها للنبات وما لا يصلح. والثاني في حرثها وإفلاحها وقلبها وإصلاحها.

والثالث في تعمير الأرض بالزبل والأرمدة والأتبان. أما الباب الثاني: في السقي، وقسمه إلى ثلاثة فصول، الأول في حفر السواقي والآبار ومعرفة استنباط الماء من الأرض، الثاني في كيفية السقي، وما لا يحتمل الكثير منه والمتوسط والقليل وما لا يحتمله، الثالث في معرفة ما يسقى بالأمطار ومعرفة حال السنة في كثرته وقلته. والباب الثالث في الأشجار، وقسمه إلى ثلاثة فصول:

الأول في معرفة الغراس وقوانينه وكيفيته، الثاني في كيفية غرس كل نوع من الأشجار على انفراده ومنافعه وما يختص به، الثالث: في تقليم الأشجار، وكسحها وما لا يحتمل ذلك منها وفي تذكيرها وتحسين حملها وحفظه. وفي الباب الرابع أنواع التراكيب.

وهو أحسن الأبواب وأعجبها، وقسمه إلى أربعة فصول، الأول في أنواع التركيب وضروبه، الثاني فيما ينشب بعضه في بعض مما يظهر له أثر، الثالث في الأشجار المتحابة والمتنافرة والمتوافقة والمتضادة وعلاج عللها ودفع ما يضيرها، والرابع: في تشكيل الفواكه وغيرها واكتسابها المنافع الغريبة والصفات العجيبة.

الباب الخامس في الحبوب المقتاتة وغيرها والبذور واختيارها، وقسمه إلى خمسة فصول، الأول في وقت زرع كل منها وحصاده واختياره وما يوافقها من الأرض ويحفظه، الثاني في ذكر الحبوب المقتاتة ومنافعها على التفصيل، الثالث في زراعة المنابت ذوات البذور المستعملة في الأطعمة وبعض الأدوية، والرابع في البقول ذوات الأصول المستعملة، والخامس في البقول المقالي وما يشبهها مما يثمر في رؤوس قضبانه.

أما الباب السادس في أصناف الرياحين والأحباق والأزهار ونحوها، والباب السابع في طلاسم ودخن وخواص وملح ومعرفة الأيام والشهور والفصول، وأحوال السنة، وقسمه إلى ثلاثة فصول: الأول في الطلاسم ونحوها، والثاني في الدخن والخواص العجيبة، والثالث مما يعلم حال السنة من غلاء الحبوب ورخصها والأيام والشهور والفصول.

الباب الثامن في إدخال الحبوب والبذور والفواكه اليابسة والطرية والقطان وبعض الخضروات والعصير والخل والمخللات والملوحات والخمير وماء الورد..

وقسمه إلى خمسة فصول، اشتملت على إدخال الفواكه الرطبة واليابسة، إدخال الحبوب المقتاتة والبذور والزرايع وبعض الخضروات، المخللات والملوحات والكوامخ والمري والحلول وعصير العنب والدبس والزيت. وإدخال الورود وماء الورد وتطييبه ونحوه من المياه العطرة وزوال عللها وحفظها وكيفية استخراجها وفي فوائد منثورة وفرائد مأثورة بها يتم الكتاب.

وقد اعتمد المؤلف في جمع كتابه هذا على مصادر متعددة، لم يذكرها في ديباجته، أو مقدمته كعادة المؤلفين والمصنفين، إلا أننا تلمسنا مصادره التي اعتمد عليها في أثناء كتابه، فمنها الكتب المتخصصة بالفلاحة، ككتاب ابن العوام الفلاحة النبطية، وكتاب ابن وحشية وغيرها، ومن الكتب المتخصصة بالأدوية ومفرداتها وأنواعها، ككتب جالينيوس.

والشريف الصقلي، وابن البيطار، وابن زهر وغيرهم، إضافة إلى ما أورده من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلقة بنوع النبات الذي يعرض له ويتحدث عنه وعن خصائصه. وقد كان يذكر الكتاب أحياناً، ويذكر عبارة صاحب كتاب كذا، أو يذكر اسم المؤلف خلوا من اسم كتابه أحياناً أخرى. ونثبت فيما يأتي نموذجاً من كتابه «السماق:

يوافقه الجبال والصخور والأرض الصلبة ويرتفع قدر ثلاثة أذرع، ويزرع حبه بعد أن يغسل بالماء في الأحواض والأرض المعمورة، ويعمل من حبه خبز بعد نقعه، والسماق منه خراساني ومنه شامي وهو آخر، والخراساني أحمر ويصلح لما يصلح له الورد الأفاقيا.

وإذا طبخ قوم طبيخة صلح لما يصلح الحضض، وهر بري وبستاني، ومنه أبيض لا يحتاج إلى كثرة عمارة وزبل، ومنه البعل ومنه السقي، وينقل من البر إلى البساتين فينجب، وأجوده الحديث الأحمر، وهو بارد في الثانية وقيل في الأولى، يابس في الثالثة، قابض مقوي يمنع النزف، وقال اندراوس:

إذا هز في خرقة وعلق على من به سيلان الدم من أي عضو كان من جرح أو رعاف أو نزف أو بواسير أو مخرج وإن بمائه في بيت هربت منه البراغيث.

ويمنع انصباب الصفراء إلى الأحشاء ويمنع الغثيان الصفراوي ويشهي الطعام، وماؤه يقوي البصر إذا اكتحل به ويسكن العطش وينفع الدوسنطار والسجح احتقاناً ... الخ». ومن الجدير بالذكر أن عبدالغني النابلسي قد اختصر هذا الكتاب تحت عنوان: الملاحة في علم الفلاحة».

عبدالقادر أحمد عبدالقادر

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث