عندما نتكلم عن الفضل وذويه من المستشرقين العلماء، لابد من ذكر مدرسة كاملة من مدارس الاستشراق الأسباني أنصفت هذه الحضارة الإنسانية، ودافعت عنها ضد تجنيات بعض المستشرقين، إنها مدرسة المستشرق الأسباني فرانسيسكو كوديرا المتوفي في سنة 1917 عن عمر تعدى الثمانين عاماً.
هذه المدرسة الكبيرة، ضمت عدداً من المستشرقين الأسبان المعتدلين الذين ارتبطوا معاً برباط الإنصاف التاريخي للعصر الإسلامي الأسباني وتَسمّوا بأسُرة كوديرا، بل أنهم مبالغة منهم في الحرص على سمتهم وموضوعيتهم استعاروا لأنفسهم الكلمة العربية «بني» أي «أبناء»، وأطلقوا على أنفسهم « بني كوديرا» .
منهم الدكتور بيدرو مونتايث الذي له مقولته الشهيرة: «إن أسبانيا ما كان لها أن تدخل التاريخ الحضاري لولا القرون الثمانية التي عاشتها في ظل الإسلام وحضارته، وكانت بذلك باعثة النور والثقافة إلى الأقطار الأوروبية المجاورة المتخبطة آنذاك في ظلمات الجهل والأمية والتخلف».
وكان يرد بهذه العبارة على مستشرق أميركي من جامعة شيكاغو خلال المؤتمر الذي أقامته الحكومة الأسبانية عام 1976م، والذي كان قد ألقى بحثاً في المؤتمر خصصه من ألفه إلى يائه للحملة على الإسلام والمسلمين، وانتهى به الأمر فأعلن أن أعظم ما قام به الأسبان هو طرد العرب والمسلمين من أسبانيا.
وكان المستشرق مونتايث حاضراً الجلسة والتي كانت قد عقدت في قرطبة، وما أن سمع تلك الكلمات الجارحة من ذلك المستشرق المتعصب حتى قفز إلى المنصة، على حد تعبير الدكتور الشكعة الذي كان حاضراً هو أيضاً، وردّ عليه وتصدى له بتمكن بل ووصفه بالجهل المطبق، واتهمه بأنه لم يقرأ التاريخ ولم يفهمه.
أسس هذه المدرسة فرانسيسكو كوديرا زيدين 1836 ـ 1917 Francisco Codera Zaydin أما تلاميذه الذين عُرفوا ببني كوديرا وهم جوليان ريبيرا 1858 ـ 1934 J.Ribera وأسين بلاثيوس 1849-Asin Placios 1899، وانخل جنثالث بالنثيا A.Gonzalez Palencia 1899-1849، وجارثيا جوميز Garcia Gomes.
* نقاء علمي
يوضح الدكتور الشكعة، أن الاستشراق المتعلق بالأندلس وجنوب أوروبا مختلف بعض الشيء، وله خصوصيته، بمعنى، أن المستشرقين المشتغلين بالأندلس والأسبانيين منهم بصفة خاصة، ينطلقون من مبدأين مختلفين.
ومن ثم كانا فريقين متنازعين، على الرغم من اتفاقهما أو اختلافهما حيال الأحداث التاريخية والمواقف الفكرية والأركان الحضارية في النطاق الإسلامي العام من جهة.
وفي المحيط الأندلسي الإسلامي الخاص من جهة أخرى، ففريق يرى أن فترة وجود الإسلام لمدة ثمانية قرون في أسبانيا تشكل حقبة مهمة لا سبيل إلى تجاهلها في تاريخ شبه جزيرة ايبريا، خاصة وأن المجتمع الأسباني على مختلف طبقاته وأجناسه بما في ذلك الكثرة الأسبانية كان مجتمعاً إسلامياً.
وخير من مثل هذا الفريق هم (بني كوديرا)، حيث يستمسكون عادة بالنقاء العلمي، ويقررون أن أسبانيا دون احتساب المرحلة الإسلامية تعتبر دولة عاطلة عن الأمجاد التاريخية، لذلك فإن هذه الجماعة- على صغر حجمها- تسير أكثر ما تسير في خط اقرب إلى الحياد وأدنى إلى النّصْفَة.
أما الفريق الثاني فيقف من الإسلام موقفاً عدائياً دون تحفظ ولا يرى أنه يمثل حقبة ذات اعتبار في تاريخ الأمة الأسبانية، وإنما يراه استعماراً لشعب واغتصاباً لأرض، وهو للأسف حسب الدكتور الشكعة، كثير العدد، عالي الصوت، شديد الجلبة، ولعل أشهرهم في غير الأسبان وأشدهم عداوة للإسلام المستشرق الهولندي رينهارت دوزي Dozy كما مر معنا، وأكثرهم لدداً وقرارة بين الأسبان فرانسيسكو سيمونيت Francisco Simonet.
كان كوديرا يمثل غرة بيضاء في جبين الاستشراق الأندلسي في القرن التاسع عشر، ذلك القرن الذي ناء كاهله بالأوزار الثقيلة لعدد ضخم من المستشرقين الأوروبيين المهتمين بالأندلس.
وكان من عشاق المخطوطات العربية، فقد اقتنى عدداً كبيراً من المخطوطات العربية النفيسة، والتي ارتبط أكثرها بالتاريخ الإسلامي للأندلس، كما جمع قدراً كبيراً من النقود العربية الأندلسية وصفها في كتاب نفيس، كما أصدر ما أسماه بالمكتبة الأسبانية Biblotica Arabico Hispana.
وذلك بمساعدة تليمذه خوليان ريبيرا. وضمت تلك المكتبة كتب: الصلة لابن بشكوال، التكملة لابن الابار، المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي، بغية الملتمس للضبي، تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي فهرست ما رواه بن خليفة عن شيخوخة.
وهي كما نرى مجموعة جليلة القدر من كتب التراث الأندلسي الأصيل التي لا غنى للباحث خاصة في ميادين الدراسات الأندلسية عن أي منها، هذا فضلاً عن كتبه في التاريخ الأندلسي التي تشكل مجلدات عديدة خلت ـ في جملتهاـ من الخطأ وخلت ـ في غالبيتها ـ من الانحراف.
ولعل كوديرا كما يقرر الدكتور الشكعة، وهو المستشرق الوحيد الذي علا صوته بمدح المسلمين وتمجيد أعمالهم، وإعلان فضلهم على الحضارة الإنسانية وحفاظهم على التراث القديم، فيقول في المجلد الثاني الذي أصدره عام 1917م ما نصه: «إن العرب - يقصد المسلمين - كانوا أكثر شعوب العصور القديمة والوسطى اهتماماً بالعلم وأغزرهم تأليفاً في شتى صنوف المعرفة».
بل ودعا كوديرا إلى ما أسماه بـ «تعريب أوروبا»، أي تعريب الحضارة الأوروبية، ويقول في بعض ما ذكره عنه جميس مونرو: «إن من الخطأ العمل على أوْرَبَة أسبانيا، بل الواجب هو تعريب أوروبا، وعلى أسبانيا أن تسترد دورها الأندلسي القديم في هذا التعريب».
على أن واحداً من إنجازات كوديرا الكبرى التي تذكر له بالحمد والثناء تتمثل في مدرسته الفكرية الأندلسية تلك، التي أشرف على تكوينها ـ من طلبته ـ وحمّلها رسالته وخرّجت عدداً من كبار المستشرقين المعنيين بالدراسات الأندلسية الإسلامية وهم «بني كوديرا».
لقد ربطت مجموعة من الوشائج بين هؤلاء المستشرقين، أهمها انهم جميعاً تلاميذ كوديرا ومريدوه، فكانوا كالإخوة في نطاق الأسرة الواحدة، ومن ثم أطلقوا على جماعتهم كما ذكرنا بني كوديرا حباً بالحضارة العربية الإسلامية الذين وقفوا إنتاجهم على خدمتها .
وأي خدمة جليلة قدموها مازلنا ربما لم نترجم منها إلا الشيء النزير جداً، أليس من حقهم علينا أن نترجم أعمالهم وننشرها، ألا تتبنى شخصية من الشخصيات المحسنة المحبة والغيورة على تراثنا العربي الإسلامي في الأندلس ـ ولا نعوّل على المؤسسات لأسباب لا تخفى على المتتبع الباحث ـ أعمال بني كوديرا وتترجمها وتنشرها، لنعرف أن الاستشراق لم يكن شراً كله ولا يمكن أن يكون بوجود مثل هؤلاء المستشرقين العظام.
* عشاق المخطوطات
للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) قول منصف في عشاق المخطوطات هؤلاء من المستشرقين حيث تقارن بين جهودهم وجهودنا في مجال نشر وتحقيق المخطوطات.
فتقول: «نقابل صنيع من اشتغلوا منا بنشر المخطوطات، منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بصنيع المستشرقين فتروّعنا المقابلة، فأمانتهم في نقل النص يقابلها عندنا عبث بالنصوص، يتناولها بالحذف والإضافة والتغيير، ودقتهم في مقالة النسخ الخطية للنص، والتماس الأصالة فيها والتثبت من صحة نسبها، يقابلها عندنا إغفال لذكر النسخة المنقول عنها.
أو إخراج طبقات ملفقة مرقعة تُنسب إلى المؤلف القديم دون أن يتصل به نسبها، وبدا واضحاً أن أكثر القوم هنا لم يقصدوا إلى شيء من النشر العلمي، ولا عناهم أن يثقلوا على أنفسهم ببعض أعبائه وتبعاتِه، ولا أن يضبطوا أقلامهم بشيء من نُظُمهِ ومناهجه، إنما أخذوا النشر وسيلة ارتزاق فحسب».
كما ويشير محمد كرد علي في شهادته على ما قدموه في هذا المجال فيقول بأنه «هكذا بدأ الاستعراب في الغَرب، ونبغ مئات من بنيه في العربية وآدابها، وكانوا من العوامل الكبرى في النهضة العربية الأخيرة، بما أحيوا من كتب العرب القديمة، وخدموها أجلّ خدمة بمعارضتها على النسخ المتعددة، وبوضع الفهارس المنوّعة لها، ليسهل الانتفاع بها بسرعة.
ومنهم تعلَّمنا هذه الطريقة، واعتادوا أن يشرحوا غوامضها بلغة الناشر أو باللغة اللاتينية، لغة العلم المعتمد عليها إلى عهد قريب، فانتفعوا بما نشروا، ونفعوا بما حَوَت من معارف كانت مجهولة.
بل بهم تَجَلَّت مَدَنية العرب للمرة الأولى، لأنهم طبعوا في القرنين السادس عشر والسابع عشر في إيطاليا وهولندا كتباً عظيمة من كتبنا، كانت حجر الأساس في انبعاث العربية من رَقدتها الطويلة. ويكفي أن نقول «إن أوروبا طبعت كتبنا بالحروف العربية قبل أن تدخل الطباعة إلى القسطنطينية والقاهرة بمئتي سنة».
إن عناية المستشرقين عناية خاصة بكل ما يتعلق بالمخطوطات العربية من جمع وتصنيف وتحقيق ونشر، لا ينفي بالطبع وجود أزمة منهجية لدى بعضهم، كما لا ينفي وجود أهداف وغايات بل وحتى ممارسات غير أخلاقية أحياناً لدى البعض منهم كما مَرَّ معنا مع دوزي ولامنس وغيرهم.
ولكن لو تأملنا ما جاء من هجوم من هاجموا الاستشراق ـ منصفين كانوا أم مُغالين ـ نجدهم قد ابتعدوا عن أن يمسوا ما قام به المستشرقون من تحقيق للمخطوطات واجتهادهم فيه، ومن ترجمتهم له، والعناية به، وهو موضوع لا يمكن ان يختلف عليه أحد على أنه عمل يستحق الإشادة به وامتداحِه، وشكرهم عليه.
ولا ننسى جهود المستشرقين الألمان في هذا المجال فقد عنوا كثيراً بجمع المخطوطات العربية ووضع الفهارس لها، ولعل من أهم من قاموا بوضع الفهارس للمخطوطات العربية وليم ألفرت ـ أو كما يكتبه هو بالعربية على ما نشره من دواوين:
وليم الورد1828-1909 Wilhelm Ahlwardt وهو يُعَد من أقدر المتمكنين من اللغة العربية وأكبر حجة في الشعر الجاهلي وشعر الرجازين العرب ولعله من أوائل المستشرقين الذين اهتموا بالشعر النبطي وخاصة أشعار تغريبة بني هلال، وقد ترجم له الدكتور عبد الرحمن بدوي فصلاً من كتابه (ملاحظات على صحة القصائد العربية الجاهلية) .
كما أصدر قبله كتاب (العقد الثمين في دواوين الشعراء الجاهليين) والذي صدر عام 1869م، وله أيضاً (مجموع أشعار العرب) في ثلاثة أجزاء، 1902م، و(الأصمعيات، ومعها قصائد لغوية) و (ديوان رؤبة بن العّجاج) صدر في ليبزك عام 1903، ثم ترجم هذا الديوان نَظْماً إلى اللغة الألمانية وظهرت الترجمة في برلين عام 1904م.
وقد أصدر فهرسة القيم الجامع للمخطوطات العربية بمكتبة برلين، وقد استغرقت المخطوطات المتعلقة بالسيرة الهلالية الجانب الأكبر من الجزء التاسع عشر من ذلك الفهرس الكبير، وهي تبلغ 174 مخطوطاً، مع إيراد كثير من محتوياتها وذكر بعض الأعلام المتصلة بها.
وقد أفاد من ذلك الفهرس فيما بعد الكثير من المستشرقين ومنهم المستشرق الألماني هارتمان 1551 ـ 1918 Hartmann.M الذي نشر بحثاً ضافياً عنوانه (سيرة بني هلال) أفاد فيه من جهود الفرت والمخطوطات التي تتعلق بالسيرة الهلالية المذكورة في فهرسه.
ويُعَد فهرسة هذا من أعظم أعماله على الإطلاق وعنوانه: (فهرس المخطوطات العربية في المكتبة الملكية ببرلين) في عشرة مجلدات، وهو يعتبر أكبر وأدق عمل فهرسي للمخطوطات العربية، ويمتاز بالدقة وسعة الاطلاع والإحاطة.
وقد مرت معنا جهود المستشرق الألماني نولدكه. أما هارتمان فإنه لا يقل أهمية عن سابقيه من حيث المكانة العلمية، وهو من المستشرقين الذين عنوا عناية خاصة بالعالم الإسلامي، ولهذا الغرض أسس مع آخرين في سنة 1912م (الجمعية الألمانية لمعرفة الإسلام)، كما أسس لها مجلة خاصة عنوانها (عالم الإسلام Die Welt des Islams) كانت مهمتها في المقام الأول دراسة المشاكل المعاصرة - في ذلك الحين - في العالم الإسلامي.
وهو يُعَد من أوائل المستشرقين الغربيين الذين اهتموا بالثقافة الشعبية وقد جمع عدداً كبيراً من الأمثال الشعبية العربية، كما اهتم بجمع التراث الشعبي للبدو وقد أصدر عنها كتاباً جمع فيه قدراً كبيراً منها، بعنوان (أغاني الصحراء الليبية) عام 1899م، واهتم كما ذكرنا بقصائد ملحمة السيرة الهلالية بالرجوع إلى المخطوطات العربية التي تحدثت عنها.
أما عاشق المخطوطات الكبير في إيطاليا فكان المستشرق الإيطالي العظيم كارلو ألفونسو نلّينو 1872 ـ 1938 Carlo Alfonso Nallino والذي شُغِفَ منذ صغره بتقويم البلدان ووصف الأرض، كما كان مغرماً بدراسة اللغات الأجنبية، ولما كانت اللغة العربية أوسع اللغات انتشاراً في الأجزاء شبه المجهولة من جانب الأوروبيين أي في قارتي آسيا وأفريقيا، فقد اندفع إلى دراسة هذه اللغة.
كما كان يتمتع بعقلية علمية فسيحة ومتشعبة ولجت جميع ميادين النشاط العلمي في الاستشراق خاصة ما يتعلق منه بالعرب والإسلام ولها معرفة علمية دقيقة تقوم أولاً وبالذات على تحقيق النصوص، والكشف عن النادر من الوثائق والمجهول من المخطوطات. كما عني بالشريعة الإسلامية، وكان له فيه باعُ طويل، خصوصاً حين أُثيرت مسألة وجود قانون سرياني سابق على الشريعة الإسلامية وبه تأثرت.
وهي من المسائل العديدة التي أثارها الاستشراق المغَرض، وقد أثبت نلّينو، بحجج لا تحتمل الشك ولا تستسلم للنقض، أن القوانين المسيحية الشرقية تعتمد كلها على الشريعة الإسلامية، ومنها استمدت. وكانت له في هذا المجال مناظراته التي أثارت إعجاب الجميع حتى خصومه أنفسهم.
وكان يقول دائماً لتلاميذه: «لا أُريد أن يغريني شيء على الخروج من دراسة العرب وحدهم إلى دراسة أخرى، ولكني أُريد أن اعرف عن العرب كل شيء». وقد خدم نلّينو بأبحاثه ودراساته وعنايته بالمخطوطات العربية الحضارة العربية الإسلامية في صقلية، خاصة حين شغل كرسي اللغة العربية في جامعة باليرمو.
كما عكف على الكثير جداً من الكتب العربية في فروع العلم المختلفة، لم يترك فيه باباً، ولم يهمل مسألة من مسائله، دون أن يقف عندها فيطيل الوقوف، مهتماً بالدراسات العربية وحدها دون غيرها من الدراسات الشرقية، بخلاف غيره من المستشرقين الذين كانوا في الغالب يوجهون نشاطهم إلى أكثر من ناحية واحدة من نواحي الاستشراق من عربية وإيرانية وسريانية...الخ.
وقد زارَ نلّينو القاهرة، بل ودرَّس في جامعتها، في ديسمبر 1893م، واستمر في مصر حتى مايو من العام التالي. وكان لهذه الرحلة أثر قيم في حياته العلمية، فاهتم باللهجات العربية، وأخرج كتاباً عنوانه:
«اللغة العربية في لهجتها المصرية»، لكي يدرس الإيطالي اللغة العربية بواسطته. كما اهتم بالقبائل العربية، فكتب «نظام القبائل العربية في الجاهلية». وكان يتمتع بقدرة فائقة على الملاحظة خاصة حين أقام في مصر ساعدته على فهم أحوال الشرق والعرب والمسلمين.
كما اهتم بتاريخ علم الفلك عند العرب في القرون الوسطى فنشر كتابه «علم الفلك، تاريخه عند العرب» في روما عام 1911م، بل ويُعد نلّينو أكبر حجة في تاريخ الفلك عند العرب، وقد ألقى محاضرات عنه باللغة العربية حين دعته الجامعة المصرية عام 1909م تمخض عنها نشره كتابه السابق.
* أمانة وتوثيق
وهكذا، نرى أن المستشرقين لم يقف جهدهم في جمع المخطوطات على مجرد الاقتناء، بل فهرسوا ماجمعوه من تراثنا فهرسة علمية دقيقة تصف معالم المخطوط وتبين حظه من الأصالة، وتحقق نسبة المخطوط، وتعرّف بمؤلفه وتتبع تنقله - المخطوط ـ بين أيدي المالكين جيلاً بعد جيل.
ومن ثم انتقلوا إلى المرحلة الثانية فعكفوا على ذلك التراث في رغبة علمية صادقة ينشرون نفائسه تباعاً نشراً يعتمد على أدق منهج التوثيق والتحقيق.
وكانوا ـ والحق يُقال ـ أمُناء على النصوص، لا يبيح أحدهم لقلمه أن يغير كلمة، أو حرفاً منه، فإذا بدا له أن يستبدل حرفاً بحرف أثبت في المتن رواية الأصل وجاء اللفظ ـ الحرف ـ المعدول إليه حاشية على الهامش مع بيان وجه العدول عن رواية المخطوط.
ويمكننا القول دون موارَبة إن الغرب قد اعتنى بتراثنا العلمي والثقافي في جانب واحدٍ منه، بل ربما أهمه وهو المخطوطات، عناية غفلنا عنها بعد أن أضعناه بل وبعناه أحياناً بثمن بخس، دراهم معدودة.
ولعل هذا ما يفسر لنا السر في ذلك الخضم الزاخر من مخطوطاتنا العربية التي نجدها ونسمع عنها في مكتبات العالم الغربي ـ بل وحتى المستشرق غير العربي منه - كروسيا ودول وسط أسيا والصين وأرمينيا وتركيا وإيران و ...الخ.
ولا عجب حين نقرأ أن مستشرقاً محققاً قد يقضي عمره في نشر كتاب واحد من هذا التراث، والشواهد في الحقيقة على هذا كثيرة، فقد استمر المستشرق الروسي الكبير كراتشكوفسكي يعمل عشرين عاماً في تحقيق «رسالة الملائكة» لأبي العلاء المعري مع المخطوطات العربية.
وقضى المستشرق فلوجل خمسة وعشرين عاماً في جمع المخطوطات لكتاب «الفهرست» لابن النديم في مكتبات فيينا وباريس وليون ولكنه توفي قبل أن يتم تحقيقه، وقد فصّل ذلك ـ بالأمثلة ـ نجيب العقيقي في كتابه (المستشرقون، 3 أجزاء، دار المعارف) وهو يُعد من المصادر المهمة في هذا المجال.
وإذا عدنا إلى المقابلة بين صنيع المستشرقين وصنيعنا كادت تنسينا أننا أصحاب عهد قديم بمثل تلك الدقة المنهجية في الرواية والأداء، في الشعر والأخبار - وقبلها في جمع وتدوين الحديث النبوي الشريف- قبل أن تسمع الدنيا بكلمة استشراق. ولكنا نعود اليوم مُرغمين للبحث وتتبع سيرة تراثنا بين أيدي المستشرقين.
وبالبحث عنه في مكتباتهم، مستعينين بما نشروه من فهارس ونسخ محققة، ذلك أنهم بذلوا جهداً، لم نستطع أن نستوعبه إلى اليوم، ذلك الجهد الكبير الذي جعلهم يعكفون على دراسة ذلك الكم الكبير من التراث، وقد توزعوه فيما بينهم، بعد أن استعانوا على تحقيقه بإجادة عدة لغات شرقية وغربية، بعد أن منحتهم دولهم بالطبع المال والرعاية والتشجيع.
ووضعت تحت أيديهم المكتبات العامرة بالبحوث والمخطوطات النادرة. ويشير الدكتور عبد المجيد دياب في كتابه تحقيق التراث العربي إلى أن المستشرقين، قد وفرّوا لنا ألوف الذخائر العربية، مرتبة محررة موثقة، تجلّها مكتباتنا وتعتمد عليها جامعاتنا ومراكز الدراسات المعنية بالمخطوطات في العالم العربي.
ويستند إليها علماؤنا، إذ سبقنا هؤلاء إلى نشرها. ولقد أحصى المستشرقون تراثنا الأدبي واللغوي والديني والعلمي من منابعه وتأثره بغيره إلى تطوره وأثره في غيره لتحديد الدور العلمي الذي اضطلع به، لا مجرد حصره في الكثير مما فات معاجمنا القديمة من مفردات جمعوها من أمهات الكتب وأرجعوا المفردات إلى معانيها الأولى .
وذكروا المَولّد منها، فأبو حيان والمسعودي وابن خلدون والبيروني ونظراؤهم من الكتاب الذين نشأوا في الأندلس أو شمال أفريقية أو أسيا الوسطى استعملوا ألفاظاً في غير معانيها التي وضعت لها أصلاً.
أو محدثة أو مبتدعة من اللغات المجاورة، أو لعل من أشهر من كتب في هذا المجال كارلو نلّينو الذي كتب عن التصحيفات العربية في معجمات اللغة، ووضع المستشرق الإيطالي الشهير دلاّفيدا 1886 ـ 1967 Giorgio Livi Della Vida إضافات قيمة إلى المعاجم العربية.
* أمر مخجل
أنه لممّا يثير الشجن - ولا أقول الحَنَق!- على مراكزنا العلمية على كثرتها في عالمنا العربي ولا نعني بها فقط المراكز والجامعات بل الجهات المعنية خاصة الحكومية التي لم تعط مع الأسف هذا الجانب المضيء بل والمشرّف من آثار حضارتنا العربية الإسلامية الاهتمام الجَدّي - التي يتباكى على ضياعها البعض ليل نهار ـ إنه لأمر مخجل في الحقيقة حين نتذكر ما قَدّمه الاستشراق على اختلاف مدارسه ومشاربه وغاياته المتنوعة والمتناقضة أحياناً.
وما قدمنا نحن لتلك الآثار التي جَلَو صَدَئها و أبرزوها واعتنوا بها عناية عجزنا نحن عن توفيرها لها. ولكن يبقى لنا في الحقيقة بصيص أمل في همة رجال هذه الأمة من الغيورين على تراث أمتهم، بعد أن نفضنا أيدينا من إمكانية الاعتماد على الجهات الحكومية، ممن يقدّرون قيمة هذه الكنوز العلمية والمعرفية حق قدرها.
ولا نعتقد أن من قبيل المديح أن نذكر جهود سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في هذا المجال، فهو رجل عالم ويقدّر جهود العلماء، ولعل من ابرز المساهمات التي حفرت للعرب مكاناً في الغرب بنشر ثقافتهم، فبجهود وتوجيهات سموه تم نشر مجموعة كتب قيمة لخيرة المستشرقين الألمان.
كما أُعيد نشر مجموعة رائعة من نصوص الرحلات لرحالة ومستشرقين كبار، وهذه الإصدارات هي جزء من مشروع مستمر هذا أوانه، وكما علمنا أن النشر سوف يتوالى وعلى دفعات والمشروع من تمويل سموه، أن مثل هذه الأعمال الجليلة، الحضارية الطابع، هي اللغة، لغة التواصل.
ولغة التعامل المفترضة مع الأخر، ولندع الحضارات تتكلم في حوار مفتوح راقٍ ومستمر، ولربما كان هذا المشروع الذي نتمنى له الدوام والاستمرار، هو العلامة المضيئة الوحيدة لنا في معرض فرانكفورت الأخير، وسط التخبط والاخفاقات المتوالية لنا هناك كما نشرتها الصحافة مؤخراً.
ولا شك أن الشيء بالشيء يذكر ونحن نتحدث عن الجهود الخيّرة في مجال مهم وحيوي ومُلحِ وهو مجال العناية بتراثنا من المخطوطات، فان لمركز زايد للتراث والتاريخ بالعين وبالأخوة في نادي تراث الإمارات وعلى رأسه سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء.
وشهادتي في الحقيقة في المركز تبقى مجروحة فقد عاصرت بدايات تأسيسه، ولمست بنفسي شخصياً ذلك الاهتمام الكبير والدعم اللامحدود من سمو الشيخ سلطان بن زايد للعناية بهذا الجانب مع وجود مجموعات من المخطوطات العربية الثمينة في المركز وخطط ونشاطات المركز سواء بعقد الندوات أو إقامة الدورات المتخصصة، وبإثراء الإصدارات في هذا الجانب.
كما لا يمكن أن نتجاوز، بل ونثمن تجربة مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، وجهود مؤسسة جمعة الماجد، هذا الرجل الذي غَيّر نظرة الآخر حول مدينة كوزوموبوليتانية عُرفت بأنها مدينة المال والأعمال والأبراج الزجاجية، ليضيف إلى رتوش صورة دبي مدينة محتضنة لمراكز حضارية تهتم بتتبع آثار تراثنا.
هذا العاشق الكبير للمخطوطات الذي سخّر المال والجهد والوقت لمتابعة هذه الرسالة الحضارية بشغف ودأب لا يعرف الكلل ولا الملل في تأسيس ليس أول مركز متخصص في جمع وتحقيق المخطوطات فقط، بل وصيانتها وترميمها.
وبأحدث الطرق، مع إقامة دورات في مجال الصيانة والترميم دون مقابل بل وكما علمت من بعض الاخوة المتدربين بان المركز وفّر أجهزة الصيانة والترميم الآلية مجاناً للمراكز المعنية بالمخطوطات أينما وجدت، وأرسل المتخصصين للبحث عنها شرقاً وغرباً.
إنه لشيء يدعو للفخر أن نجد مثل هذه الشخصيات التي أنعم الله عليها بالمال فلم تبخل به وبصرفه على وجوه العلم المشرقة وما حضارات الأمم إلأّ تراكمات جهود مثل هؤلاء الرجال العظام الذين يضعون سمعة وتراث أمتهم تحت الشمس.
