مطبوعة أخرى نشق لها طريقاً نحو الوعي الصحي والاهتمام بصحة الناس، منتصف القرن التاسع عشر وما بعده، لذلك كان اسمها دليلاً على هذا التوجه. إنها مجلة «الشفاء» ذات الإصدار الشهري التي أسسها في القاهرة شبلي شميل، صدر عددها الأول في 40 صفحة بتاريخ جمادي الآخر 1303هـ ـ 15 فبراير 1886.

وشبلي شميل طبيب بحاثة، عشق الفلسفة علماً وحياة، ولد في لبنان وتعلم في الجامعة الأميركية ببيروت، ثم انتقل إلى مصر، كان يندد دائماً بالظالمين مسخراً لسانه وقلمه لهذا الهدف النبيل. له مؤلفات في الطب والفلسفة والنظم، توفي في القاهرة عام 1917.

حين اقتفينا أثر الأعداد الأولى لهذه المجلة لم نعثر سوى على أعدادها في السنة الثانية من تاريخ صدورها التي جاء في غلاف إحداها أن المجلة زادت عدد صفحاتها إلى ثمانية أخرى من دون زيادة في سعر البيع. كما جاء في الديباجة أسماء الأطباء الجدد الذين يساهمون في تحرير المجلة.

من الطبيعي أن تتحدث هذه النوعية من المجلات عن الأمراض المنتشرة آنذاك، لذلك وجدنا مقالة من كتاب دليل المحتاج للدكتور سالم باشا سالم كتب فيها عن ميكروب التيفوس وبعض المشاهدات في السكتة الدماغية.

كذلك يوجد بحث مصغر عن الحمى الصفراء وتلقيحها الواقي، بالإضافة إلى مبحث، قيل انه مهم، بعنوان «تدبير المرض بالوسائل الصحية» تحدث عن علاقة الإنسان بالوسائل الصحية البدائية التي كان يلجأ إليها في عصوره الغابرة مثل إيقاد النار تحت دثار المريض والاستحمام بالماء البارد.

الطريف أن المقال تحدث عما يسمى هذه الأيام ب«الموت الرحيم» الذي مورس في الماضي السحيق من باب تخفيف عذاب المريض الميؤوس من علاجه.

كما تضمن العدد الرد على استفسارات القراء عن الأمراض وطرق العلاج والوقاية، مثل كيفية شفاء الفتق بالكهرباء، وكذلك شرح تفاصيل ميكروب الالتهاب الحلقي الغشائي، والتجارب العديدة التي خاضها العلماء من أجل مكافحة هذا الميكروب.والملاحظ أن الردود تارة تحمل توقيع طبيب متخصص، وأخرى يقدمها مطلعون على علم الأمراض.

ومن أكثر الأبواب غزارة في مادته باب الأخبار الطبية الذي اشتمل على عدد من المعلومات المهمة، منها وباء الهواء الأصفر وكيف انه بدأ في إيطاليا 1885، موقعاً الكثير من الضحايا في مدنها، ثم امتد إلى بعض دول أوروبا، وأيضاً ثمة معلومة عن علاج الكواتر بحقن اليود الذي ابتكره لوتون عام 1863، وشاع استعماله في سويسرا وانجلترا وألمانيا وفرنسا، ثم قام باستخدامه الدكتور دوغت عام 1872.

ويوجد خبر عن المسيو مريثال لاغرنج الذي يقلع الاسنان من دون ألم بواسطة مادة مكونة من ماء الفنيك والكوكايين، ليفتح بذلك الطريق إلى استعمال «البنج» فيما بعد عند خلع الأسنان، وكذلك عن تأثير الأشربة في حرارة الحمى، حيث يقول الخبر ان البروفيسور غلكس من برلين ان شرب الماء الكثير يرفع حرارة مريض الحمى، وإن منعه من شرب الماء البارد يساعد على سرعة شفائه، وهي الطريقة التي كان يلجأ إليها الأقدمون في سوريا.

كما جاء في الأخبار الطبية ان الدكتور هيدريش عالج انسداد المعى «ربما المقصود به الأعور أو المصران الغليظ» بالكهرباء، وانه يوصي باستخدام هذه الطريقة قبل الشروع في فتح بطن المريض.

بقي لنا في هذا العدد أن نقدم للقارئ معلومة طريفة ربما لم يسمع بها كثيرون من قبل. وهي الفرق بين «الجرنالوفوبيا» و«الجرنالوفاجيا» حيث يشير الأول إلى الخوف من الجرائد والثاني إلى التهامها. وقد نحت لهما اسمان عربيان، فسمي الأول« الجنفرة» من النفور.

والثاني «الجبلعة» من البلع» أو «الجأكله» من الأكل، وقيل من أعراض الأول أن الواحد إذا ورد له أي مطبوع بادر إلى رده قبل أن يتحقق منه، خوفاَ من أن يكون جريدة فتلصق به مثال ما وقع لإدارة جريدة «المقتطف» آنذاك عندما وعدت مشتركيها بهدية حال دفع الاشتراكات مبكراً، فرجعت إليها نسخ من هذه الهدية لم تفتح، ومكتوباً عليها «مرفوض» أو «مرضوض» ظناً أنها جريدة.

ومن أعراض الثاني أن الواحد يقبل الجريدة المرسلة له لكنه يلتهم ثمنها، والحقيقة ان المقال لم يوضح معنى «يلتهم ثمنها» وسنترك للقارئ أن يستنتج المعنى المراد. ويستطرد المقال ان للمرضين طورين مختلفين لمرض واحد وهو الخنازيري «الدودة الشريطية» والسل.

والكاتب يلقي باللائمة على أصحاب الجرائد الذي يتهمهم بأنهم لم يحذوا حذو أوروبا في عدم إرسال الجريدة إلا لمن يطلبها ويدفع قيمتها سلفاً. عموماً من السياق السابق يبدو أن عبارة «يلتهم ثمنها» المقصود به عدم دفع القارئ لثمن الجريدة بعد قراءتها.

مجدي أبو زيد

بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث