أثارتني منذ الصغر، الكتابات والتزاويق والزخارف الكثيفة التي كانت بعض العربات والأحصنة تحملها ، ثم انتقلت هذه الظاهرة فيما بعد إلى المركبات والسيارات العامة والخاصة،.

أي ظاهرة تزويق وتزيين الدواب والحيوانات الداجنة التي استخدمها الإنسان لمساعدته في أعباء الحياة، كالجمال والفيلة والأحصنة والبغال والحمير والأغنام والماعز والبقر والكلاب، انتقلت إلى «الدابة المعاصرة» التي وفدت إليه مع تطور التعليم وهي «السيارة» و«الدراجة الهوائية» .

و«الدراجة النارية».بعض الشعوب كالعربية والهندية والباكستانية والإيرانية وشعوب أميركا اللاتينية، تبالغ كثيراً في تزويق وتزيين وسائل نقلها، الخاصة والعامة، فنجد الزخارف ووسائل الزينة المختلفة، وبكافة الألوان، تغطي الخارج والداخل من السيارة، بل نجد بعض «كابينات القيادة» في الباصات.

وقد تحولت إلى حديقة حافلة بالزرع والعشب وأعشاش العصافير وكافة أنواع الورود والأزاهير وبصور العائلة والممثلات الجميلات، والممثلين الذين يعجب بهم السائق، إضافة إلى الكتابات والعبارات والأمثال وأباريق الشاي والكؤوس والتزاويق المختلفة.

يضاف إلى ما تقدم العبارات التي نجدها على الحافلات والسيارات من الخلف والتي تعكس بأمانة، اهتمامات سائقها واسم حبيبته أو زوجته أو ابنته أو اعتداده بشخصية تاريخية أو سياسية أو عشقه لمطرب أو مطربة أو أغنية أو لبلده.. إلخ.

وهكذا نجد أن العقلية التي كانت تزوق وتزين وتجمّل الحيوانات في السابق، عادت لتمارس هذه العادة أو النزعة مع «وسيلة النقل الحديثة، ما يؤكد أن العقلية هذه لم تتغير، وإنما الذي تغير هو الوسيلة أو الشيء الحاضن لهذه الظاهرة التي قد تمتد لتشمل مجالات أخرى في حياة هذا الإنسان الشعبي البسيط، بمنزله ومكان عمله.

يبدو أن هذه الظاهرة الطريفة وذات الأبعاد النفسية والاجتماعية لا تقتصر على إنساننا العربي فقط، فقد تسنى لي رؤية سيارات لمواطنين هنود وباكستانيين وإيرانيين أكثر تزويقاً وزخرفة من سيارات بعض مواطنينا العرب، ما يدل على تشابه العقلية الكامنة خلفها، ووجود قواسم مشتركة عديدة تجمع بينها، منها ما هو ديني، أو اجتماعي، أو طبيعي يتعلق بالمناخ... إلخ.

كما لاحظت وجود هذه الظاهرة في سيارات مواطني أميركا اللاتينية، ما يؤكد وجود قاسم مشترك بين تفكير إنساننا الشعبي وإنسان تلك الدول والمناطق، وهذه الظاهرة، كما تؤكد الصور المرفقة بهذا النص، لا تقتصر على السيارات فقط، بل تطال الجمال والفيلة.

حيث يسبغ عليها الإنسان الشعبي زخارف وتزاويق وألواناً وتحفاً ورموزاً وموجودات طبيعية وصنعية من كل المواد والخامات والألوان والأشكال، لتبدو هذه الأشياء وكأنها مهرجان زخارف وألوان، لها دلالاتها ورموزها ومبرراتها في تفكيره وعقيدته وعاداته وتقاليده، وأحياناً ترتبط بالمزاج الشخصي لصاحب وسيلة النقل، ولله فعلاً في خلقه شؤون!!

د. محمود شاهين