#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

الفن الاسلامي

أثر الفن الإسلامي على عصر النهضة في أوروبا

جاء كتاب (أثر الفن الإسلامي على التصوير في عصر النهضة) ليضيف للمكتبة العربية عنواناً جديداً في اتجاه الكشف عن خطوط التماس المؤثرة في منابع الحضارة الاوروبية وفضل الحضارة العربية على عصر النهضة قبل خمسة قرون من الآن.

وهو التماس الذي يعد احد جسور التواصل المهددة دائما باختلاف الثقافات ومع ذلك استهلت د. ايناس حسني كتابها بالحديث عن نشأة الفن الاسلامي، وتعرضت إلى سؤال طالما أرهق الباحثين.. هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟

وذهبت إلى انه على الرغم من أن حياة الناس في الجاهلية مضطربة وقلقة، فقد صنع العربي القديم التماثيل، وعبدها ككل الحضارات مثل الهند والصين، وبلاد ما بين النهرين وحضارة الاغريق، وان غلب على العربي الطابع القولي (الشعر).

وترى أن فكرة شبهة تحريم التصوير التشبيهي من أجل ألا نعود للوثنية وعبادة التماثيل والاصنام في العصور القديمة، قد تغييرت لان الدين الإسلامي في العصر الحديث في حالة استقرار ولا خوف من الارتداد، لذلك كان الاسلوب التجريدي هو الاسلوب الغالب السائد على الفن الإسلامي في ذلك الوقت.. ففكرة تحريم التصوير والتماثيل فكرة خاطئة لأن التجريد في الفن الإسلامي له علاقة بالمعتقد الديني الكامن اكثر منه تحريما في حد ذاته..

لكن عندما انتشر الإسلام في بلاد حضارية سابقة اخذ منها وأعطاها حتى تكونت حضارة اخرى، اصبحت تسمى الحضارة الإسلامية بفنونها وقوانينها الاجتماعية فيما اطلق الباحثون الغربيون على الفن العربي الإسلامي تسميات عدة منها الفن الشرقي، الفن المغربي، الفن المحمدي.

وان كانت الفنون التشكيلية العربية قد أسهمت في بناء الحضارة الانسانية، باعتبارهم العرب آخر الأمم السامية التي هاجرت إلى الامتداد بين الشام والعراق ثم امتدت مع الإسلام إلى شمال افريقيا وبقيت في جزيرتها الام وحتى اليوم لم تظهر موجة سامية أخرى، بل ان العربية احدث اللغات السامية ومن ثم اوسعها واكثرها تطوراً.

تدخلت الجغرافية في تكوين شخصية الفني الاسلامي، بعد امتداد رقعة انتشار الإسلام من خليج البنغال إلى المحيط الأطلسي، وساعد على ذلك ان هذه المساحة الشاسعة مناخها متقارب، وجمع بينها عوامل مشتركة، كما فرض الإسلام شروطه الروحية على الفن، وطرح شكلا اجتماعيا محدداً ونظاماً حياتيا متأثراً بمباديء العقيدة.

استشهدت ايناس حسني بآيات من القرآن الكريم تدلل على مكانة وحرص القرآن على الجمال والزينة، وهو ما أدى إلى تميز الفن الإسلامي بملامح عامة، في نفس الوقت الذي احتوى على تغيرات متعددة ارتبطت بتغير عصوره المختلفة، بل وأقاليمه حيث استطاع الإسلام ان يستفيد من عالم البحر المتوسط والعالم الآسيوي فمنحه عالم البحر المتوسط الفن الهلنيسي، اما العالم الآسيوي فمنحه الفن الايراني.

فتأثر بهذين الفنين اللذي اشتركا في ترك طابعهما على آثار العصر الأموي والعصر العباسي الاول، لذا كان معظم الذين قاموا بالاعمال الفنية الاولى في الإسلام من سكان البلاد التي وصلت اليها الدعوة سواء كانوا سوريين أو عراقيين أو من القبط أو البربر ووضعوا جميعا الاسس الاولى للفن العربي الإسلامي وحددوا أهم ميزاته الباقية.

وتذهب ايناس حسني إلى ان الفني الإسلامي خرج من عصر التقليد إلى التميز بشخصية واضحة مع اواسط القرن الثاني عشر الميلادي عصر الثلاثة مراكز الكبرى وهي الخلافة العباسية في بغداد والشرق،.

والخلافة الفاطمية في الوسط والتي تحكم من القاهرة وتمتد من ليبيا إلى الشام، والخلافة الاموية في الغرب حتى الاندلس، فقد ظهرت خلال هذه الفترة بعض العناصر الزخرفية في الفن الإسلامي كالمقرنصات والنقش البارز بالعناصر النباتية المحورة وغيرها .

وقد انتشرت بسرعة وظهرت في أوقات متقاربة في مراكز متباعدة من العالم الإسلامي بل لقد تجاوزت فنون المسلمين في هذا الفترة حدود الدولة الإسلامية إلى الغرب على ايدي الصليبين، و نجد آثارها في ما بقي من فنون العصور الوسطى الغربية، كما ان الاماكن التي خلا منها الإسلام في ذلك الوقت ظلت في عهد حكامها الجدد تشع بالفن الإسلامي كصقلية مثلا في عهد النورمانديين.

وإذا كان فترة الخلافة الإسلامية هي العصر الذهبي، فقد شهدت نهاية القرن الثاني عشر حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي انهيار الخلافات الثلاث، بعد ان تعرض العالم الإسلامي إلى أخطار خارجية هائلة، ممثلة في غزوات المغول.

والتتار والصليبين، وبدأ كل اقليم ينكفأ على نفسه فيما جاء الفن المملوكي بنتاجات متميزة زاوجت بين عناصر الفن التركي بالاساليب الفنية الفاطمية مع بعض العناصر المغولية، وهو الامر الذي اسفر عن فن اسلامي يعد افضل ما تميز به هو الصناعات المعدنية والزجاجية.

* الزيارات الفنية

ومع القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر امتد حكم الدولة العثمانية لتشمل جنوب شرق أوروبا والعراق والشام ومصر وكان مركزها الرئيسي في تركيا، وتأثر الفن الإسلامي بالطراز البيزنطي بالإضافة إلى تأثره بالطراز الايراني وبخاصة في الخزف والنسيج والتصوير.

كما ظهر تيار اوروبي في الفن العثماني عندما زار القسطنطينة عدد من فناني الغرب امثال «بلليني»، وتعد صناعة الخزف والسجاد أهم ما تركه العصر العثماني التركي من فنون تميزت بتصميمتها الجيدة وبألوانها الفريدة، وان كانت في مجموعها لم تستطع ان تستمر كفنون مؤثرة بعد القرن الثامن عشر، حتى بدأت الدولة العثمانية في الأفول.

شهدت فترة القرون الثلاثة (العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر) مرحلة حاسمة في تطور الفن الاسلامي، هذا الفن الذي حفظ في المرحلة الاولى طابع الفنون السابقة التي كان قد خرج منها، ثم انتهى بتخليص نفسه من اصوله، ومن الممكن ان نميز دائما العناصر القديمة التي اعتمد عليها.

وتذكر ايناس حسني انه اذا كان جون بادو صاحب كتاب عبقرية الفن الإسلامي قد أنصف دور العرب المسلمين في الثقافة الإسلامية فالكاتب د. ديماند في كتابه الفنون الإسلامية يقول : ان الفن الإسلامي فن عظيم ومهم بين مختلف انواع الفنون، وقد استأثر بإعجاب العالم الاوروبي، وغدا بدوره مصدراً من مصادر اقتباساتها.

وكتب في موضع آخر ان ملوك أوروبا ورجال الدين فيها ملأوا خزائن قصورهم وكنائسهم بروائع الفن الاسلامي، وبعد ان دخل المسلمون حزيرة صقلية وفي مدينة بالرمو حوالي العام 824، قام الحاكم «روجر الأول» باستعمال اللغة العربية على رداء تتويج «روجر الثاني» هذا الرداء المحفوظ في متحف فيينا.

ونرى آثاراً اخرى في الكتابات التي وجدت على سقف كنيسة القصر، وعلى مزاولة القصر كتابات تحمل دعاء إلى الله ان يمد في عمر الحاكم ويؤيده ويباركه، وقد دون التاريخ بالهجري وظهر اسم الله والتاريخ الهجري في اماكن مسيحية محضه، مثل شاهد قبر ام الملك غريزانتي.

* لا .. للوسطاء

وحول فلسفة الفن الإسلامي كتبت ايناس حسني أن الإسلام أشاع الفن التجريدي ليس لتحريمه كما يقول البعض، فقد جاء التجريد الإسلامي لأنه «لم يكن في الإسلام محل وسط للوسطاء بين الله والانسان، وليس فيه محل لاسرار الكهانة». وهو الأمر الذي أدى إلى ترقية النحت والتصوير.

لذلك عندما اطلع الفنان الغربي على فنوننا العربية امثال (جنكي بلليني، ليورناردو دافنشي، ديلاكروا) تبين انه كان اسير عالم فني جامد، كما صرح بذلك ما تيس وبول كلي بعد ان زار المغرب العربي، لقد انتبه العالم إلى هذه الفنون المتميزة، والتمس فيها الاصالة والخصوصية، فتهافت الفنانون الحديثون ينهلون تأثير الحياة والتقاليد والفنون التقليدية كما تسابق المؤرخون للتعميق في هوية هذا الفن.

و ما يلفت النظر في شخصية الفن الاسلامي، هو انه يتمثل في اشكال مجردة نباتية أو هندسية أطلق عليها اسم الارابيسك، يختلط فيها أو يماثلها فن الخط العربي الذي تنوعت اشكاله المبدعة حتى قاربت المئة شكل وتعتمد على اشكال محوره تقوم على التحوير وفقدان المنظور والخط والكثافة أو (ملء الفراغ).

* نظرية الفراغ

وتحت عنوان نظرية الفراغ قالت ايناس حسني ان الفنون الإسلامية قامت على دعامتين هما: الفنون القائمة الثابتة والفنون الزخرفية المنقولة.

وقد حافظت الفنون القائمة المعمارية على تنوع الطرز المعمارية وثباتها داخل كل إقليم اسلامي معطية إياه شخصيته المميزة المستقره من أموي، عباسي، فاطمي، مملوكي، عثماني.. مغولي.. صفوي .. الخ فقد ساهمت الزخارف المتكررة المتداخلة بلا فراغات بينها على وحدة شخصية الفنون الإسلامية إلى حد كبير.

وتعرض ايناس حسني نتائج توصل إليها د. مصطفى يحيى عميد معهد النقد عن نظرية الفراغ أو الأماكن المفتوحة أثناء إبداع الفنان المسلم اعماله الفنية كما ترك الاعتقاد في عالم الخرافات بعد اسلامه ولم يتعامل معها كخلفية وإطار لمواضيعه الابداعية.

بالاضافة إلى وعي الفنان المسلم بقيمة الفراغ الايجابية في حياته الجمالية والفنية، علاوة على ان الفنان المسلم شغل السطوح كرد فعل لشغل الكون بمخلوقات الله التي يراها والتي لا يراها وستجد وتسبح لله سبحانه وتعالى ولا يفقه تسبيحهم أو سجودهم، فيما تعمد الفنان تجميله. وإتقان فنونه النفعية بحس ديني جمالي بهدف العائد الديني والمادي والروحي والزخرفة المتكررة مظهر لإتقان الصنعة.

* مدارس التصوير

ويستعرض الكتاب مدارس التصوير الإسلامية بداية من المدرسة العربية، والمدرسة العراقية، والمصرية، والفاطمية، ثم التصوير في الاندلس، والمدرسة المغولية، والتيمورية المدرسة التركية، والهندية. وإذا كان بعض الخطاطين والمذهبين قد ذكرت سيرتهم وأسماؤهم في بعض كتب المؤرخين وكتاب السير، فإن الامر يبدو على النقيض بالنسبة للمصورين والمزوقين.

وذلك ربما يعود إلى موقف الفقهاء من الصور، الا ان هناك بعض المصورين الذي فاقت قدراتهم بدرجة عالية فتجاوزوا الامتناع عن تسجيل اسمائهم على ما يصورونه من مخطوطات ووقعوها لتصبح اسماؤهم علامات بارزة على كثير من انجازات التصوير الإسلامي ومنهم يحيى بن محمود الواسطي في مدرسة بغداد، ومحمد كمال بهزاد في المدرسة التيمورية والصفوية الايرانية.

أفردت الكاتبة ايناس حسني مجالا حذراً لطرق انتقال وتأثير الفن الإسلامي في أوروبا، باعتبار ان الفهم الواعي للفن الإسلامي والاستيعاب الحقيقي لفلسفته ومفهومه وفكره ومضمونه .

وما ينطوي عليه من قيم جمالية وروحية قد تم على يد فناني العصور الوسطى وعصر النهضة، ذلك الفنان الذي استطاع - بحدسه قبل حسه وببصيرته قبل بصره- ان يكتشف الجوهر ويستوعب القيم ويستلهم الخصائص ، فقد كان فنان عصر النهضه مهيأً لذلك وهو يتطلع إلى الفن الاسلامي، ذلك لانه كان يبحث عن اللغة المناسبة التي تحقق الحل الامثل لمعادلة تشكيل السطح.

ولاذي كان يبحث عن الروح التي افتقدها في فنه وعن مخرج لتلك الازمنة التي وقع فيها نتيجة فرديته المطلقة وشططه المفرط من جهة.. قد وجد ضالته المنشودة في الفن الإسلامي شكلا وروحاً ومضموناً، ذلك الفن الذي يمثل روح العصر بالرغم من قدمه.

لذلك يعد التأثير الحقيقي للفن الإسلامي يتعلق بالجوهر ولا قيمة سواء معنوية أو مادية، ويمكن رصد تأثير الفن الإسلامي في فنون الغرب والبحر المتوسط عندما استخدم الصقليين الثياب والعقود والاعمدة الإسلامية في عمائرهم ، واقتباس الانجليز من العمارة الإسلامية الرسوم النباتية والزخارف وتأثر الايطاليون بصياغة الاحجار القائمة زاهية اللون التي انتشرت في العصر المملوكي.

* فلورنسا الشرارة الأولى

وإذا كانت مدينة فلورنسا.. هي المكان الذي ظهرت فيه الشرارة الاولى لبدء عصر النهضة الاوروبية سواء في العلم أو الفن، فقد دأب حكامها أمثال «كوزيمو» و«لورنزو» على شراء المخطوطات اليونانية والعربية.

والاحتفاء بالعلماء والأدباء والفنانين الوافدين على فلورنسا من القسطنطينية والاندلس ويحتفيان بهم ايما احتفاء، هذا فضلا عن ان المكتبات والمتاحف والمجامع العلمية التي أنشأها حتى غدت فلورنسا في عهدهما اشبه المدن بأثينا في عصرها الذهبي.

تعليقات

تعليقات