في العام 1867، كان مارك توين، الذي سيتحف العالم بعد ذلك بأجمل نتاجات الأدب الأميركي في زمنه (من «توم سوير» إلى «هاكلبري فين») لا يزال صحافيا شابا يدعى صامويل لانغهورن كليمنص. وكان لا يزال مجهولا..
وهو في ذلك الحين خاض أول التجارب الكبرى في حياته، ما مكنه من أن يجرب حظه في الكتابة الساخرة. كان ذلك لمناسبة مرافقته جماعة من المتشددين المسيحيين الأميركيين (من الكويكر)، في رحلة حجهم الطويلة إلى فلسطين. ولقد نتج عن هذا كتاب طريف عنوانه «رحلة الأبرياء» نقتطف هنا صفحات منه تصف وصول الصحافي الشاب وأصحابه إلى لبنان وجباله.
حين دونت ملاحظاتي الأخيرة، كنا في إيفيز بتركيا. أما الآن فنحن في سوريا.. حيث أقمنا مخيما في جبال لبنان. والمسافة الفاصلة بين المكانيين كانت طويلة، في الزمان وفي البعد. ولما حمل معنا، على أية حال، أية ذكرى من إيفيز.
كل ما حدث هو أننا جمعنا بعض قطع المرمر المنحوت المنتزعة من زينة داخلية لبعض المساجد وحملناها على ظهر بغلة هلكت وهلكنا في حملها طوال خمسة أميال حتى المحطة.
ولكن هناك قابلنا مندوبا للحكومة آمرا كل من يحمل أغراضاً من هذا النوع أن يسلمها. وكان قد تلقى من اسطنبول أمرا بأن يراقب مجموعتنا وألا يدعها تحمل معها أي شيء إلى خارج تركيا.
وأنا نفسي لم يسبق لي في الماضي أبدا أن عرفت كيف أقاوم إغراء سرقة شيء ما من بيت شخص غريب. كان مثل هذه السرقة تملأني زهوا. وهذه المرة كان زهوي أكبر.
ولكن هذا لم يمنعني من أن أبدي رصانتي وسط كل اللعنات التي راحت تنصب على رأس الحكومة العثمانية بسبب الخروج الذي سببته على هذا النحو لجماعة من السادة والسيدات المحترمين من الذين يقومون برحلة ترفيهية لا أكثر. وقلت «نحن الذين نملك روحا نقية.. لا تطالنا مثل هذه الأمور».
كنا قد أخذنا المركب لنصل إلى أزمير وكلنا نشوة فرح وترقب واستعجال. ذلك أن الهدف الأكبر والغاية القصوى، إنما كان الوصول إلى الأراضي المقدسة! وأمام مثل ذلك الترقب تحملنا كل أنواع التعب وكل ضروب التفتيش والغلاظة، تحملناه لأننا جميعا كنا من قراء الكتاب المقدس وتعرف أن ما من وصول طيب إلى هدف، من دون أن تصحبه أو تسبقه آلام ومعاناة .
بيد أن هذا كله يبدو وقد انتهى الآن. وها نحن في جبال لبنان، على مبعدة يسيرة من هدفنا. وما إن استقر بنا المقام وخيمنا حتى وزعنا أنفسنا على مجموعات من ستة أشخاص أو ثمانية وتفرقنا. ولقد كانت مجموعتي، على أية حال، الوحيدة التي قررت القيام بجولة كبيرة، أي جولة تشمل زيارة داخل سورية عبر المرور ببعلبك ودمشق، لتنقل من هناك مداورة.
وعبر جزء كبير من أراضي فلسطين حتى تصل إلى القدس. وكنا نعرف على أية حال أن السفر صعب وتحفه المخاطر في ذلك الموسم من العام حيث الحرارة لاهبة. لكن هذا ما كان من شأنه أن يقض مضاجع قوم مثل قومنا أقوياء قديسين، معتادين إلى حد ما على التعب والعيش في الخلاء. اما المجموعات الأخرى فإنها قررت لنفسها سفرا أقصر.
منذ شهرين إلى الآن، ثمة سمة من سمات هذه الرحلة لم تكف عن إهلاكنا، وأعني بهذا وسائل التنقل التي سوف توصلنا في نهاية الأمر إلى محط حجنا في الديار المقدسة. لقد كنا نعرف جيدا ان فلسطين ليست دياراً مليئة بالمسافرين.
كما أن كل الذين التقيناهم قبل الرحلة وسألناهم، كانوا قد قالوا لنا الكثير حول صعوبة العثور على مترجمين وحيوانات نقل تكفي لأقل من نصف مجموعتنا. ولذا، انطلاقا من اسطنبول كان كل واحد منا قد راح يبرق إلى القنصليتين الأميركيتين في بيروت والاسكندرية معلما إياهما بحاجتنا إلى المرافقين ووسائل النقل.
وقد دب فينا اليأس حقا، بحيث كنا على استعداد للقبول بكل ما قد يعرض علينا، جيادا أو حميرا أو زرافات أو كنغارو لا فرق. ومن ازمير كنا قد أبرقنا أيضا للغاية نفسها. وإذ خشينا أن يصيبنا الأسوأ، أبرقنا حاجزين عدداً كبيرا جدا من المقاعد في حافلات دمشق، وعددا كبيرا من الأحصنة تمكننا من الوصول إلى آثار بعلبك.
وسرت الشائعات في المنطقة الممتدة من سوريا إلى مصر بأن كل سكان مقاطعة أميركا آتون إلى الديار المقدسة (ويبدو أن الأتراك كانوا يعتقدون أن أميركا مجرد مقاطعة صغيرة ضائعة في مكان ما من هذا العالم). وهكذا حين وصلنا بيروت وجدنا المدينة مزدحمة بأعداد كبيرة من المرافقين والمترجمين مع عتادهم.
وفي البداية نوينا جميعا أن نذهب إلى دمشق في عربات الخيول مارين ببعلبك، ثم نعود إلى السفينة التي تقلنا إلى فلسطين متيقنين من أن في إمكاننا بعد ذلك أن نصل إلى الكرمل ونجول في غاباتها. ولكن بعد ذلك حين وجد أفراد مجموعتنا أنه من الممكن والأفضل لنا أن نقوم بـ «الدورة الكبيرة» تبنينا جميعا هذا البرنامج.
والحقيقة أن أيا منا لم يكن قد سبق له أن أزعج قنصلاً من قبل.. لكننا الآن في بيروت لم نتردد في ازعاج قنصلنا بطلباتنا وشكاوينا. وأقول هذا لأنني لا استطيع أن أمنع نفسي من الاعجاب بصبره وتفهمه وشطارته. وأقولها أيضا لأنني اعتقد أن البعض منا استنكفوا عن الاعتراف بما قدمه لنا من خدمات.
من بين أعضاء مجموعتنا الثمانية، تم اختيار ثلاثة ليكفلوا بالقضايا الإدارية والتدبيرية. أما الآخرون فما كان عليهم سوى أن يتفرجوا على مدينة بيروت الجميلة، ببيوتها الجديدة الغارقة في محيط من الخضرة ممتدة على منزلق هادئ يصل إلى البحر، وآه ما أجمل جبال لبنان المحيطة ببيروت!
وما أروع أن يسبح المرء في الماء الأزرق الشفاف الذي يدفع أمواجه حول المركب.. وكان هذا الاعجاب قبل أن يقال لنا أن ثمة أسماك قرش تسبح في هذه المياه!
ولقد كان في استطاعتنا أيضاً أن نتجول في المدينة، ونتفرج على ثياب أهلها الزاهية. إنها ثياب جميلة وطريفة، لكنها ليست على حسن ثياب أهل اسطنبول وازمير. والحقيقة أن نساء بيروت سببت لنا قلقا جديدا وجديا. ففي المدينتين التركيتين السابقتين كانت النساء يضعن شالا على الوجوه. صحيح انه شفاف يمكن مشاهدة تلك الوجوه من خلاله..
ولكن في بيروت كانت الوجوه مغطاة كليا بشال أسود سميك، يجعلهن يشبهن المومياء. لكنهن في المقابل لم يكن يخفين صدورهن إلا قليلا. المهم أنه في الساعة المحددة قرأت لجنتنا التنظيمية تقريرها معلنة أن كل شيء صار جاهزا:
علينا أن نسافر اليوم ومعنا أحصنة نركبها وحيوانات أخرى للأحمال والخيم. الهدف الأول سيكون مدينة بعلبك ثم منها إلى دمشق فبحيرة طبريا. ومن هناك سوف نتجه جنوبا عابرين المكان الذي حلم فيه يعقوب، ثم بأماكن أخرى خلدها الكتاب المقدس، حتى نصل إلى القدس.
ومن هناك يكون لنا أن نتجه إلى البحر الميت لكن هذا ليس مؤكدا. ومهما يكن فإننا إثر ذلك سوف نتجه نحو البحر حتى نصل إلى سفينتنا الراسية في يافا، وسيكون ذلك بعد اربعة أو خمسة أسابيع من الآن. والشرط الوحيد هو دفع 5 دولارات لكل يوم ولكل شخص، شرط أن تكون الدولارات ذهبية. وقيل لنا على سبيل الطمأنة أن الأمور سوف تكون مريحة «كأنكم في فندق».
أما أنا فقد سبق لي أن قرأت حكاية تتحدث عن ظروف مشابهة، فإنني اتبعت حدسي ولم اصدق أية كلمة من كل ما قيل في هذا الشأن. لكني لم اعترض ولم أفه بكلمة.. بل اكتفيت بأن أخذت معي وشاحا سميكا وغطاء للنوم. وغليونين أو ثلاثة وبضعة قمصان صوفية وكتابا مقدسا ومنشفة وكتاب دليل سفر.. لأنني كنت واثقا أنني سوف احتاج إلى هذا كله رغم التطمينات.
