مما لا ريب فيه أن خدمة كتاب الله عز وجل ليست وقفاً على قرن دون قرن، أو على صقع دون صقع من أصقاع الإسلام، وإنما هي حق مفروض في عنق كل قادر على تقريبه من أذهان الناس والرد على ما يلقيه المبطلون من شبهات ومفتريات على ضفاف بحاره، فلكل قرن قضاياه وأطروحاته المستجدة.

والقرآن صالح للهيمنة على قضايا البشر أينما كانوا وحيثما كانوا، غير أنه يكون بحاجة إلى خدم مخلصي النية صادقي الهمة والعزيمة من أهل علومه، يتولون الغوص في تياره واستخراج كنوزه وآيات تفرده التي يتحدى بها رب العزة عقول البشر وحفائظهم.

وفي الحقبة من (1307 ـ 1376) عرف المسلمون بالمملكة العربية السعودية، رجلاً شغل نفسه بعلوم دينه، على سنن الأقدمين من السلف الصالح، فقد ولد في بلدة عنيزة بالقصيم، بتاريخ 12 محرم عام ألف وثلاثمئة وسبع من هجرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وفقد أمه وهو ابن أربع سنين، كما فقد أباه وهو ابن سبع سنين، فربي يتيماً لطيماً، غير أنه نشأ نشأة حسنة، استرعى الأنظار ربما ظهر عليه من علامات النجابة والذكاء والنبوغ، ورغبته الشديدة في تحصيل العلوم، وقد حفظ القرآن.

وأتقنه وعمره إحدى عشرة سنة، ثم تلقى العلم على يد علماء بلده وعلى يد من قدم بلده من العلماء، فاجتهد حتى بذَّ أقرانه في كل فن من فنون العلم، فلما بلغ ثلاثاً وعشرين سنة جلس للتدريس والعطاء، وما بلغ عام 1350 حتى صار مرجع العلوم ببلده، ورأس التدريس به.

وقد أثبت أنه تلقى العلم عن الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، وهو أول من قرأ عليه، وكان يصفه بجودة حفظه للحديث، وورعه ومحبته للفقراء وحسن مواساتهم لهم، حتى إنه كثيراً ما كان يأتيه الفقير في اليوم البارد الممطر فيخلع أحد ثوبيه ويلبسه الفقير مع حاجته إليه.

وقلة ذات يده رحمه الله، كما ذكر من أشياخه الشيخ محمد بن عبد الكريم الشبل، قرأ عليه في الفقه وعلوم العربية وغيرهما، ومنهم الشيخ صالح بن عثمان القاضي (قاضي عنيزة) الذي قرأ عليه في التوحيد والتفسير والفقه أصوله وفروعه وعلوم العربية، وهو أكثر من قرأ عليه ولازمه ملازمة تامة حتى توفي رحمه الله، وكذلك تلقى عن الشيخ عبد الله بن عايض.

والشيخ صعب القويجري، ومنهم الشيخ علي السناني ومنهم الشيخ علي الناصر أبو واداي، الذي قرأ عليه الحديث، وأخذ عنه الأمهات الست وغيرها، وأجازه على ذلك، كما تلقى على الشيخ محمد بن الشيخ عبد العزيز المحمد المانع (مدير المعارف في المملكة العربية السعودية) وكذلك الشيخ محمد الشنقيطي نزيل الحجاز والزبير وعنيزة حيث درس عليه التفسير والحديث ومصطلحاته وعلوم العربية كالنحو والصرف.

وهكذا تجد العلامة عبد الرحمن السعدي تشكل بناؤه العلمي من روافد راسخة القدم في علوم الإسلام واللغة، ومن تيسير الله له أن توفر له مثل هؤلاء الأئمة الأعلام ليأخذ على أيديهم فيض العلوم، ليكون عطاؤه فيما بعد زاخراً.

وكان مجلسه ولقاؤه يدل من عاشره على جملة من الأخلاق الفاضلة، منها تواضعه للصغير والكبير والغني والفقير، وكان يقضي بعض وقته في الاجتماع بمن يرغب حضوره فيتحول المجلس إلى ناد علمي، حيث يحرص على احتوائه على البحوث العلمية والاجتماعية ويحصل المجتمعون من ذلك على فوائد عظمى من هذه البحوث النافعة، وهكذا تنقلب المجالس إلى عبادة وعلم وانتفاع.

وعرف عنه أنه كان على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة وحسن التفهيم لمن يتلقى عنه، مرتباً لأوقات التعليم، ويجري بين تلاميذه المسابقات التنافسية والمناظرات العلمية، لشحذ أفكارهم، مع رصد الجوائز والجعول لمن يحفظ المتون، فمن حفظ المتون نال الجعل فلا يحرم أحد حقه في ذلك.

وشهد له أهل العلم بالمعرفة التامة بالفقه، أصوله وفروعه، وكان في أول أمره متمسكاً بالمذهب الحنبلي تبعاً لمشايخه، غير أنه بعد انتفاعه بآثار الإمامين: ابن تيمية وابن القيم، صار لا يتقيد بالمذهب الحنبلي، بل يرجح ما ترجح عنده بالدليل الشرعي، ولا يطعن في علماء المذاهب كشأن بعض المتهوسين الموتورين.

كما أجمعوا على أن له ـ رحمه الله ـ اليد الطولى في التفسير، إذ قرأ تفاسير مهمة عدة، فبرع في فهم مرامي الآيات وتقريب معانيها من العقول، وكان يفسر القرآن بالبديهة في درسه لتلاميذه ارتجالاً، ويستطرد ويبين من معاني القرآن وفوائده، ويستنبط منه الفوائد البديعة والمعاني الجليلة، حتى إن سامعه لا يجد الملل سبيلاً إلى قلبه أو ذهنه.

وكان هذا التفسير الذي سماه «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» وجاء في سبعة مجلدات، هو فيض هذه المجالس المباركة، وقد قامت على طبعه ونشره الإدارة العامة أو الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وجعل المؤلف في مقدمة كتابه نبذاً من كتاب «بدائع الفوائد» لابن القيم رحمه الله، تتعلق بتفسير القرآن ويحتاج إليها الدارس لتفسير القرآن، رضي الله عن خدم كتابه جميعاً.

وأقد أصيب رحمه الله عام 1371 بمرض ضغط الدم وضيق الشرايين، فكانت أعراضه تبدو عليه أحياناً بوقف لسانه عن الكلام، فيقف عن الكلام وإن كان يقرأ القرآن ثم إذا زالت الأزمة تكلم، ويرجع عن صمته، فسافر على نفقة المملكة إلى لبنان عام 1372 وظل يتلقى العلاج شهراً، وشفاه الله.

وبعد أن رجع إلى عنيزة باشر أعماله التي كان يباشرها قبل مرضه من تدريس وإفتاء وتصنيف وخطابة جمعة وإمامة، فعاوده المرض، فلما كان في شهر جمادى الآخرة سنة 1376هـ أحس بالذي فيه وكان معه مثل البرد والقشعريرة.

وفي ليلة الأربعاء 22 من الشهر المذكور بعد فراغه من الدرس المعتاد الذي يشبه محاضرة من المحاضرات التي كان يلقيها على الناس في المسجد أحس بثقل وضعف حركة، فأشار إلى بعض تلامذته أن يمسك بيده ويذهب معه إلى داره ففعل فهرع معه أناس من الحاضرين فلم يصل إلى داره إلا وقد أغمي عليه.

وبعد ذلك أفاق رحمه الله وأثنى على الله وحمده وتكلم مع الحاضرين بكلام طيب حسن، ثم عاوده الإغماء، فلم يتكلم بعد ذلك، فلما أصبحوا صباح الأربعاء دعوا الطبيب فقرر أنه نزيف في المخ، وإن لم يتدارك على الفور كانت الوفاة، فأبرقوا إلى الملك، فأصدر قراره الكريم على عجل بكل ما يلزم، فقامت طائرة على متنها أمهر الأطباء والعلاجات اللازمة، إلى مدينة عنيزة، غير أن الله قدر .

وما شاء فعل، إذ كان الجو ملبداً بالغيوم والرعد والبرق والعواصف الشديدة، فلم تستطع الطائرة أن تهبط على أرض المطار، فتوفي رحمه الله، قبل فجر يوم الخميس الموافق 22 جمادى الآخرة سنة 1376ه، فأصيب الناس لموته، وأخذوا أخذاً شديداً لفقده، وصلى عليه الجمع العظيم بعد صلاة ظهر يوم الخميس، فلم يشهد مثل من حضر جنازته، وهتفت القلوب بالدعاء له والترحم عليه، لقاء ما علَّم ودرس وأفاد ونفع، فلما صلي عليه حملوه على الأعناق بزحام شديد إلى مقبرة الشهوانية المعروفة ببلدة عنيزة.

وخلف من الأبناء ثلاثة هم: عبد الله ومحمد وأحمد، رفعوا ذكره من بعده، بعد علمه وفقهه ودرسه لتلاميذه النجباء الذين نشروا علومه في الخافقين، وقد حفظ التاريخ منهم على سبيل المثال لا الحصر:

الشيخ سليمان بن إبراهيم البسام المدرس في المعهد العلمي، الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، قاضي المجمعة ثم عنيزة، الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام عضو هيئة التمييز في المنطقة الغربية، الشيخ محمد المنصور الزامل المدرس بمعهد عنيزة العلمي، الشيخ علي بن محمد الزامل مدرس النحو بمعهد عنيزة العلمي، وكان أنحى أهل نجد في زمنه، الشيخ محمد بن صالح العثيمين المدرس بالمعهد .

وخليفة شيخه على الإمامة والخطابة بالمسجد الجامع بعنيزة، الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل عضو الإفتاء ورئيس الهيئة العلمية المستقلة بعد وفاة سماحة رئيس القضاة، الشيخ عبد الله المحمد العوهلي المدرس بالمعهد العلمي بمكة المكرمة، الشيخ عبد الله بن حسن آل بريكان المدرس بالمعهد العالي بعنيزة، وغير هؤلاء الكثير نفع الله بهم وأجزل له المثوبة.

ومؤلفاته ـ رحمه الله ـ كثيرة وعديدة في الفقه والتفسير والتوحيد والدعوة والمواعظ والنصح للأمة حكاماً ومحكومين والمختصرات في الفقه والأصول، طبع أكثرها في القاهرة ودمشق وطبعت مؤخراً بالسعودية.

وكان يهدف من تفسيره البحث عن مقصود الآية من معنى، ولم يشغل نفسه بحل الألفاظ والعقود، لأن المفسرين السابقين رضي الله عنهم قد كفوا من بعدهم، فكان عليه أن يخلص إلى ذكر المراد من المعاني وكفى.. فجزاه الله خير ما جوزي داعية عن أمته، والله وحده هو الهادي إلى سواء السبيل.

علي عيد