هو الأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري الذي ولد في عام 1862 ميلادية، وقضى طفولته في ريف مصر، وتأثر بتقاليدها النبيلة. وتدرج في مراحل التعليم الديني حتى تخرج في الأزهر ودار العلوم والجامعة المصرية حتى أتقن اللغة الانجليزية وأجادها.

ومن أجل ذك ظهرت له عدة مؤلفات قيمة، ترجم أكثرها إلى العديد من اللغات، مما مهد أن يتم ترشيحه لنيل جائزة نوبل عام 1939، قبل أن يتوفى عام 1940 ميلادية.

حظيت مؤلفاته بتقدير كل من أطلع عليها، خصوصا تفسيره الكبير الذي سماه: «الجواهر في تفسير القرآن الكريم» الذي أتمه في خمسة وعشرين مجلداً. ثم كتب المجلد السادس والعشرين لاستدراك ما فاته.

وقد حاول فيه واجتهد بما حصل من إطلاع على نتاج العلوم الحديثة، أن يربط بين القرآن وبين هذه المعطيات العلمية، وهي محاولة تعتبر من أول المحاولات؛ فضلا عن محاولاته الربط بين القرآن وعلوم الأمم قديمها وحديثها..

وقد أشار إليه الإمام رشيد رضا عندما نشر الجزء الأول من تفسير المنار في مجلة المنار، عندما تحدث عن مناهج التفسير المعروفة، وأفاض في نقد المناهج المختلفة التي سلكها المفسرون وبخاصة ما يتعلق بالروايات المأثورة عن الصحابة والتابعين. وهو يقرر أن أكثر التفاسير السابقة تشتغل أولا بمناقشات في المصطلحات اللفظية، أو الجدل الكلامي وتأويلات المتصوفة.

وبما نشأ من الخلاف بين الفرق. وزاد الفخر الرازي أمراً آخر، هو ما يورده في تفسيره من الآراء العلمية التي كانت معروفة في عصره. وقلده في هذا أحد المفسرين المعاصرين، فإنه يكثر من الكلام على العلوم الحديثة، مثل علم الفلك، وعلم النبات وعلم الحيوان، فيما يسميه «تفسير الآية» يقصد الشيخ طنطاوي جوهري..!

وتعرض الدكتور تشارلز آدمز في كتابه «الإسلام والتجديد في مصر» للشيخ طنطاوي جوهري فقال: وينبغي ألا ننسى كاتباً آخر له مؤلفات عديدة في نصرة الدين والدفاع عنه معتمدين في هذا على رأي الأستاذ هارتمان الذي يذهب إلى أنه من أتباع الشيخ محمد عبده. أما هذا الكاتب فهو الشيخ طنطاوي جوهري الذي كان أستاذاً للأدب العربي في مدرسة دار العلوم.

وقد حلل الدكتور هارتمان ثلاثة من كتبه أولها «التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم» وهذا الكتاب ينقسم إلى اثنين وخمسين بابا أو جوهرة، حاول المؤلف فيه أن يصنف أي القرآن في ستة أبواب وفق موضوعاتها، وغايته من هذا أن يدلك في إيجاز على أصول العقائد الإسلامية.

أما كتابه الثاني فاسمه «جمال العالم» وأكثر هذا الكتاب كما ظهر من عنوانه عبارة عن سلسلة من الدراسات الطبيعية في الحيوان والطير والهوام والحشرات، ولا يخلو مع هذا من دراسات أخرى ذات صبغة علمية أو دينية.

واسم كتابه الثالث «النظام والعالم» وتتميز كتبه الثلاثة ولاسيما ثانيها بحب الطبيعة حبا غير خفي، ونلحظ فيها أثر الكاتب الانجليزي «جون لوبوك» الذي اشتهر بحبه للطبيعة ، وأعظم ما يبدو وأثره فيما كتبه الشيخ طنطاوي عن ملاذ الحياة وجمال الطبيعة وعجائب الكون.

ثم يستفرد الكاتب ـ الدكتور تشارلز آدمز:

كتب الشيخ طنطاوي كتابه الأول للدفاع عن الإسلام ودعوة الأمم الأخرى إلى اعتناقه، وكانت اليابان مرمى سهمه وغاية مناه، فأهدى كتابه إلى الميكادو، وقدمه إلى مؤتمر الأديان الياباني في سنة 1906، وأعانه صديقه محمد بك سالم على نقله إلى لغات أخرى ليسهل تداوله وانتشاره في تركيا وفارس وروسيا.

والكتاب إلى حد ما ترجمة للمؤلف دبجها يراعه، وتحدث فيه عن دراساته في الأزهر وجهوده في التوفيق بين الفلسفة اليونانية والعلم الحديث من ناحية، وبين القرآن من ناحية أخرى، هو يدلك على أن تعاليم الغزالي أثرت في صاحبه تأثيرا قوياً.

ويسهب الشيخ طنطاوي في بيان أن الدعوة إلى النظر في آيات الله في الكون التي أكدها القرآن هي التي حركت همته إلى درس العلم الطبيعي، كما أنها هي التي استند إليها قبله الشيخ محمد عبده في دعوته إلى معرفة الله من آثاره في الكون بدلا من الجدل اللفظي النظري، والمناقشات الكلامية..!

وقد ورد في مؤلفات الشيخ طنطاوي عموما وتفسيراته على وجه الخصوص، نفس آراء الإمام محمد عبده التي عود عليها قارئيه ومستمعيه، من مثل قوله: الإسلام دين العقل والفهم لا التقليد، وأن العلم إذا أحسن فهمه يصبح أداة صالحة لفهم الدين، ومثل مناهضته للمغالاة في تقديس الأولياء، ومثل قوله بأن أتباع مذهب واحد مذاهب الفقه سبب لجمود والتأخر في الإسلام وأن الاجتهاد خير حلٍ لجميع العلل!!

ويتساءل الدكتور محمد رجب البيومي في تقديمه لتفسير الفاتحة قائلا: وتسألني لماذا اتجه الفيلسوف الديني ـ أي طنطاوي جوهري ـ إلى دراسة العلوم الطبيعية والكونية، هذه الدراسة المتخصصة، مع أن نشأته التعليمية لا تقضي به إلى التعمق في غير فروع اللغة والتشريع؟

والإجابة عن ذلك تحوجني إلى الإلمام بنشأته الريفية والمدنية لنعرف كيف هبت الريح على زورقه فحولته إلى اتجاه كان هو الأصلح في رأيه دون سواه..

ولد الفيلسوف بإحدى قرى مديرية المنوفية، فتطلع إلى الريف الجميل الأخضر، ورأى من مشاهد الكون ما خلبه وجذبه، حتى كان يخرج إلى الحقول ساعات ليتأمل هندسة الأشجار، ومجاري الماء في القنوات، ويرى ألوان السماء وهي تتبدل في الشروق والظهيرة والأصيل، فتشف عن لوحات بديعة رائعة.

وكان استعداده الخاص لأدارك مجالي الطبيعة يغمره بنشوة هائمة، فيسأل من حوله عن مصدر ما يري ويلمس هذه المشاهد الفاتنة، فيصدم بالسخرية والاستهزاء ويصيح به الصائحون: نحن نعيش في القرية كما تعيش، ونرى الدنيا بأعين كعينيك، فلا نحس هذه الخلابة التي تزعمها في نواضر الحقول وألوان السماء.

ثم أذن الله فالتحق بالأزهر الشريف، ونهض مشوقاً إلى حلقاته وهو يحسن الظن في دروسه ويتخيل أن بها إرواء لظمئه وإطفاء لأشواقه، ولكنه صدم مرة ثانية بحفظ المتون واستظهار القواعد دون تبسيط بل إن القاهرة قد حجبت عن عينه مباهج الزروع، وسوانح الطيور، وجعل يشعر بأنه في بيئة لا تشبع رغبته. وكابد من الضيق والملل ما أجبره على الرجوع حزينا إلى القرية، ليشتغل بالزراعة، كما فعل من قبل الأستاذ «محمد عبده».

ومضت الأيام وجواذب المعرفة تدفعه إلى البحث وتبسط له صحيفة «الأمل» حتى عاد ثانية إلى الأزهر، وعكف على تحصيل علومه، ثم سنحت الفرصة المواتية فالتحق بدار العلوم، ورأى العلوم الحديثة من طبيعة وكيمياء وهندسة وحساب تقدم إليه في تبسيط، فأحس أن الله قد أذن له بالفلاح، وأكب على دراسة هذه المعارف بفكره وإحساسه، وبدأ ينتشي ويتذوق ويتلذذ..!

وحان ميعاد التخرج فعين مدرساَ بإحدى مدارس الوزارة، وانطلق إلى العالم الفسيح، وقد كان الغزالي في هذه الفترة رفيق اطلاعه ـ الغزالي أبو حامد حجة الإسلام، ورفيق اطلاعه أي يعكف على كتبه ومؤلفاته ـ فتصفح آراءه، ورآه يتحدث عن النمل والعنكبوت وسائر الحيوانات.

ويتخذ من مشاهد الكائنات دليلا على قدرة الله، فصادف ذلك موضع هواه، وعلم أن معرفة الله تتوقف على دراسة الكون، وأخذ يحصي آيات القرآن التي تدفع إلى طلب المعرفة فوجدها كما ذكر في كتابه «التاج المرصع» أكثر من سبعمائة آية كريمة.. فقال في نفسه:

«هنا الدليل على وجود الله، إن كتب الأزهر تقتصر في أدلتها على أمثال قولها» «العالم متغير وكل متغير حادث إذن فالعالم حادث» أما كيف يتغير العالم بمشاهده ومجاليه فهذا مالا تجيب عنه هذه القضايا ولابد من دراسة حية لما نرى ونشاهد، ومن ثم فقد أكب على اللغة الانجليزية فدرسها في أمد وجيز ليستطيع ان يصل عن طريقها إلى كتب العلوم والمشاهد فيطفئ ما يعتلج لديه من أوار، هذه ناحية أولى.

أما الناحية الثانية: فقد نظر فيما حوله، فوجد العالم الإسلامي بممالكه ودوله يرزح تحت نير الاستعمار، والمسلمون في حالة يائسة من الجمود والجهل والتزمت تدفع إلى الرثاء بينما انطلقت أوروبا تفتح ميادين الحضارة، وتقود مواكب المعرفة وتسيطر على الشرق فتمتص خيراته وكنوزه، وترمي الدين الإسلامي بالجمود والبربرية.

وتراه العلة الأولى في تأخر المسلمين، لأنه كما زعم «رنيان» الفرنسي وأشياعه يحارب العلم ـ أي الإسلام ـ والتقدم، ولم يعد صالحا لقيادة الشعوب في القرون الزاهرة، وقد انتهت رسالته بانتهاء العصور البدوية في القرون المختلفة.

هذا قليل من كثير صار يلوكه المغرضون، ويحاولون أن يقنعوا به المسلمين في كل عاصمة من عواصم الإسلام؛ في مصر والشام والهند وفارس والصين والمغرب، وهو في حقيقته افتراء زائف، وتدليس..! فأخذ الأستاذ يصدر مؤلفاته المتتابعة في الدعوة إلى التقدم العلمي، وتجلبه حقائق الطبيعة.

وما تزخر به في عوالم الحيوان والأكوان والكواكب، والأجرام، وأصدر كتاب «نظام العالم والأمم» فكان دعوة فذة إلى الجهاد العلمي، ووجد فيه أساتذة أوروبا نغمة عالية غير مألوفة، فعدوه ظاهرة خطيرة تستحق التسجيل.

بقلم: علي عيد