حياة الناس في منطقة الحويلات إحدى مناطق رأس الخيمة عادية جداً فهي تتسم بالبساطة، وليس لديهم الكثير من الأموال وبالكاد يجدون ما يسد حاجاتهم من الطعام والملبس وكانت حياتهم في السابق بسيطة إذ يتجمعون في سبلة تحت شجرة القرط على الشريعة وكان هناك مقهى يقع الآن بريد الحويلات في مكانه.
وهناك آثار مساكن في الأرض أهلها عاشوا وماتوا في المكان وصارت مقبرة لا نعرف أهلها، وبيوت هؤلاء الناس قليلة والعدد محدود، والناس يتنقلون على الإبل يبيعون حمايل الحطب من السمر والثمام والحمولة من الحطب بروبيتين ورشد هندية وقبلها كان الريال الفرنسي متداولاً بين الناس ثم الورشو الهندي وفي عام 1995 دخل الدينار البحريني وبعده جاءت عملة قطر.في اطار سعينا الدؤوب لسير أغوار مناطقنا المختلفة داخل الدولة ومعرفة أحوال أهلها وإعادة اكتشاف مواضع الجمال فيها زرنا هذه المرة منطقة الحويلات التي تجمع بين الطبيعة الجبلية وواحات النخيل.
وقد التقينا محمد بن ضاوي الكعبي عن ذكريات الماضي فقال: «في الأربعينات كانوا يعطونا «بروة» وهي ورقة من الحكومة نستلم بها العيش ما يساوي نصف جونية وهذا بسبب المجاعة التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية.وكذلك نحصل على القليل من القهوة، وقد كانت المنطقة تتألف من وادي عذيق وشعبة الطلاعة وغليل سيداف وجبل «أبو نهار» ووادي الخريس وشعبة الحويلات وغليل الصفافير الذي كانوا يصنعون فيه النحاس أيام البرتغاليين ومازالت بقاياه موجودة ووادي قلص وشعبة الفشغة ووادي المنيعي وشعبة أم الرمث والحصين».
* شيء عندها..
وحول المنطقة وأسماء بقاعها يقول الكعبي: في الماضي كانت الحويلات حتى وادي القور تسمى وادي القور ومنطقة سكنى الناس تسمى السمسمانية وهي منطقة النخيل وفيها مزرعة الغرفة، أما بقية البقاع فهي شعبة الظهيرة في ظلال النخيل.
وكانت النساء تطبخ العيش بالسمن أو اللحم المجفف أو الفريد والهريس والخبيص، والمرأة في الماضي ليست مثل نساء اليوم المدللات فقد كانت تعمل في بيتها وتساعد الرجل في الزراعة.
وترعى الحلال وتخيط الثياب وتجلب الماء وغيرها من الأعمال التي لم تعد المرأة تقوم بها لتوفر كل ما في الوادي، واحتفلوا ورزفوا وأقاموا ركض الركاب فهم يتباشرون بالعيد ويفرحون به، وكانت أيام رمضان تمر على الناس فيها جوع وفيها عطش فهو يأتي في القيظ في الغالب ولم تكن هناك ثلاثات أو مكيفات .
وليس سوى السعون والخروس يبرد بها الماء وكان الناس تبلل الملابس أو الشراشف وتنام عند الناس تفطر رباعة ويستمرون قبل أن تظهر نجمة الفجر ويأكلون الموجود مثل العيش والروب أو الخبز والكامي ويصلون الفجر ويخرجون لأعمالهم من دون أن يتكاسلوا أو يهملوا واجباتهم وإذا جاء العيد تأكدوا منهم وصلوا صلاة العيد أحدهم شيئاً عن الآخر».
وفي رمضان كان الناس يصومون على الهلال ويفطرون على الحساب وأول مسجد في المنطقة بناه المرحوم الشيخ سلطان بن سالم القاسمي وكنا نصلي فيه الجمعة، وكان مطوعنا المرحوم مبارك وكان مقطوع الرجل، وهو يخطب بالناس يوم الجمعة ويصلي بهم.
وهذه الأحداث في الستينات، وقد كان الناس في ذلك الزمان وقبله يعيشون حياة بسيطة وليس لديهم متطلبات كثيرة ولكنهم كانوا متعاونين ومتآزرين يساعدون بعضهم ويسألون عن الكبير والمريض والغائب بينما تجد حياة الناس اليوم تغيرت وأصبحوا مرتاحين لكنهم متباعدين.
ولا يعرف ويعود الحديث إلى الحياة في الحويلات فيقول «كانت عيشة الناس على الزراعة وكان لدى والدي أراض زراعية في الحويلات يعمل فيها عدد من البيادير، وكانت الناس تكد على البوش وتقنص، وقد لحقت على القنص فكنت أجيد الطيور قطا وحباري وعرب.
وكانت تأتي على الموارد فنضع أول مرة في الدولة، وقد زرته رحمه الله في الهباب وأعطاني خمس نخلات زرعتها عندي وحملت منها إلى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وقد كنت مهتماً بالحفاظ على الرطب طازجاً، لذا نضعه في خيام بلاستيكية تحميه كي لا يأتيه السواد، والتمر إذا خفت عليه البرود أسود».
ولكن عندما قلت الأمطار أصبح هناك جفاف وقلت جودته، وفي الماضي كان يزرعون الناس النفال والمدهون والخنيزي واليبري والخصاب وكان اليبري وأبو معان والخنيزي أفضلها، وقد قال الشاعر:
فإن الخلاص ألّذ رطباً
ولكن قلبي مال إلى الخنيزي
وكان البرحي في حياة المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ينزل وكان اللقاء والحديث عن الحويلات في بستان كبير فيه من قديم النخل جديدة ما يزيد اخضرار المكان وبهجته، ففي مبرزة النخل استقبلنا محمد بن سعيد بن عيد الكعبي ليحدثنا عن الرطب وأنواعه وطرق الحفاظ عليه خاصة أنه اهتم بهذا المجال.
ويتميز به بين الناس فيقول «الرطب في الماضي كان ممتازاً ففيه البرحي والخلاص والشيشي وتتميز منطقة الحويلات إحدى مناطق رأس الخيمة بطبيعتها التي جمعت بين ارتفاع الجبال حول المنطقة، وبين بساتين النخل الوارفة حتى صارت المنطقة واحة للقادمين من لهيب الصحراء والمحتمين بظلال النخيل في موسم الرطب، فبقي المكان مرتبطاً بالنخل.
وثماره الشهية تتميز منطقة الحويلات إحدى مناطق رأس الخيمة بطبيعتها التي جمعت بين الجبال وبساتين النخل الكثيرة لتكون وجهة للباحثين عن الراحة في موسم الرطب، فقد بقيت الحويلات لسنوات متوالية مقيظاً للبدو الذين تركوا الصحراء وغادروا حرارتها».
ويتحدث ابن ضاوي عن ماضي السيارات قائلاً كانت أول سيارة شاهدناها عند الشيخ سلطان بن سالم وهي من نوع «دمنتي» وبعدها موريس ودودوج وفورد، وأول سيارة في الحويلات لعبدالله خميس من نوع كروزر، أما أول سيارة دخلت المنطقة تمشي في وادي القور والناس تزيح عنها الحص فلم تكن هناك شوارع للسيارات.
وعلى ذكر النقل يقول محمد بن سعيد بن عيد الكعبي «أصحاب البوش كانوا يمثلون النقليات الآن فهم ينقلون الحظار من دبي إلى الباطنة، وكان والدي «يشل الكريات» وموسم القيظ هو موسم الكسب لهم ففيه ينتقل الناس من الصحراء إلى النخيل ليعيشوا موسم القيظ فيها».
خرجنا من الحويلات نحو طريق حتا دبي مع ابتداء لحظات الغروب تاركين خلفنا الكثير من تفاصيل المكان التي لم يسمح لنا الوقت بتقصيها لكننا شهدنا واحة النخل التي تربعت في الحويلات منذ سنين طويلة.
استطلاع: دلال جويد تصوير: غلام كاركر


