بعد أن زار بيروت وبعض المناطق الساحلية، قيض الرحالة الشاعر الفرنسي جيرار دي نرفال أن يزور جبل لبنان، في رحلة طويلة كانت تقوده مرة إلى خطوط التماس، بين المسيحيين والدروز، خلال أحداث بداية أربعينات القرن التاسع عشر، ومرات إلى قرى وبيوت آمنة.

وهو في النص التالي يحدثنا عن زيارته لأمير جبلي وعن رصده للحياة، ولا سيما لحياة النساء في قصر ذلك الأمير.في نحو الساعة الثالثة، امتطينا الأحصنة من جديد وعدنا نهبط الوادي الذي يسير في قعره نهر صغير، وخلال أتباعنا مجرى النهر المتجه صوب البحر.

وعبر صعودنا إثر ذلك وسط صخور وأشجار صنوبر مجتازين وديانا خصبة زرعت زيتونا وقطنا وشيئا من القمح والشوفان، وجدنا أنفسنا عند ضفة نهر الكلب الذي كان اسمه في الماضي ليكوس.

هذا النهر الذي بالكاد يبقى نهرا خلال الصيف، ينبع من قمم أعالي لبنان الثلجية، مثله في هذا مثل كافة المجاري المياه التي تسير من الجبال حتى البحر على طول الشاطئ حتى اللاذقية، وتصب جميعها مياهها في بحر سورية. كانت سطيحات دير عنطورة المرتفعة تحف يسارنا، بحيث بدت مباني الدير شديدة القرب منا، على الرغم من أن وديانا بأسرها كانت تفرقنا عنها.

وكانت هناك أديرة أخرى رومية ومارونية واليعازارية أوروبية تنتشر في المكان وتشرق على العديد من القرى. ويا له من وضع غريب إن نحن تذكرنا أننا في بلد مسلم يبعد عدة فراسخ عن صحراء دمشق وعن أطلال بعلبك.

والحال أن ما يجعل من لبنان أوروبا صغيرة مصطنعة، حرة وذكية، هو أنه عند حدوده يتوقف ذلك الإحساس بالحرارة التي تملأ قارة آسيا وتجعل سكانها عصبيين، فللشيوخ وللأثرياء هنا، تبعا للفصول، دارات ومساكن تنتشر في القرى الجبلية والوديان، ما يسمح لأولئك الناس بأن يعيشوا ربيعا دائما.

المنطقة التي دخلناها عند مغيب الشمس كانت منطقة شديدة الارتفاع، ولكن تحميها من كل الجوانب سلسلتان من القمم المشجرة، ولقد بدت لي المنطقة ذات مناخ منعش. وأعلمني مرافقي، موسى، أن عند هذه النقطة تبدأ أملاك الأمير. إذن ها نحن نصل إلى غاية مسيرتنا، ومع هذا فإننا.

وقبل هبوط الليل كليا، وقبل أن نجتاز بستان تين كان من العسير جدا قيادة الجياد خلاله، لم نلمح مجموع الأبنية التي وصلناها أخيرا وبدت لنا مشرفة على تلة تدور من حولها الطريق. كان المنظر الذي يواجهنا يشبه كل الشبه قصرا قوطيا: بضع نوافذ مضاءة تقطع أقواها المستقيمة، وتشكل الزينة الخارجية الوحيدة لبرج مربع وبناء مركزي ذي جدران ضخمة.

ومع هذا، وما أن فتح لنا باب خفيض حتى وجدنا أنفسنا في فناء فسيح محاط بأروقة تحيط بها أعمدة. وهرع خدم عديدون، وعدد من الزنوج يدورون من حول الأحصنة. بعد ذلك، أخذت إلى قاعة تسمى السردار، وهي قاعة منخفضة فسيحة تحيط بها الأرائك.

وهناك اتخذنا مجلسنا في انتظار العشاء، والأمير الذي استقبلنا بحفاوة وقدم لنا المرطبات، اعتذر لي قائلا ان الوقت بات متأخرا، لذا لن يستطيع تقديمي إلى عائلته الليلة. وهو بعد ذلك، دخل الجزء من القصر الذي يخصص للحريم، سواء أكان المنزل تركيا أو مسيحيا، والأمير لم يشرب سوى قدح واحد من النبيذ خلال العشاء.

في صبيحة اليوم التالي، استيقظت على صوت ضجة يحدثها سياس الخيل في الفناء، وكان يشاركهم العبيد والزنوج العناية بالأحصنة. ولمحت في الخارج عددا كبيرا من أهل الجبل آتين بالمؤن.

كما لمحت بعض الكهنة الموارنة بأرديتهم الزرقاء وغطاء الرأس الأسود. وكانوا يتلفتون حواليهم بابتسامة نبيهة. بعد قليل، نزل الأمير وأخذني إلى حديقة مسطحة تحف بها جدران القصر من الجانبين، لكنها مع هذا تطل على الخارج مشرفة على الوادي الذي يجري فيه نهر الكلب.

في ذلك الضيق، لاحظت أن القوم يزرعون أشجار الموز والبلح والليمون وغيرها من أشجار الحقول، علما بأن الأراضي التي تصلح أصلا للزراعة هنا في هذا المكان الجردي نادرة، فجأة فكرت بسيدات القصر اللواتي خيل إلي أنهن جالسات خلف هذه النوافذ ذات القضبان المطلة على هذه الجنة الضغيرة.

هنا راح الأمير، وكأنه قرأ أفكاري، يحدثني عن عائلته وعن السفرات العديدة التي قام بها جده إلى أوروبا والتكريم الذي خص به هناك، وكان يتحدث بلغة إيطالية سليمة كما هي حال معظم الأمراء والمشايخ في لبنان. وبدا لي أن الأمير تواق إلى زيارة فرنسا.

ساعة الغداء عند الظهيرة، اصطحبت إلى رواق مرتفع ينفتح على الفناء ويشكل آخره ما يشبه الردهة المحاطة بالدواوين ذات المنبر. وكانت هناك امرأتان شديدتا التبرج جالستين على الديوان، وقد عقدتا السيقان على الطريقة التركية.

وإلى جانبهما كان ثمة فتاة صغيرة ما أن دخلت حتى أقبلت علي وقبلت يدي كما جرت العادة هناك. وكان سيسرني أن ارد القبلة وأطبعها خاصة على يدي المرأتين لولا علمي أن مثل هذا التصرف لا يتماشى مع عادات القوم. لذلك اكتفيت بإلقاء التحية، وجلست مع الأمير إلى طاولة وضعت فوقها قصعة ملئت لحما.

وفي اللحظة التي هممت فيها بالجلوس ناولتني الفتاة الصغيرة منشفة طويلة من الحرير مطرزة بخيوط الفضة عند طرفيها. وطوال تناولنا الطعام واصلت المرأتان جلستهما تلك كأنها ضمان. وفقط حين رفعت المائدة، توجهنا الأمير وأنا لنجلس قبالتهما، وهنا حمل إلينا الخدم النراجيل بناء على أمر أصدرته المرأة الأكبر سنا.

كانت المرأتان ترتديان، فوق الستر التي تضغط الصدر والسراويل ذات الثنيات الطويلة، أردية واسعة من الحرير المخطط، وحزاما ثقيلا مذهبا، وحلى من الجواهر تشهد على الترف الموجود في كل أنحاء سورية، وحتى لدى النساء القل قدرا.

أما بالنسبة إلى التاج التي راحت سيدة البيت تحركه فوق جبهتها وكان يجعل لها منظر البجعة، فكان مرصعا بحبات التوركواز. أما الشعر فكان مسرحا على شكل ضفائر تنزل على الكتفين كما هي «الموضة» السائدة في الشرق بصورة عامة.

أما أقدام هاته النساء، فكان من الواضح أنها لا تعرف شيئا أسمه جوارب، وهو أمر سائد في هذه المنطقة، يزيد إلى جمال النساء أسلوب إغراء إضافي لا يخطر في البال. إن هاته النساء اللواتي بالكاد يمشين، واللواتي يتعطرن مرات ومرات في اليوم الواحد .

وينتعلن من الأحذية ما بالكاد يضغط على أصابعهن، لهن قادرات على جعل أقدامهن ساحرة كسحر أيديهن. ثم تأتي أخيرا صبغة الحنة التي تعطي الأظافر لونا أحمر، فخلاخيل الأقدام الغنية غنى الأساور... تأتي جميعا لتكمل هذا السحر الحلال.

طرحت علي الأميرة أسئلة عديدة حول أوروبا. وراحت تحدثني عن الرحالة العديدين الذين كان سبق لها أن التقتهم.. وكانوا في معظمهم من الحجاج المتوجهين إلى القدس، ولعل هذا ما يفسر الأفكار المتناقضة التي يحملها مسيحيو لبنان عادة عن فرنسا وأحوالها. ويمكنني أن أقول فقط، في هذا السياق أن مشاعرنا السياسية ليس لها سوى القليل من التأثير على هذه الشعوب التي تختلف أوضاعها الاجتماعية كثيرا عن أوضاعنا.

إن أناسا من الكاثوليك مجبرين على الاعتراف بالسلطان التركي ملكا عليهم، لا يمكنهم أبداً أن يكون لديهم رأي واضح يتعلق بأوضاعنا السياسية، ومع هذا تراهم لا يعتبرون أنفسهم إزاء السلطان سوى أتباع مؤقتين.. ويشعرون أن الرحالة الأوروبي المسيحي المتوجه إلى القدس، أقرب إليهم. أما أميرهم الحقيقي فهو الأمير بشير الذي سلمه الانكليز إلى السلطان بعد حملة العام 1840.

خلال فترة من الوقت يسيرة، أحسست أنني على سجيتي تماما وسط هذه العائلة، وسرني كثيرا أن تكون اللياقات والمجاملات قد اختفت تماما منذ اليوم الأول، ولاحظت بسرعة كيف أن الأميرات اللواتي يرتدين عادة ثيابا بسيطة كما هي حال كل نساء المنطقة العاديات، سرعان ما ينخرطن في العمل. أما صغراهن فراحت تنزل إلى النبع مع بنات القرية.

وكان القوم شديدي الاهتمام في تلك الآونة بالحصاد والحرير. وهم قادوني ذات مرة لزيارة الأكواخ المخصصة لتصنيع هذا الحرير. هناك في بعض الصالات لاحظت أنهم لا يزالون يقذون دود القز فوق إطارات خاصة.

وفي غرف أخرى، كانت الأرضية مليئة بأشواك مقطعة وضعت فوقها الشرانق لكي تنجز تحولها. وفي المكان كله كانت هناك مئات النساء منكبات على عمل تراقبه الأميرات بأنفسهن.