لا شك أن «معجم البلدان» الذي وضعه ياقوت الحموي الرومي (الذي عرف له أيضاً معجم مهم آخر هو «معجم الأدباء») يعتبر من أهم انجازات الحضارة الفكرية العربية الإسلامية خلال القرن السابع الهجري. فهو كان أول موسوعة جغرافية من نوعها.

ولكن سيكون من الخطأ في الوقت نفسه اعتبار هذا العمل المتعدد الأجزاء الصارم الأحكام، مجرد عمل جغرافي... فهو، تحت مراد علم الجغرافيا، يقدم إلينا ما يتجاوز ذلك بكثير: يقدم زهو أمة بنفسها ومحاولة لتلقين دروس الكون وحقائق السياسة.

إذا صدقنا ما يقوله ياقوت الحموي الرومي في مقدمة كتابه الفخم «معجم البلدان» يكون الحافز على تأليفه هذه الموسوعة الجغرافية الضخمة التي كانت الاولى من نوعها في تاريخ الفكر، كلمة واحدة هي في الأصل اسم موقع كان منسيا تماما.

الكلمة هي «حباشة» أما الموقع الذي تشير إليه فهو سوق من أسواق العرب في الجاهلية كان انطوى تماما ولم يعد له وجود، والذي حدث يومها هو ان ياقوت فيما كان يقرأ حديثاً نبوياً شريفاً، مر به اسم حباشة.

وبما ان ولعه بالجغرافيا وبأسماء الأماكن وتاريخها كان قديما جدا لديه، بل أشبه بهوس دائم، حيره هذا الاسم وطفق يبحث عن مكان الموقع. راجع كل ما توفر له من كتب ومراجع. نزل إلى دكاكين الوراقين.... تفرس في ألوف الصفحات ولكن عبثا، لم يتوفر له من المعلومات سوى ما كان يعرف سلفا من خلال تفاسير الحديث الشريف:

أي أن حباشة سوق من أسواق العرب. فأين كان موضعه؟ ما كان تاريخ اندثاره؟ بل لماذا قام واندثر، ما هي العوامل التاريخية أو الاجتماعية أو السياسية التي أقامته ثم ألغته؟ كل هذه الأسئلة حارت في ذهنه وظلت تشغله أياماً، وبعد ذلك من خلال بحث وتأمل وجد ياقوت ان ثمة أسماء عديدة من هذا النوع لم يبق من ذكراها شيء.

كما وجد ان ليس ثمة في المكتبات ولا لدى الوراقين انه مراجع حقيقية تعالج مثل تلك المواضيع. فالظاهر، قال في نفسه، ان أجدادنا وأسلافنا كانوا منشغلين بالسياسة والعديد من الأمور الأخرى إلى درجة منعتهم من الاهتمام بمثل تلك المعارف.

وهكذا قرر صاحبنا ان الوقت قد حان لكي يهتم احد بذلك أي يسد ذلك النقص وتأليف كتاب ضخم فريد من نوعه. وكانت النتيجة مجلدات عديدة قال عنها مؤلفها وهو يشعر بالفخر كل الفخر عند انجازها: «انني اقول ولا اقسم، وأدعو إلى النزال كل عالم وكل علم في العلم ولا انهزم.

ان كتابي هذا أوحد في بابه، مؤمر على اضرابه ولا يقوم بإبراز مثله إلا من أيد بالتوفيق وركب في طلب فوائده كل طريق». والحال انه اذا كان قسطاً كبيراً من الغرور والإعجاب بالذات يسم هذه العبارات، فلا شك ان مراجعتنا اليوم لهذه الموسوعة تقول لنا إن ياقوت لم يكن مغاليا ولا مفتريا على احد.

اجل كانت موسوعة فريدة من نوعها خاصة انه اتبع في صياغتها منهجا علميا يبتعد كثيرا عن تلك العشوائية التي كانت تسم مثله من المؤلفات. وهذا واضح من تقسيم الكتاب، حيث إن ياقوت جعله، حسب الغرض منه وحسب مراده في خمسة أبواب:

_ الباب الأول في ذكر صورة الأرض وحكاية ما قاله المتقدمون في هيئتها.

_ الباب الثاني في وصف «اختلافهم» أي اختلاف المتقدمين على معنى الإقليم وكيفيته واستقامته ودلائل القبلة من كل ناحية.

_ الباب الثالث في ذكر ألفاظ يكثر تكرار ذكرها فيه ويحتاج إلى معرفتها. ومن هذه الألفاظ البريد والفرسخ والميل وما إلى ذلك وهذا القسم كما هو واضح أتى أشبه بقاموس للمصطلحات الجغرافية.

_ الباب الرابع في بيان «حكم الارضين والبلاد المفتتحة في الإسلام وحكم قسمة العين والخراج فيما فتح صلحا أو عنوة، على أيدي المسلمين في كل تلك المناطق التي شكلت ديار الإسلام في زمن ياقوت.

_ والباب الخامس أخيرا، وهو دون أدنى ريب، أهم أبواب الكتاب وأطولها لأنه باب في «جل أخبار البلدان التي لا يختص ذكرها بموضع دون موضع، لتكمل فوائد هذا الكتاب، ويستغنى به عن غيره في هذا الباب»، كما يقول لنا ياقوت الحموي في تقديم الكتاب.

غير ان التوقف عند توزيع «معجم البلدان» إلى ابواب على هذا النحو، لا يفي الكتاب حقه، ذلك ان تأملا فيه على ضوء العلوم الحديثة، ولا سيما علوم الجغرافيا، كما باتت معروفة، بعد الطفرة الكبيرة التي حققتها هذه العلوم في القرنين التاسع عشر والعشرين، سيرينا اننا لسنا هنا أمام موسوعة جغرافية عادية علمية.

وحسب بل اننا في الحقيقة أمام موسوعة تاريخية وأدبية واقتصادية واجتماعية ناهيك بأن أجزاء الكتاب تحتوي أيضاً ثبتا بمئات الكتب والمراجع التي استند اليها المؤلف ما يشكل «بيبلوغرافيا» حقيقية. ففي زمن ياقوت لم تكن ترسخت بعد مبادئ التفريق بين العلوم .

وهي مبادئ سادت الحيز الجغرافي خاصة طوال قرون قبل ان تعود القرون الحديثة إلى القول إن لا جغرافيا دون تاريخ ولا تاريخ دون اقتصاد ولا اقتصاد دون تعمق في دراسة المجتمعات. ومن هنا تبدو موسوعة ياقوت وكأنها عمل معاصر. ومع هذا علينا ان نتنبه هنا إلى عنصر آخر، هو العنصر الإيديولوجي، صحيح انه لم يكن من شأن ياقوت ان يدرك ان كتابته حول أمم العالم .

وبلدانه إنما هي كتابة ايديولوجية خالصة، ولكن لان الرجل وضع نصوصه في زمن كانت الأمة (الإسلامية ـ العربية) بدأت تبحث فيه عن هوية لها، كانت تراها تختفي أمام ناظريها بفعل تفكك الدولة وتنامي العصبيات الصغيرة، كان من المنطقي لكاتب مثل ياقوت ان يجعل من صفحات كتابه، وان مواربة وان لم يدرك هو ذلك بصورة مباشرة.

ذلك ان ياقوت، حين كان يتكلم على كل بلد أو شعب، سواء اكان وجوده داخل حيز عالم الإسلام وخارجه، كان لا يتوقف عن المقارنة بين عالم الإسلام وغيره من العوالم، كما انه في امكنة عديدة كان لا يتردد في ذكر أفضال الإسلام على الديار والوحشية التي كانت في هذه الديار قبل وصول الاسلام، والازدهار الذي عرفته بعد وصوله».

وفي هذا السياق كان ياقوت ينقل نصه مباشرة من مضمار العلم إلى حيز الايديولوجيا، بحيث تبدو نصوصه اشبه بنصوص دعائية للامة التي ينتسب اليها.

ويقينا انه ما كان من شأن مفكر وكاتب مثل ياقوت الحموي ان يفعل ذلك لولا إحساسه بقوة الضغوط التي كانت تتعرض إليها أمته بعد ازدهار، فإذا كان كتاب «معجم البلدان» أتى ليصف العالم كله وأحواله في ذلك، فإنه أتى أيضاً وبالتأكيد لينطلق من مركزية وحيدة كان يمكن لياقوت ان يعرفها ويعيشها في ذلك الحين: مركزية الشرق العربي.

ومن هنا يبدو الكتاب كله وكأنه يسعى إلى تأكيد فكرة فحواها ان العالم كله لا يمكن ان ينظر إليه إلا انطلاقا من تلك المركزية ما يعني هنا اننا أمام عمل «يسعى إلى تملك العالم نظريا، في زمن كان من الصعب فيه تملكه عمليا، انها السلطة العلمية سلطة المعرفة اذ تحل محل السلطة العملية». وياقوت لا يخفي هذا، إذ ها هو يقول لنا في تقديم الكتاب:

«اما بعد، فهذا كتاب لم اقصد بتأليفه واصمد نفس لتصنيفه، لهوا ولا لعبا ولا رغبة حثني إليها ولا رهبا ولا حنينا إلى وطن ولا طريا ضفر في إلى ذي ود وسكن، ولكن رأيت التصدي له واجبا والانتداب له مع القدرة عليه فرضا لازبا وفقني عليه الكتاب العزيز الكريم وهداني إليه النبأ العظيم وهو تقويم لمن سار في بلاده ولم يعتبر ونظر إلى القرون الخالية فلم ينزجر وقال وهو اصدق القائلين:

«قل سيروا في الأرض وانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين»، أي انظروا إلى ديارهم كيف درست، والى آثارهم وأنوارهم كيف انطمست، عقوبة لهم على اطراح أوامره وارتكاب زواجره إلى غير ذلك من الآيات المحكمة والأوامر والزواجر المبرمة».